|
كتب تامر الزيات
محور هذا المقال
والمقال الذي يليه هو أحد أهم الشخصيات الليبية في إدارة استثمارات أموال النفط
الليبي في الخارج وهو محمد بودحروجة، المعروف أيضا باسم محمد عبدالجواد. فقد
ادعى هذا الرجل أن مجموعة شركات تام أويل هي "الجنة الموعودة" لتوظيف دخل النفط
الليبي. ولكن خلال سنوات قليلة تحولت تلك الجنة إلى حجيم وبالوعة لا قاع لها
ابتلعت مئات الملايين من الخزانة الليبية، وصارت كـذبة كبيرة دفع الشعب الليبي
ثمنها غاليا.
تناولنا في المقالات السابقة بدايات تسرب سرطان الفساد إلى قطاع النفط في ليبيا
نتيجة عمليات "الزحف الثوري" على القطاع التي قادها حسن اشكال في أواخر
السبعينات من القرن الماضي (للمراجعة: اضغط هنا) .
وتعرضنا إلى تفاقم ذلك السرطان الخبيث واستشرائه في إستثمارات أموال النفط التي
أدت إلى اقتناء المؤسسة الوطنية للنفط لشركة تام أويل إيطاليا المفلسة، ثم شركة
غات أويل السويسرية المفلسة كذلك (للمراجعة: اضغط هنا).
وسنتناول في هذا التقرير الأسباب والدوافع "المعلنة" رسميا التي تقدم بها أولئك
المتورطون في تأسيس مجموعة تام أويل الى القيادة الليبية والى الشعب الليبي
لتبرير تلك المشاريع والصفقات العشوائية غير المدروسة والتي لا يوجد تفسير
منطقي أو إقتصادي لها. وتشمل تلك الصفقات ما يلي:
شركة تام أويل إيطاليا عام 1985
شركة كيمبيترول أوفرسيز ليمتد CHEMPERTROL OVERSEAS Ltd – مالطا عام 1988 (موزع
مواد كيماوية أهمها الميثانول)
غات أويل GATOIL S.A سويسرا عام 1990
مصفاة هولبورن HOLBORN في هامبورغ ألمانيا وشركة هامبورغ إغست مينيرول أويل
هاندلز HAMBURG EGGEST MINERALOELHANDELS (HEM) (أتش إي أم) عام 1991 وشركة
هولاند ماركتينغ في روتردام HOLLAND MARKETING OF ROTTERDAM بهولندا التابعة
لها، التي تأسست عليها فيما بعد شركة تام أويل هولندا.
ثيفيني آند داكروت THEVENI & DUCROT بفرنسا عام 1991 (صفقة لم تنجح أدت إلى
تأسيس شركة أويل إنيرجي OIL ENERGY FRANCE فرنسا التي أقفلت فيما بعد).
تام أويل هنغاريا TAMOIL HUNGARIA في المجر عام 1991 (بالإشتراك مع شركة
مينارال إمنبيكس MINERALIMPEX المجرية وشركة مينارال كونتر MINERALKONTER
النمساوية).
مصفاة أويل هيلاس OIL HELLAS في اليونان عام 1991 (صفقة فاشلة) تحولت إلى شركة
في قبرص بالتعاون مع تام أويل TAMOIL Hamburg هامبورغ.
إيسيركيل ESERQUIL برشلونة أسبانيا عام 1992 (صفقة خاسرة) تحولت إلى شركة تابعة
لتام أويل.
شركة تيمب TEMP بجمهورية التشيك عام 1992
شركة ستام أويل STAMOIL بجمهورية مصر العربية عام 1992
بعد كل هذه الصفقات العشر والتعاملات الخاسرة التي صاحبتها، وبعد إلحاح السيد
محمد عبدالجواد المستمر على أن تضخ المؤسسة الوطنية للنفط مئات الملايين من
الدولارات من خزانة الشعب الليبي في ميزانية مجموعة تام أويل لتغطية الخسائر
الفادحة المترتبة عليها... بعد هذ كله تنبهت الحكومة الليبية إلى وجود خلل كبير
جدا في عمليات المجموعة. وعليه قررت السلطات الليبية المعنية في الحكومة النظر
في هذه المجزرة المالية وأخبرت محمد عبدالجواد بأنها غير مرتاحة للوضع ورفعت
الموضوع برمته إلى "الأخ القايـد" شخصيا وفي انتظار تعليماته.
فلما أدرك عبدالجواد أن العملية ستنكشف سارع بالإتصال بسيده وولي نعمته آنذاك
الرائد عبدالسلام جلود ليقينه بأن أي سوء يمسه هو لن ينجو منه جلود. وما كان من
جلود إلا أن تحرك لإنقاذ شريكه و "ذراعه" في قطاع النفط!! وقد تمكن جلود فعلا
من وضع خطة للتحرك لإخراج عبدالجواد من تلك الورطة وتفادي المثول أمام العدالة.
وقد ساعده في ذلك بعض أصدقاء عبدالجواد من ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء.
وقبل أن نخوض في تفاصيل تلك الخطة دعونا نتعرف على السيد محمد عبدالجواد.
مـن هـو مـحمد عـبدالجـواد ؟
أسمه الأصلي محمد بودحروجة ولأسباب غير معروفة غير اسمه الى محمد عبدالجواد.
بعد إكمال دراسته الثانوية تحصل على منحة للدراسة الجامعية في الولايات
المتحدة. ولكن نظرا لإخفاقه في دراسته ترك الجامعة بعد نهاية السنة الأولى لعدم
تمكنه من استيعاب ومتابعة الدروس لكون منهج الجامعة أعلى من مستواه التعليمي.
عاد بودحروجة الى ليبيا والتحق بمعهد هايتي للمحاسبة في طرابلس الذي تخرج منه
ليعمل موظف استقبال في مصرف ليبيا المركزي. كانت واجباته تشمل استقبال الزبائن
وفحص طلباتهم ثم تحويلهم على الموظفين المختصين لإنهاء معاملاتهم.
في بداية عام 1970 بدأ عبدالسلام جلود عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء
آنذاك في إطار السيطرة على المرافق الإقتصادية والتجارية في الدولة في عقد
سلسلة من الإجتماعات مع مدراء مصرف ليبيا المركزي إثر إنقلاب سبتمبر 1969.
وكان جلود كلما زار مصرف ليبيا المركزي استقبله مجموعة من المتملقين والمنافقين
بالهتافات "الثورية" كان دائما في مقدمتهم السيد بودحروجة الذي كان صوته يعلو
فوق كل الأصوات. وهكذا شد انتباه جلود الذي وجد فيه المواصفات المطلوبة لما كان
في نية جلود آنذاك. فأمر بترقيتة من موظف استقبال الى مدير إدارة النقد
الأجنبي. وقد كان حدس جلود صائبا، إذ أظهر بودحروجة مهارة فائقة في التنفيذ
والسمع والطاعة و "كر الحبل" والإمتثال للتعليمات جعلت جلود يتسفيد منه إلى
أقصى مدى مقابل النفوذ والمال. وأصبح بودحروجة الرجل الأول في خطة عبدالسلام
جلود لحلب أموال النفط الليبي.
لم تكن الخطوة التالية محض صدفة ولا عن جدارة أو لمؤهلات يمتلكها بودحروجة،
ولكنه عين أول رئيس للمصرف الليبي العربي الخارجي لدى تأسيسه عام 1972 وظل في
ذلك المنصب حتى عام 1983عندما فصل بسبب سوء الإدارة (راجع المقال السابق).
وفي عام 1985 عين جلود صاحبه بودحروجة رئيسا لمجموعة تام أويل واحتل ذلك المنصب
حتى عام 2001 (راجع المقال السابق). وبودحروجة معروف بأوصاف و"مؤهلات" كثيرة
ليس أقلها انخفاض مستوى الذكاء والإستعداد لتنفيذ كل ما يطلب منه تنفيذه.
كانت خطة الرائد جلود تقوم على تحميل المسؤولية بالكامل للمقاطعة الأمريكية
للنفط الليبي، وإقناع الجميع بأن اقتناء كل هذه الشركات في أوروبا هو الحل
الناجع كونه يوفر قناة تسويق استراتيجية مباشرة لمنتجات النفط الليبي تعوض
الخسائر الناجمة عن أثر المقاطعة الأمريكية. ولجأ السيد بودحروجة في تبرير
الصفقات التي عقدها وأشرف عليها لامتلاك شركات تام أويل في أوروبا بالإستشهاد
بتجربة دولة الكويت وجمهورية فينزويلا في هذا المضمار. فقد بادرت هاتان
الدولتان إلى اقتناء مرافق وشركات عاملة في تكرير النفط ومنتجاته الثانوية بهدف
حماية مبيعاتهما من النفط الخام عندما تكون سوق النفط راكدة.
وبمقارنة النموذج الكويتي بنموذج بودحروجة في استثمار أموال النفط نجد أن الخطة
الكويتية تعطي الأولوية لمصلحة الكويت وشعبها بينما كانت المصلحة المالية
الخاصة هي الأساس بالنسبة لجلود وبودحروجة وشركائهما الأوروبيين.
أما بالنسبة للتجربة الفنزويلية فقد دخلت مؤسسة النفط الوطنية الفنزويلية شريكا
مناصفة (50% - 50%) مع شركة فيبا عام 1983 في شركة اسمها (روهر أو أل) في إطار
خطة فنزويلا للتحكم في منتجات نفطها الثانوية في أوروبا. وكانت روهر تمتلك
مصفاة للنفط بالقرب من مدينة غليسنكيرشن بألمانيا بطاقة قدرها 250 ألف برميل في
اليوم. وفي عام 1985 توسعت شركة روهر بامتلاك ثلاث مصافي إضافية ومجمع كيمياوي
وأنابيب لنقل النفط ومحطات. ومع أواخر عام 1986 كانت فنزويلا قد اقتحمت السوق
الأمريكية.
إلا أن الأسباب التي تقدم بها بودحروجة لتبرير وتسويق خطة عبدالسلام جلود
الهادفة إلى إخراج بودحروجة من الورطة التي وقع فيها لم تكن مقنعة للحكومة
الليبية حيث أن الشركات كانت مفلسة وفاشلة ولا قيمة لها. فأحالت الحكومة
الموضوع إلى القيادة الليبية معربة عن تحفظاتها حول الإستثمارات التي نفذها
بودحروجة. والقيادة طالبت بتوضيحات مما استفز جلود ودفع به إلى التدخل نيابة عن
بودحروجة مستخدما نفس المبررات السابقة.
رغم ذلك طالبت القيادة الليبية بتقديم عرض حي ومباشر حول نشاطات مجموعة تام
أويل على شاشة التلفزيون الليبي. وكان ذلك في أوائل عام 1993 وبحضور العقيد
معمر القذافي شخصيا. طلب جلود من بودحروجة إعداد العرض، وكانت أفضل طريقة لذلك
هو إحالة المهمة على أصدقاء بودحروجة الأوروبيين لإنجازها.
ولتنفيذ تلك المهمة قضى بودحروجة ثلاثة أسابيع في مكتب تام أويل إيطاليا في
ميلان بصحبة الإيطالي شيمارا مدير عام تام أويل إيطاليا والألماني إيغيرت مدير
عام تام أويل ألمانيا. فجمعا له المادة المطلوبة وأعدا الرسومات والرسوم
البيانية والصور والصور التوضيحية مستعينين بإمكانيات وخبرات شركة وينار
إنترناشيونال Winner International للإعلانات التابعة لمجموعة تام أويل. وهكذا
أعد العرض المطلوب من أجل خداع الشعب الليبي وإقناعه – عبر شاشة التلفزيون –
بأن الرماد الذي يشاهده (مجموعة تام أويل) هو في الحقيقة ذهب. فالمشكلة ليست ما
يعرض وإنما هي في الواقع ما يراه المشاهد أو ما يخيل إليه أنه يراه.
فقد لجأ العرض إلى استخدام كل الحيل ووسائل الخداع لتحويل نظر المشاهد وفكره
بعيدا عن المشكلة الأساسية. كما أن الألماني إيغريت كان قد نجح في إغراء أحد
الصحفيين الألمان بكتابة مقال يضخم فيه من قوة وحجم ونجاح وإمكانيات شركة تام
أويل، مؤكدا على أنها قادرة على السيطرة على سوق النفط الألمانية ومن ثم التحكم
في منتوج استراتيجي هام للأمن القومي الألماني ألا وهو الطاقة. ومن هنا – حسب
المقال - يصبح النظام الليبي قادرا على فرض أجندته وإملاء شروطه والتأثير في
القرار السياسي الألماني!! وفعلا نشر المقال ليتزامن مع عرض بودحروجة على
التلفزيون الليبي حول نشاطات مجموعة تام أويل.
وفعلا ظهر بودحروجة يردد كالببغاء ما أعده أسياده السماسرة الأجانب، فكان - على
رأي المثل الليبي المعروف - كالطير: هو يغني وجناحه يرد عليه!! ولسوء الحظ لم
يحضر العرض أي خبير نفط ليبي ليناقش بودحروجة في ما طرحه من إدعاءات ومزاعم
وإحصائيات، أو يقيّم تلك الخطة "الجهنمية" التي وضعها بالتواطؤ مع سيد نعمته
عبدالسلام جلود وسماسرة عرب وأجانب لاستثمار أموال النفط الليبي في الخارج!!
واستعمل بودحروجة في عرضه مقال الصحفي الألماني (المدفوع ثمنه) المشار إليه
أحسن استعمال للتأكيد على انبهار الألمان بإنجازات تام أويل ورعبهم من المارد
الليبي الإقتصادي الذي أخذ يغزو أسواقهم!!
كان الهدف الرئيسي من تلك الحيلة هو إقناع "القائـد" بأن ليبيا قادرة من خلال
مجموعة تام أويل أن تؤثر في سياسة الحكومة الألمانية. وهكذا، وبعد ثلاثة أسابيع
من الجهد المتواصل، تمكن بودحروجة – بمساعدة أسياده الأوروبيين – أن يعد
التقرير الذي سيعرض على التلفزيون الليبي حول نشاطات وإنجازات مجموعة تام أويل.
ولكن السيد بودحروجة استند في خطته هذه على تلفيق متعمد كون استثمارات الكويت
وفنزويلا مبنية على برنامج تسويق مدروس والشركات والمنشآت التي استثمرت فيها
الأموال كانت شركات رابحة وذات قيمة حقيقية في السوق، وأن خطة الإستثمار
النظرية مطابقة للواقع العملي. أما بالنسبة للتجربة الليبية فالسيد بودحروجة
تعمد شراء شركات مفلسة لا قيمة لها على الإطلاق. كما أن الأسباب والدوافع لم
تكن تمث بأي صلة لترشيد وتعزيز وبناء صناعة النفط الليبي أو توظيف أمواله
التوظيف الصحيح. لقد كان الهدف الأول والوحيد من تلك العمليات و"الإستثمارات"
هو توفير وسيلة للحصول على عمولات ورشاوى ومنافع خاصة لعبدالسلام جلود
و"مُغرفه" بودحروجة وغيرهما من تلك الشلة التي جندت كل خبرتها وجهدها لاستنزاف
أموال النفط الليبي وامتصاصها (شفطها) لحساباتهم الخاصة. لم تكن تلك
الإستثمارات قائمة على استراتيجية مدروسة أو خطة علمية.
ولم ينس أن يتملق إلى "الأخ القايـد" عند كل قاطعة وفاصلة في ذلك التقرير
المحشو بالأرقام المزيفة والصور المبهرة والبيانات المنمقة التي أعدتها شركة
وينار إنترناشيونال (التي سنتعرض في مقال قادم بالتفصيل لنشاطاتها المشبوهة
والمثيرة للتساؤل). فعندما كان يعرض بعض الأرقام - مثلا - وسبقه القذافي بالنطق
بمجموعها، بادر بودحروجة على الفور بالثناء على عبقرية القائد الحسابية التي
فاقت قدرة حاسوب شركة تام أويل الذي استغرقت منه عملية الحساب ستة أشهر كاملة!!
واستطرد يعبر عن إعجابه بذكاء القائد الخارق الذي استطاع أن يتوصل إلى مجموع
تلك الأرقام خلال لحظات!!
ولكن شغل بودحروجة الشاغل طوال ذلك العرض كان هو تحويل أنظار القيادة الليبية
والمشاهدين عن القضية الأساسية. وقد أفلح فعلا – على ما يبدو – في إقناع
القيادة الليبية بصحة ما عرضه، ولا ندري إن أفلح في إقناع الليبيين عموما.
وتمكن – بمساعدة سيده جلود – أن يحصل على "صك على بياض" وحرية مطلقة للإستمرار
في خطة الإستثمار ومواصلة نشاطات تام أويل بناء على تلك الخطة التي عرضها. ولم
يتورع بودحروجة في استغلال ذلك التفويض الكامل للتوسع في المزيد من الصفقات
الخاسرة والمشاريع الفاشلة التي تهدف أولا وقبل كل شيء إلى تحقيق أكبر قدر ممكن
من العمولات والرشاوى له ولأسياده الليبيين والأوروبيين.
وكان ذلك – بكل أسف – إيذانا بمزيد من الإستنزاف والتبديد لأموال الخزينة
الليبية. وهو ما سنتناوله في المقال القادم.
انقر هنا لقراءة الجزء
الثاني من هذا المقال |