"الشيء الوحيد الذي يمكن أن يرضينا، هو أن يقدّم رأس القذّافي على طبق الى الولايات المتحدة. وأن يسمح لنا بدوسه، والبصق عليه"! جورج ويليامس – أمريكي فقد إبنه في جريمة لوكربي، في تصريح له الى BBC يوم 14 الجاري.

 قد يتساءل المرء، ما علاقة كارثة لوكربي وذيولها، بعنوان هذا المقال حول كارثة (لابيل) الأخرى التي تسبّب فيها القذافي؟ والجواب واضح بسيط: لولا (لابيل) ما وقعت (لوكربي).

وهكذا صرنا نشاهد تضاريس عالم الجريمة المدلهم – الذي يذكّر بعالم شيكاغو في الثلاثينيات من القرن الماضي – والذي انغمس فيه القذّافي مورّطا بلاده وشعبه معه. وإذا كان أقطاب (آل كابوني) و ( كوزا نوسترا) و (المافيوزي) الجدد، مارسوا، ولا زالوا، لعبة الدم بتدبير محكم وخبث تنظيمي لعين، فإننا أمام معتوه مارسها بغباء، كهواية في البداية، ثم وجد نفسه يغرق فيها. وأخذ الآن يتخبّط وحيدا يريد الخلاص والعالم جميعا يتفرّج ما بين متشفّ حاقد، كالمستر ويليامس رغم العشرة ملايين دولار التي سيحصدها ولا يعرف كيف سيصرفها جميعا وهو في هذه المرحلة المتقدّمة من العمر! وبين مشدوه مكتئب ومتوفّز، يغلي من شدّة التقزّز والغضب.

وهم جميع أبناء الشعب الليبي المغلوب على أمره. وسنحاول أن نكثّف المشاهد حتى لا يتحوّل الفيلم الى مسلسل مثير طويل مملّ، مثل مسلسلات (أوبرا الصابون) في لغة السينما!

اكتمال حلقات الجرم تمّ في روما يوم 18 أغسطس 1997 (أي في مثل يوم تحرير هذا المقال منذ ست سنوات. يا للصدفة!) حينما التقطت أجهزة المخابرات الألمانية مكالمة هاتفية صادرة من شقّة في حي (مونتي ساكرو) بالعاصمة الإيطالية، بواسطة بلاغ تلقّته من البوليس الدولي (انتربول). المتحدّث كان شخصا تعرفه الأجهزة جيّدا، وهو مصباح بالقاسم التير (وليس العتر كما أخطأت كل وسائل الإعلام العربيّة في تهجئة إسمه). وهو العنصرالباقي من فرقة قامت يوم 5 أبريل 1986 بتفجير قنبلة في ملهى ليلي يرتاده الجنود الأمريكيون في برلين. وكانت الحصيلة مقتل جنديين أمريكيين إثنين وإمرأة تركيّة وجرح 230 شخصا.

وبعد أيام قليلة، أي يوم 14 أبريل من عام 1986 أمر الرئيس الأمريكي ريجان بقصف مدينتي طرابلس وبنغازي بطائرات 111F التي قتلت وجرحت العشرات من المواطنين الليبيين الأبرياء.. (لم يصب الطاغية أو أحد من أفراد عائلته، رغم الأكذوبة الضخمة التي روّجها النظام وصدّقتها جميع أجهزة الإعلام، بقتل حنان إبنة القذّافي بالتبنّي، فهي لازالت حيّة حتى الآن ولدينا صورة لها في السنوات الثلاث الماضية تظهرها وهي منتفخة من السمنة!).

وعبر السنوات الماضية، صار أعضاء الفرقة، وهم إثنان من الألمان وإثنان من العرب، في قبضة القضاء الألماني بعد أن سلّمت السلطات اللبنانية شريدية وشنّع، والسلطات اليونانية فيريا وأختها هوسلر.

أما مصباح التير (39 سنة آنذاك والتابع للإستخبارات الليبية) فقد كان، وقت المكالمة الهاتفيّة المشار اليها مختبئا لمدّة أسبوعين في شقّة يسكنها زوجان ليبيان آخران هما خالد التير (34 سنة آنذاك) ويدّعي قرابة عائلية به، وزوجته هناء بنت عامر (34 سنة أيضا) وقدّمت نفسها كموظّفة بالسفارة الليبية في روما. وحين داهمت الشرطة الإيطالية فجر يوم 19/8/1997 شقتهما في (Via Chiusi 82 ) لم تجد مصباح التير ولكن عثرت على بطاقة هويّة إيطاليّة له مزوّرة بها صورته بإسم مغاير.

وفي يوم 23 من نفس الشهر أوقفته الشرطة في (Via Somalia) فاستسلم لها دون مقاومة. وبعد تحقيقات مع قريبه وزوجته أطلق سراحهما. أما هو، فقد أخذت الإجراءات القانونية المطوّلة مداها معه، الى أن سُلّم الى السلطات الألمانية.

كان مصباح التير هو الشخص المفتاح بالنسبة للسلطات الألمانية. وفي أحد أيام أكتوبر 1996 دخل شخصيا الى السفارة الألمانية في مالطا، وأفرغ للمسئول فيها كلّ ما في جعبته من معلومات وحقائق عن عمليّة الملهى الليلي.

واتضح من اعترافاته أنه كان يتولّى قلم المخابرات في السفارة الليبية بألمانيا الشرقيّة. وبعد سقوط جدار برلين وانهيار نظام ألمانيا الشرقيّة، وقعت وثائق بوليسه السرّي (ستاسي) في أيدي السطات الألمانية، ثم استولى عليها جهاز الإستخبارات الأمريكية C.I.A.، ومنها اتّضح أن التعليمات صدرت اليه من القذّافي بأن تلحق عمليّة التفجير أكبر عدد ممكن من الضحايا الأمريكيين. ولذلك تمّ اختيار ملهى لابيل، لأن عدد من يغشاه من الجنود وبقيّة الروّاد يتجاوز 500 شخصا يقضون وقتهم حتى ساعات الفجر الأولى في الشرب والرقص.

وعند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ليلة يوم 5 أبريل 1986 دخلت (فيرينا شناعه 30 سنة) وهي ألمانية متزوجة من المتهم علي شناعة (ألماني الجنسية من أصل فلسطيني، اشتغل عميلا للمخابرات الليبية، وكان يحمل جواز سفر دبلوماسيا ليبيا) ومعها صديقتها (أندريه هوسلير) واللبناني ياسر شريدي (وهو أيضا عميل للمخابرات الليبية). وضعت الشحنة المتفجّرة تحت مائدة في وسط الملهى. وثبت بعد ذلك ـ من وثائق ستاسي ـ أن الشحنة جُلبت في حقيبة السفارة الليبية الدبلوماسيّة، ونُقلت بالسيارة الدبلوماسية عبر جدار برلين الى الملهى المذكور. وبعد خمس دقائق من مغادرتهم أنفجرت القنبلة، وأسفرت عن الأصابات المعروفة.

وبعد لحظات التُقطت رسالة لاسلكية بُثّت من السفارة الليبية في برلين الشرقيّة الى طرابلس تقول: "انتهت المهمّة بنجاح دون أن تترك أية آثار". وصدرت الأحكام في القضيّة كما هو معروف في شهر نوفمبر 2001 (14 سنة سجن للشريدي – 12 سنة لشنع – 12 سنة للتير، لتعاونه في التحقيق، ومثلها للألمانية زوجة شنع السابقة، أما أختها هوسلير فقد برّئت لعدم معرفتها بما كانت تحتويه حقيبة التفجير).

والملفت للنظر أن (ستاسي) كانت ترصد رحلات التير وأعوانه بالسيّارة بين شطري برلين دون أن تعيق حركته. وثبت من الوثائق أنها كانت على علم بخطّة التفجير دون أن تحول دون وقوعه. إنها عتّمت على اغتيال محمد عاشور المواطن الليبي الذي وجد ملقيا في حديقة عامّة مضرّجا في دمائه. واتضح أن الذي قام بقتله (ذبحا) كان ياسر الشريدي وعلي شناعة بتكليف من المخابرات الليبية، لأنه اتهم بالتجسّس على العمليّة لصالح ألمانيا الغربية (كان محمد عاشور ـ الذي يمتّ بصلة القربي للدكتور عبد الحفيظ الزليطني أمين اللجنة الشعبية العامة للمؤسسة الوطنية للنفط حاليا ـ يعمل محاسبا بالسفارة الليبية في بون أثناء العهد الملكي منذ 1967. وبعد انقلاب القذّافي انتقل الى برلين الشرقيّة كعميل للمخابرات تحت وظيفة مراسل لوكالة الأنباء الليبية، ويبدو أنه كان عميلا للمخابرات الألمانية الغربية أيضا).

بل إن السلطات الألمانية الغربية أبلغت من قبل السفارة الأمريكية، بأن عمليّة ما تدبّر ضد رعاياها (وهذا ما أسرّ به السفير البريطاني لزميله السفير السوفييتي، بعد حدوث التفجير)، ولكنها لم تأخذ الأمر مأخذ الجدّ. أمّا (ستاسي) فأغلب الظن أنها في سلوكها الغريب هذا، كانت تتمنّى إحراج ألمانيا الغربية أمام حلفائها الأمريكيين، في حمّى الحرب الباردة التي كانت على أشدّها. كما أن إخفاءها لمقتل محمد عاشور، جاء لتحميل جميل على حليفها القذّافي، وتشفيّا لعمالة القتيل للمخابرات الغربيّة!

ولقد أثارت العمليّة الضجّة العالميّة المعروفة التي استمرّ صداها حتى اليوم. ورغم توجيه أصابع الإتهام الى القذّافي، إلاّ أن الأدلّة الدامغة كان يلفّها الغموض. وطرأت عبر سنوات التحقيق تطورّات خفيّة لم تسلّط عليها أضواء الإعلام. ومن أبرزها:

في عام 1998 صدر في ألمانيا كتاب ضخم عنوانه (باسم الدولة) بقلم (أندرياس بولو) النائب البرلماني عن الحزب الإجتماعي الديمقراطي لمدة 15 سنة، والذي شغل منصب نائب وزير الدفاع الألماني من 1976 – 1980 ثم الوزيرالإتحادي للبحث العلمي والتكنولوجيا من 1980 – 1982، وقد فضح بالأدلّة والقرائن ضلوع وكالة الإستخبارات الأمريكية وجهاز المخابرات الألماني و(الموساد) الإسرائيلي، فرادى ومجتمعة، في كثير من أعمال تهريب الأسلحة والمخدّرات وغسيل الأموال، والعمليات الشهيرة التي قام بها رموز مثل كارلوس وأبو نضال وحدّاد، إضافة الى العمليّات في آسيا وأمريكا الجنوبيّة. ويهمّنا هنا أن نشير الى ما ذكره عن قضيّة (لابيل) موضوع هذا التتحليل: فالمكالمة اللاسلكيّة التي قيل إن المخابرات الأمريكية التقطتها بين سفارة ليبيا في برلين الشرقية وبين قيادتها، كانت مفبركة من قبل الموساد الذي سجّلها في جهاز زرعه في مكان قريب من قيادة القذّافي في طرابلس عن طريق عملاء الموساد هناك، وعندما التقطتها المخابرات الأمريكية تيقّنت أنها فعلا قد جرت مع طرابلس، وهو صحيح. وكانت هي الدليل الذي اعتمد عليه ريجان لشنّ عدوانه الوحشي. ويستشهد المسئول الألماني بأقوال أدلى بها ضابط مخابرات من الموساد هو (آري بن ميناشه)، ثمّ أكّدها زميله (اوستروفسكي) الذي قال إنه شخصيّا شارك في العمليّة التي نظّمها قسم (التضليل Disinformation) في الجهاز الإسرائيلي. كما أن مكالمات مماثلة تنتحل تورّط حكم القذّافي في عمليّات إرهابيّة، زرعت في كثير من البعثات الليبية في الخارج! وقد استغرب الوزير الألماني كيف يصدّق الأمريكيون أن الغباء يصل بالليبيين الى هذا الحد من بثّ رسالة كهذه مباشرة بعد عمليّة التفجير، بينما لم ينطل ذلك على الجهازين الفرنسي والأسباني؟ ومن ناحية أخرى يؤكّد أن البارجة الأمريكيّة (كورال سي)، قبل قصف طرابلس وبنغازي، توغّلت الى أقل من 12 ميلا داخل خليج سرت (وليس 120 ميلا كما ادّعى القذّافي)، وبذلك تمكّنت من التقاط وتعطيل أجهزة الرادار الليبية.

أن المحقّقين الألمان بعد أن سقط في أيديهم الصيد الثمين (مصباح التير) وأفشى لهم ما أفشى به، أرادوا أن يتأكّدوا من أن رئيس الدولة الليبية شخصيا كان هو مدبّر العمليّة، وفي هذه الحالة فإن القضيّة ستأخذ مجرى مغايرا وتكتسي صبغة سياسية حسّاسة. وأيّد هذا الإدعاء أقوال أدلى بها في شهر مارس 2001، الى النيابة ومكتب التحقيقات الجنائية الألمانية، شخص نمساوي كان مكلّفا، خلال الثمانينات والتسعينات، من قبل منظمّة ليبية تسمّى (المثابة) بإجراء علاقات لها في أوربا من شأنها نشر مباديء القذّافي فيها (من باب التبشير بالحضارة الجديدة)! وهذا النشاط جعله يتعرّف على حقيقة التنظيم الداخلي للقذّافي، وأن يقابله شخصيّا أكثر من مرّة (وهنا أبرز صورة فوتوغرافيّة غير مشكوك فيها تبرهن على ذلك)، كما أنه كان يحمل نيشانا رفيعا منه. وأكّد أن عمليّة مثل (لابيل) لا يمكن أن تتمّ إلاّ بأوامر من القّذافي، فقد قال له يوما إن ليبيا في كفاحها ضد الإمبريالية من حقّها أن تمارس حتى الأساليب الحربية. ولسنا في حاجة الى التخمين هنا أن هذه (الصلة) مع الشخص النمساوي، يرجع الفضل فيها الى سيف الاسلام القذّافي، لعلاقته الوطيدة مع السياسي النمساوي اليميني المتطرّف والعنصري (هايدر)، والذي اختفى الآن من المسرح السياسي، كما تنبّأنا في تعليق سابق!

واصل كل من (اندرياس شولتز) و (أكسيل هودوك) محاميا الضحايا التحقيقات المكثّفة، وجمعا القرائن التي تدين السلطات الليبية الرسمية. وجاءهما الفرج من القذّافي نفسه هذه المرّة.. ففي يوم 17 مارس 2001 استقبل القذّافي في خيمته (ميشيل شتاينير) مستشار الشئون الخارجية للمستشار الألماني شرودير. وفي هذه المقابلة تعّرضا الى موضوع الإرهاب، حيث اعترف له القذّافي بأن جهازه ضالع في عمليتي (لابيل) عام 1986 و(لوكربي) عام 1988 وأنه يدين الإرهاب، ويجب أن يعطى الفرصة للتدليل على استعداده للتعاون في مكافحته، فهو أيضا يخشى على نفسه من التيّارات الأصولية! وقد أخذ المسئول الألماني هذه الإعترافات طازجة معه الى اجتماع عقد يوم 25 من نفس الشهر بين الرئيس بوش الصغير وشرودير، وحضره باول ورايس وغيرهما من مسئولي البيت الأبيض، وأعلن فيه اعترافات القّذّافي. وبقيّة القصّة معروفة، إذ تسرّب محضر الإجتماع بين الرئيسين، والذي صاغه (كروبوج) السفير الألماني في واشنطن (أصبح الآن وكيلا للخارجية الألمانية)، الى صحيفة (فرانكفورتير ألجماينه) المحافظة واسعة الإنتشار (سبب التسرّب أن المحضر أرسل الى أكثر من 25 سفارة ألمانية في العالم، لأنه غطّى قضايا دولية عديدة تتعلّق بالبلدان المعتمدة فيها هذه السفارات). وعلى الفور كذّبت الخارجية الألمانية الخبر، وأثار ذلك ضجّة كبرى كادت أن تستغلّها المعارضة الألمانية المتربّصة، ولكنها كانت قصيرة النفس فثمّة أسباب (وجيهة جدّا) تقبع وراء (كلفتة) الموضوع من كل طرف من الأطراف، كانت كما يلي:
البيت الأبيض: لاذ بالصمت، وترك الموضوع يتفاعل. فإذا لم يكذّبه القذّافي بالبرهان؛ كان ذلك هديّة لأمريكا، إذ تأكّد موقفها في (لوكربي) والحكم الصادر حيالها، وبالتالي تيسّرت مسألة تعويض عائلات الضحايا بأغلى ما يمكن الحصول عليه من خزنة (أبومنيار). ولذلك يمكن فتح مفاوضات مع القذّافي كمجرم صاغر ذليل اعترف بجرمه، وسيطلب الغفران بأي ثمن..

الحكومة الألمانية: اعتبرت نفسها صاحبة الفضل في الحصول على الإعتراف من قائد العصابة شخصيا ولذلك سارعت بنقله الى بوش. ولكن من ناحية أخرى تنازعتها عدّة تيّارات وضغوطات؛ ففي البداية كذّب وزير الخارجية فيشر الأمر، ولكن عندما فاحت الرائحة، قال إن موضوع الإرهاب نوقش مع القذّافي فعلا دون إعطاء تفصيلات، حتى يجتمع المستشار مع لجنة الشئون الخارجية للبرلمان الإتحادي في جلسة مغلقة. والسبب؟ ثمّة صفقات بملياردات الدولارات يجري ترتيبها مع القذّافي، ويخشى أن تتعرّض للضياع إذا تمّ استفزازه؛ ولذلك ينبغي التعتيم على الموضوع، وتأخير إصدار الحكم من المحكمة لأطول فترة ممكنة، على أن لا يطال الإتهام (القائد) شخصيا...
وما هي هذه الصفقات؟ إنها متعدّدة، فالشركات الألمانية الصغيرة والمتوسّطة فقط صدّرت سلعا الى ليبيا في العام 2000 (السنة السابقة للحدث) قيمتها أكثر من 780 مليون مارك، بينما هناك صفقات أضخم تنتظرها الشركات العملاقة: شركة BASF وفينترشال ترغب في الحصول على عقد امتياز نفطي في خليج سرت (حصلت شركة RWE أكبر مؤسّسة للكهرباء والغاز على عقد امتياز مماثل، في الأسابيع القليلة الماضية من العام الحالي 2003 )، شركة EADS لتصنيع طائرات (أيرباص) تأمل في بيع أسطول من طائراتها..إلخ..

ولهذا سكتت المعارضة الألمانية أيضا. أمّا القضاء الألماني فلم يسكت، فبعد أن أمسك المحقّقون بخيوط الإعترافات الأوليّة، انتعشت آمالهم بالحدث الجديد، خاصة وقد استحوذ المحامون على نسخة من محضر اجتماع البيت الأبيض. وقبل ذلك ذهب النائب العام في برلين (ديتليف ميهلس) الى طرابلس طمعا في الحصول على نتائج تفوق ما أفاد به المتهّمون الأربعة رهن الإعتقال، أي تجريم القّذافي شخصيا.. ولكنّه رجع بخفيّ حنين، إذ أنكرت السلطات فيها ضلوعها في العملية كالعادة. ولكن الآن تغيّر الموقف وجاء اعتراف القذّافي (من فمك أدينك يا إسرائيل)! وهذا طبعا أزعج الحكومة الإتحادية، خشية أن يتكرّر ما حدث في أزمة مقتل المعارض الإيراني (مايكونوس) الذي اتهّم فيها الرئيس الإيراني شخصيا، لأن الذي قام بالإغتيال جهاز المخابرات، وتسبّبت في تدهور في العلاقات بين البلدين، لم يرمّم إلا بعد لأي.. ومن ناحية أخرى استبشر المحامون وكلاْء الضحايا بالحدث، فموضوع التعويض بات قاب قوسين أو أدنى. وفتح المحامي شولتز موقعا في الإنترنيت، وأخذا يضغط على الحكومة بالإسراع للحصول من حكم القذّافي على التعويضات. واقنعتهم الحكومة بانتظار ما تسفر عنه محاكمة لوكربي. ولهذا نشرت (دير شبيجل) خبر التعويض المحتمل. وأنتج صبر الألمان ذهبا وشيكا..

حكم القذّافي: لا جديد في موقفه وسلوكه، ولعلّه كان يمهّد لفضيحة الإعتراف (بلوكربي) والتعويض عنها لكسب رضا بوش. أما عناصر مخابراته الرسميون والمأجورون، فقد كانوا عملاء لمن اعتبرهم أعداء له من (الأمبرياليين)، وكل منهم ارتمى في أحضانهم، لعلّهم ينقذون رؤوسهم بعد أن رمى بهم الى التهلكة، ثمّ أفشى سرّهم وغدر بهم. فنال كلّ عقابه الذي وصفه أحد الضحايا الأمريكيين، بعد النطق بالحكم، بأنه كان حكما مضحكا، ففي بلاده لن تقلّ العقوبة عن المؤبّد!

وقبل الإنتهاء من طبع هذا التحليل ظهر سيف الاسلام القذّافي في قناة الجزيرة، ليكذب ويدجّل متمتما بعبارات غير مفهومة، مثل والده، مدّعيا أنه سيحل موضوع تعويضات (لابيل) مع (الأصدقاء) الألمان بطريقة ودّيّة. ولكنه نسي أن المتضرّرين الألمان كانوا 67 بين مشوّه ومعاق، وماذا عن الـ 160 الباقين من زملائهم الأمريكيين، والذين طالبوا بمليار دولار على الأقل؟

فما عليه إذن إلاّ أن يعدّ العدّة لجولة مفاوضات أخرى مع عتاة واشنطن، فهم بالمرصاد. ولن ينفع كذب وتهريج أحسونه الشاوش (عيني عينك)، ولا ردود شلقم الساذجة المتلعثمة في الفضائيّات المأجورة