|
كان كتاب بيرتن بينيدكت "مشكلة المناطق الأصغر"، الذي صدر عام 1967، أول اقتراب
نظري من ظاهرة الدول الصغيرة. وجاء كتاب روبرت روشتاين "الأحلاف والقوة الصغرى"
عام 1968، ليحدد الدولة الصغيرة باعتبارها ".. قوة صغيرة، تعترف بأنها لا
تستطيع الحصول على الأمن باستخدام قدراتها الذاتية بالدرجة الأولى، وبأن عليها
الاعتماد أساساً على معونة دولة أخرى او مؤسسات أخرى او عمليات او تطورات أخرى
من أجل ذلك..".
واعتبر فيتال أنه "كلما صغرت الدولة تضاءلت إمكانية بقائها عضواً مستقلا في
الجامعة الدولية".
ومنذ أن حكمت أسرة الصباح الكويت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد
كانت واعية لحقيقة أنها تحكم دولة صغيرة لا تستطيع الحصول على الأمن باستخدام
قدراتها الذاتية.
واختارت التحالف مع قوة أكبر، تاريخيا، لتثبيت حكمها ولبقاء الإمارة.
فقبل حقبة الأمن البريطاني، تحالف الشيخ الصباح عام 1870 مع مدت باشار والي
بغداد في "حملة الإحساء" لإخضاع أمير نجد. وترتب على ذلك، مساعدة العثمانيين
أسرة الصباح على توسيع نفوذها، وإصدار فرمان ينص على توارث أسرة الصباح حكم
الكويت.
وعندما ساند العثمانيون يوسف آل إبراهيم وآل الرشيد، بمواجهة الشيخ مبارك
الصباح، لجأ الأخير الى بريطانيا ووقع معها اتفاقية الحماية في 23 يناير 1899.
وعنى توقيع الاتفاقية دخول الكويت تتح مظلة "الأمن البريطاني"، بالاعتراف
بشرعية سيادة أسرة الصباح كأسرة حاكمة وتحديد الأراضي التابعة لها، وتوفير
الحماية من المشايخ والأمراء المجاورين ومن الدول الكبرى (روسيا وألمانيا).
وعندما طالب عبد الكريم قاسم بضم الكويت عام 1961، طلب الشيخ عبد الله السالم
الصباح مساعدة بريطانيا وفق اتفاق الاستقلال، فأنزلت المملكة المتحدة قوتها
العسكرية في الكويت حتى تراجع قاسم.
وبإعلان بريطانيا عام 1968 نيتها الانسحاب من الخليج، بحلول عام 1971، انتهت
"حقبة الأمن البريطاني"، وثارت المخاوف من حدوث فراغ قوة كبيرة.
الا أن وزير الخارجية الكويتي قال وقتئذ: "على البريطانيين أن يذهبوا بحلول عام
1971، والثغرة التي ستنشأ عن مغادرتهم ستملؤها دول المنطقة".
وبعد انتهاء حقبة الأمن البريطانين 1971، ومع بداية الحقبة النفطية 1973، اتجهت
الكويت لبناء قدرة عسكرية ذاتية.
فنتيجة لزيادة العوائد النفطية بعد حرب 1973 العربية الإسرائيلية، تزايد
الإتفاق على الدفاع في منطقة الخليج، لحماية الثروة النفطية.
فقد شهدت نفقات الدفاع في الكويت ارتفاعاً ملموساً من نسبة 8.4 بالمائة الى
12.2 بالمائة من إجمالي الإنفاق الحكومي بين عامي 1972 و1980.
وارتفع نصيب الفرد من نفقات الحكومة على الدفاع من 314 الى 366 دولاراً في نفس
الفترة، وكان نصيب الفرد من نفقات الحكومة على الدفاع في الكويت أعلى منه في
الدول النامية ودول السوق الصناعية في عامي 1972 و1980.
وبحلول عام 1980، وصلت نفقات الدفاع في الكويت سنويا 870 مليون دولار، للإنفاق
على جيش يتكون من 14400 رجل.. ولا يدخل ضمنها الاعتمادات المرصودة للإنفاق على
الحرس الوطني، الذي ارتفع عدد أفراده الى 15 ألف رجل، ليصب نظيراً للقوات
المسلحة البرية والجوية والبحرية في حين أن مهمته تقتصر على حماية الأسرة
الحاكمة.
وهكذا فإن الثروة النفطية، قد زادت الإدراك بتهديدات الأمن القومي والأمن
الداخلي من ناحية، ورفعت نفقات الدفاع والأمن من ناحية أخرى.
وبنهاية الثمانينات، أدركت الكويت أن قوتها العسكرية والأمنية الذاتية، تمكنها
من الحماية الذاتية بعد قيام الثورة الإيرانية والتدخل السوفيتي في أفغانستان.
ولذلك اقترحت الكويت، في مطلع 1980، تأسيس جامعة خليجية، خلال زيارة قام بها
رئيس الوزراء الى دول الخليج.
وفق وقت لاحق من العام نفسه جرى التوقيع في الكويت على اتفاقية لتأسيس هذه
الجامعة شاركت فيها سبع دول خليجية (هي العربية السعودية والعراق والكويت وعمان
والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين).
وبعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وفي بداية 1981، قدم وزير الخارجية
الكويتي الى حكومات الخليج ورقة عمل تقترح إقامة مجلس للتعاون الخليجي، وفي 4
فبراير 1981، أجتمع وزراء خارجية دول الجامعة الخليجية (بعد استبعاد العراق) في
مدينة الرياض لوضع الميثاق والهيكل التنظيمي للمجلس المقترح.
وفي مايو 1981، صادقت قمة مسقط على مسودة الهيكل التنظيمي المقتر وأصبح مجلس
التعاون الخليجي واقعا قائما.
لقد كان الغرض الأساسي من قيام مجلس التعاون الخليجي هو تنسيق القدرات العسكرية
والأمنية لدول الخليج الست بعد إحداث الثورة الإيرانية وغزو أفغانستان وحرب
الخليج.
وطرحت الكويت على المجلس مشروعاً للأمن الخليجي تضمن: أن أمن الخليج ليست فكرة
مطروحة ضد أحد، بل ضد من يحاول إيذاء أمن المنطقة.
فالثروة الطائلة والحجم الصغير لدول المنطقة.. كل ذلك يثير مطامح ومطامع الدول
الأقوى.. والخيار أمام دول المنطقة هو إما القبول بالأمر الواقع دون تعديله، او
توحيد الجهود وتقويتها لخلق تيار موحد لمواجهة التحديات".
الا أن قيام مجلس التعاون الخليجي مع تزاؤد نفقات الدفاع (وصلت مليار ونصف
مليار دولار)، لم يوفر الأمن دون الاستنجاد بقوة خارجية، أثناء الحرب العراقية
الإيرانية.
فبعد احتلال إيران للفاو وجزر مجنون، اضطر العراق لقصف المنشآت والناقلات
النفطية الإيرانية، مما دفع إيران لقصف ناقلات النفط في الخليج.
ووصل مجموع عدد الناقلات العملاقة والبواخر التي أصابها العدوان الإيراني
والمتجهة من وإلى الكويت 48 ناقلة.
وكان أن طلبت الكويت من الولايات المتحدة رسميا، نقل نفطها على ناقلات أمريكية
يتفق على استئجارها، الا أن الطلب الكويتي قوبل برفض أمريكي. ثم تم الاتفاق في
19 مايو 1987 على رفع الأعلام الامريكية على الناقلات الكويتية، من خلال تسجيل
"ناقلات كويتية لدى الولايات المتحدة وتعهد الكويت بتقديم تسهيلات لخدمة بوارج
الحماية والمراقبة".
وتمثلت القوة الامريكية البحرية المكلفة بحماية الناقلات الكويتية في حاملة
الطائرات "كونسليشن" وعليها 85 مقاتلة، وأربع سفن إمداد، ومدمرتان، وأربع
فرقاطات، وسفينتا عتاد حربي، وكل ذلك تحت إمرة سفينة القيادة "لا سال".
لقد كشف الغزو العراقي للكويت عن معضلة الأمن والثروة في الخليج. فرغم أن
الثروة النفطية قد مكنت تلك الدول من زيادة الإنفاق على الأمن وتكديس الأسلحة
الحديثة، الا أنها ظلت دولاً صغيرة من حيث القدرة الدفاعية العسكرية الذاتية
وبحاجة دائمة الى تدخل خارجي فقد كان لدى الجيش الكويتي، عشية الغزو، ما يلي:
* القوات البرية
275 دبابة، و480 مركبة مدرعة، 132 قطعة مدفعية ولواء مدفعية أرض ـ أرض.
* القوات البحرية
8 زوارق مدفعية، وزورقا صواريخ، 6 طائرات هليكوبتر مسلحة.
* القوات الجوية
70 طائرة قتال، و12 طائرة هليكوبتر مسلحة.
كما تعاقدت الكويت، عام 1988، على شراء الطائرات المقاتلة المتقدمة طراز "إف ـ
إي ـ 18" والأسلحة التي تحملها بما في ذلك الصواريخ المضادة للسفن والطائرات،
على أن تتسلمها عام 1992.
وقد استولت القوات العراقية التي غزت الكويت على القوة البحرية بما فيها
الزوارق المزودة بصواريخ "أكزوست" الفرنسية، والمركبات المزودة بصواريخ "هوك"
الأمريكية، وأعداد كبيرة من صواريخ "تاو "الامريكية ايضا.
بالإضافة الى عدد من طائرات القتال. إن عدم الاتساق بين القدرة المالية والقدرة
العسكرية في الدول الخليجية، إنما يرجع بشكل أساسي الى واقع الضعف الهيكلي الذي
يتمثل في ضآلة حجم القاعدة الديموجرافية في تلك الدول.
القدرة المالية والعسكرية لدول التعاون الخليجي
الدولة
التعداد
القوات المسلحة
الناتج القومي
الاتفاق الدفاعي
الكويت
السعودية
الإمارات
عمان
قطر
البحرين
مليون نسمة
ألف رجل
مليار دولار
مليار دولار
وقد أبرز احتلال الكويت، أن عدم الاتساق بين القدرة المالية والقدرة العسكرية
في الدول الخليجية، قد يشجع قوى إقليمية او دولية على "المغامرة" بالتدخل
العسكري للحصول على "الغنيمة".
يقول د. حازم الببلاوي: "إن الخطر على أمن منطقة الخليج لا يتوقف على وجود
مصادر للتهديد من قوى معادية بقدر ما يؤدي اليه وجود (جائزة) كبرى او ثمرة يمكن
اقتطافها.. وفي منطقة يزداد فيها إغراء (الجائزة)، فإن وجود نظم مستبدة يضاعف
من احتمالات الخطر بالإفادة من هذه الجائزة المطروحة.." وهكذا فإن "الثروة
النفطية، بدلاً من أن تكون مصدراً لتدعيم الأمن، قد تكون مصدراً لتهديد الأمن.
ويدخل في هذا السياق، أن "الثروة النفطية" قد قسمت الوطن العربي، الى كيانات
تنطوي على تقسيم الدول من ناحية الثروة.
يقول د. سعد الدين إبراهيم "إن مصادفة مولد الفرد في واحد من هذه الكيانات
العربية تحدد فرصته المستقبلية في الثراء وفرص الحياة الأخرى، أكثر مما يحدده
انتماؤه الى كيان ثقافي أعرض هو "الأمة العربية الواحدة".
إن هذا الوضع شبيه من بعض نواحيه بالانتساب الى "نظام طبقات الطوائف" الهندي
المتشدد.
إن جميع الهنود يشعرون بانتمائهم الى الهند الأم، ولكن (براهما) ربهم الأعلى،
قد وضع بعضهم فوق بعض، بنعمته (أو سخطه) ضمن نظام طبقات حديدي لا يستطيعون منه
فكاكا. وبراهما العرب، هو النفط، على الأقل في هذه المرحلة من تاريخهم".
وبالنتيجة، فإن انقسام الوطن العربي بين "دول فائض نفطي" و"دول عجز" او بين
"دول يسر" و"طول عسر"، لا بد أن يكون مصدر تهديد لأمن الخليج.
وكان مما أبرزه الغزو العراقي ايضا ، أن الوجود العسكري الاجنبي في المنطقة، لم
يمنع احتلال الكويت، وأن الشد العسكري الأجنبي الذي حدث على أثره تطلب وقتا
طويلاً وتكلفة باهظة.
كما أن تحالفاً عسكريا غربيا ـ عربيا قد يفرض نوعاً من السيطرة لحين من الدهر،
دون أن يوفر حلاً دائما، بل قد يدفع الى تهديد أمن الخليج.
وكان مما أبرزه احتلال دولة الكويت أخيرا، أن الدولة في منطقة الخليج، تماثلت
مع الدولة القومية الحديثة فقط في شكلها ورموزها، دون أن تمر مثلها بمرحلة بناء
المجتمع القومي، وبذلك استمر الولاء لـ "القبيلة" وليس للدولة ـ الشعب.
او كما يقول مفكر كويتي: "إن الدولة في هذه المنطقة قشر، والقبيلة هي اللب
والحقيقة، وهي لا تزال اللب والحقيقة. نعم هناك قوانين ولوائح ونظم وطرق ومخافر
ومحاكم وشرطة وجيش ووزارات وكل ما يتعلق بشكل الدولة وقشرها، غير أن الروح التي
تدير كل هذه المؤسسات قبلية وما زالت تعيش قيم القبيلة من دخالة وعصبية وفزعة
ونهوة وفخر وهجاء وطاعة ونصر وحماية وحلف".
على أن الدول في منطقة الخليج هي "مدن ـ دول" (City Atates)، نشأت ول حقول
النفط. فقد أدت إقليمية النفط الى تكريس الحدود المصطنعة بين دول صغيرة ومن ثم
الى ظاهرة "الخفة السكانية" في أقطار الخليج بما أدى الى ضيق القاعدة البشرية
كمصدر لبناء جيش وطني.
ومع تزايد "ثروة النفط" تحول السكان الوطنيون الى فئة مميزة تضمن لها "بطاقة
الجنسية" الحصول على الوظيفة والسكن والرفاه... والاستعلاء على الجنسيات
الاخرى.. وتحولت الخدمة في الجيش الى وظيفة، والدفاع عن الدولة الى ارتزاق.
وتسببت الخفة السكانية والثروة النفطية، في اعتماد الدولة الخليجية في الدفاع
عن أمنها على الاستنجاد بالقوى الخارجية وتصاعد الإنفاق على مشتريات السلاح،
ومنعت إقليمية "النفط" او "الكتائبية الجديدة" في الخليج، من إدماج جزء من
العمالة العربية الوافدة من خلال التجنيس في النسيج الاجتماعي المحلي بهدف بناء
مجتمع قومي، تتسع قاعدته البشرية لبناء جيش وطني.
|