|
ما كان يمكن تصور ذريعة للوجود العسكري الامريكي في الخليج ـ بعد غزو الكويت ـ
أقوى من عملية الاحتلال العراقي.
وهناك ممن يريحهم التفسير التآمري للتاريخ، من ألمح الى وجود تواطؤ بين العراق
والولايات المتحدة في عملية غزو الكويت.
ومنهم من صرح بأن الأمريكيين قد استدرجوا العراقيين لغزو الكويت حتى ينقلوا
قواتهم الى الخليج. وقد وجد أصحاب ذلك التفسير الوقائع والحوادث، التي اعتبروها
كاشفة للمؤامرة.
الخطيئة العراقية
في "بيان شهادة" أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، مؤرخ
في 20 إبريل 1989، لقائد القيادة المركزية الأمريكية والقائد العام لعملية "درع
الصحراء" نورمان شوارزكوف "قال: " إن القيادة المركزية الأمريكية تتوقع أن يشكل
العراق تهديداً عسكرياً للدول الأضعف والأكثر محافظة في مجلس التعاون الخليجي.
ويمكن أن تصب مطالب العراق الملحة في أجزاء إستراتيجية من شمال شرق الكويت في
المستقبل".
وخلال إبريل 1990، حاول وفد الكونجرس الأمريكي الذي زار العراق طمأنة الرئيس
صدام حسين فأكد له روبرت دول "أن الحملة التي يتعرض لها ليست من الرئيس بوش"،
وقال السناتور ألان سيمبسون للرئيس العراقي "إنني أعتقد أن مشكلتكم هي مع
الإعلام الغربي ... إنه إعلام فاسد ومخادع".
وأثناء اللقاء الذي جرى بين الرئيس صدام والسفيرة الأمريكية في بغداد إبريل
جلاسبي، يوم 25 يوليو، قالت السفيرة للرئيس : "ليس لنا رأي بشأن الصراعات
العربية ـ العربية.
مثل خلافات الحدود بينكم وبين الكويت ... إن الرئيس بوش لا يعتزم إعلان حرب
اقتصادية ضد العراق.
وفي 24 سبتمبر 1990، نشرت "لوس إنجلوس تايمز" تحقيقاً نسبت فيه الى مسؤولين
أمريكيين قولهم: "إن الولايات المتحدة الأميركية قد علمت أن القوات العراقية
أجرت مناورات لمدة سنتين على الأقل استعداداً لهجومها على الكويت، وذلك بمقتضى
خطة كانت تهدف في النهاية الى غزو حقول النفط في شرق السعودية" وأضافت "إن
معلومات استخباراتية جمعت مؤخراً تشير الى أن الخطة العراقية، وقد صاغها الرئيس
صدام حسين قبل وقت طويل يرجع الى خمس سنوات مضت (وتحديدا في 1985)، كانت تقضي
بوقفة إستراتيجية قصيرة للقوات العراقية في الكويت قبل أن تواصل سيرها جنوباً
الى داخل السعودية.
واعترف وزير الدفاع الأمريكي ديك شيني، أن الولايات المتحدة الأميركية رصدت
الحشود العراقية الضخمة على حدود الكويت قبل عملية الاجتياح، وذلك في بيانه
أمام مجلس الشيوخ الامريكي يوم 12 سبتمبر.
بيد أن التفسير التآمري لحدث تاريخي، فضلاً عن أنه يقطع ذلك الحدث عن سياقه
التاريخي الموضوعي، فإنه يعفي المسؤولين عن الحدث من مسؤولياتهم.
إن كلا الطرفين العراقي والأمريكي، كانت له حساباته التي تحقق مصالحه، الا أن
ذلك لا يمنع استفادة طرف من أخطاء الطرف الآخر، ليعمل حساباته هو ويحقق مصالحه.
فالطرف العراقي، عندما قرر غزو الكويت، كانت له حساباته المحلية والخليجية
والإقليمية والدولية... حسابات تنفيذ عملية الغزو، وانعكاسات العملية إقليميا
ودوليا.
والطرف الأمريكي، كانت له حساباته ـ قبل الغزو وبعده ـ المتعلقة بدوره كشرطي
دولي في نظام دولي انتقالي من القطبية الثنائية الى تعدد الأقطاب، وبمصالحه
الحيوية في منطقة الخليج.
لقد نجحت حسابات العراق في تقدير القوة العسكرية لدولة الكويت وشركائها في مجلس
التعاون الخليجي.
واستطاع العراق تطمين السعودية ومصر، وإبعاد مخاوفهما من لجوئه الى القوة
العسكرية لحل نزاعه مع الكويت، وقام بغزو الكويت وتمكن من احتلالها خلال ساعات،
في غياب تدخل أية قوى إقليمية او أجنبية.
وكان ضمن حسابات العراق، على المستوى التكتيكي أيضاً، اعتقال أو اغتيال أفراد
أسرة الصباح التي أسست وحكمت إمارة الكويت منذ النصف الثاني من القرن الثامن
عشر.
وتضمنت تلك الحسابات، قبول المعارضة الكويتية وخاصة جماعة أحمد الخطيب من
القوميين العرب، تشكيل حكومة مؤقتة تذعن لضم الكويت للعراق، أو على الأقل
لمطالب العراق من الكويت، وتغطي العملية العراقية برداء الشرعية.
ولذلك أعلنت السلطات العراقية، منذ الساعات الأولى للغزو، قيام حكومة حرة
مؤقتة، ولم تعلن أسماء أعضائها انتظاراً لرد فعل المعارضة الكويتية.
غير أن أسرة الصباح ومعها الحكومة، استطاعت مغادرة الكويت بمجرد تقدم القوات
العراقية عبر الحدود، وقبل عملية الإسقاط المظلي والقصف بالطائرات للقصر
الأميري "دسمان" وقصر ولي العهد "الشعب". وشكلت الأسرة "حكومة المنفى" داخل
الحدود السعودية.
كما عارضت المعارضة الكويتية احتلال الكويت وطالبت بانسحاب العراق في بيان
أصدره د. أحمد الخطيب وجاسم القطامي (التجمع الديمقراطي والتجمع الوطني)، ووقف
الإسلاميون والماركسيون نفس الموقف.
فاضطرت السلطات العراقية بعد ثلاثة أيام من الغزو، الى ملء فراغ "الحكومة الحرة
المؤقتة" المعلن عنها، بعدد من العسكريين، فلم تحظ باعتراف أحد.
أما أول الأخطاء الإستراتيجية التي تضمنتها الحسابات العراقية فهو خطأ تقدير
اتجاه وتأثير الدور المصري.
إذ قدرت تلك الحسابات أنه تم احتواء أو تحييد الدور المصري من خلال مجلس
التعاون العربي والمساهمة في إعادة الجامعة العربية الى القاهرة، بالإضافة إلى
أنه من الممكن ـ وفق الحسابات العراقية ـ إغراء مصر بنصيب من الغنيمة تحت لافتة
"إعادة توزيع الثروة العربية".
الا أنه فات على القيادة العراقية، أنه رغم مساندة الإدارة المصرية لها في
حربها مع إيران، واشتراكها معها في مجلس التعاون، الا أن الغزو العراقي للكويت،
قد أظهر تناقضاً كبيراً بين منهجي القيادتين العراقية والمصرية في مجالي
العلاقات العربية والعلاقات الدولية.
فالغزو العراقي للكويت قد كشف عن منهج عراقي، ينزع إلى التصادم مع والتمرد على
منطق النظام الدولي الجديد، الذي يتجه الى إحلال توازن المصالح محل توازن القوى
وحل الصراعات بالطرق السلمية.
ويتناقض ذلك المنهج مع المنهج المصري ـ والعربي عموماً ـ الذي يحاول التكيف مع
منطق النظام الجديد وتفعيله في المنطقة، بعد تكييف توجهاته ومصالحه مع توجهات
ومصالح القطب الأكبر في النظام (الصلح مع إسرائيل ـ التحالف مع الولايات
المتحدة والدول العربية النفطية).
كما أن الغزو العراقي للكويت شكل حرجاً سياسياً وأدبياً للقيادة المصرية، اذ
انطوى على تضليل لها (بعد تعهد العراق بعدم اللجوء للقوة العسكرية)، واستخفاف
بمساعيها الدبلوماسية لحل الأزمة، وبما عني هز صورتها أمام الدولة الخليجية
والتأثير على مكانتها العربية.
ولذلك، قامت الإدارة المصرية، بعد 24 ساعة من الغزو (وبعد تأكد المنهج العراقي)
بإدانة العملية العراقية.
ورفضت عقد قمة عربية بناء على دعوة سوريا والجزائر (يوم 4 أغسطس) لتدعو إلى
مؤتمر قمة (يوم 8 أغسطس) خلال 24 ساعة، دعا (يوم 10 أغسطس) الى "الاستجابة لطلب
المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى، بنقل قوات عربية لمساندة
القوات المسلحة فيها، دفاعاً عن أراضيها وسلامتها الإقليمية ضد أي عدوان
خارجي".
وجاءت تلك الخطوة، بعد خطوة أخرى في زيارة وزير الدفاع الامريكي تشيني (يوم 7
أغسطس) للقاهرة، وموافقة مصر على السماح للسفن الحربية الامريكية التي تتحرك
بالوقود النووي بالمرور في قناة السويس.
بالإضافة الى الموافقة على إرسال قوات مصرية ضمن القوات المتعددة الجنسية في
الخليج(*).
وكان من أهم أخطاء الحسابات العراقية، خطأ تقدير احتمالات رد الفعل الدولي. فقد
بنيت الحسابات العراقية، على اعتبار أن الأزمة المترتبة على غزو الكويت سوف
تكون في إطار نظام إقليمي عربي فرعي (خليجي)، وقد تنتقل الى النظام الإقليمي
العام (العربي)، وبافتراض احتواء أو تحييد مصر فإن أزمة الخليج قد تتحول الى
استقطاب إقليمي طرفاه الدول العربية المؤيدة للعراق من جانب، والدول الخليجية
والأخرى المؤيدة لها من جانب آخر، وربما اعتبر العراق أن النظام الدولي الجديد
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة والتحولات المهمة في أوروبا الشرقية، لم يكتمل
تشكيله بعد ـ وذلك صحيح ـ وأن أقطابه الأساسية ما زالت منشغلة بترتيب أوضاعها
في ظل النظام الجديد، وذلك صحيح ايضا.
وحسب العراق أن انشغال أقطاب النظام الدولي بما بينها من تناقضات بعمليات هدم
وبناء في مرحلة التشكيل، ويعني بالضرورة انشغالها عنه ليشترك هو الآخر في عملية
هدم وبناء كقوة إقليمية، أو سماحها له باستغلال التناقضات التي بينها.
غير أن أزمة الغزو العراقي للكويت، كانت أول اختبار حقيقي للنظام الدولي الجديد
في مرحلة التشكيل، كما اعتبرت تحديا سافراً للتحولات الأساسية لذلك النظام
الانتقالي وهي:
* التحول من نظام ثنائي القطبية الى نظام متعدد الأقطاب يهيمن عليه القطب
الامريكي كشرطي دولي.
* التحول من نظام "توازن القوى" الى نظام "توازن المصالح"، بعد تهاوي الحواجز
الأيديولوجية والعسكرية.
* التحول من الاستقطاب بين الشرق والغرب الى استقطاب بين الشمال والجنوب في
إطار اعتماد متبادل يقوم على وجود قاعدة صناعية متقدمة في الشمال ووجود مواد
خام وأسواق واسعة في الجنوب...
وما كان يمكن لأطراف النظام الدولي أن تسمح للعراق كقوة إقليمية بتقويض أسس ذلك
النظام. وهو الأمر الذي يفسر الإجماع الدولي غير المسبوق بقيادة الولايات
المتحدة ومستوى التنسيق العسكري والسياسي بين أمريكا وحلفائها، والتعاون بين
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
فقد أدانت واشنطن الغزو العراقي في يومه الأول وطالبت بالانسحاب من الكويت...
وقرر الرئيس الامريكي تجميد الودائع المالية والممتلكات الكويتية والعراقية في
الولايات المتحدة، وناشد دول العالم اتخاذ إجراءات مماثلة، كما طالب الاتحاد
السوفيتي بوقف تسليم العراق أي أسلحة قد تكون في طريقها الى العراق.
وفي نفس الغزو أيضاً، أصدر الرئيس الأمريكي تعليماته لعدة سفن حربية أمريكية
بالتوجه إلى منطقة الخليج.
وتحركت الولايات المتحدة من خلال الأمم المتحدة لاستصدار قرارات من مجلس الأمن
لإدانة الغزو العراقي والمطالبة بالانسحاب من الكويت ومقاطعة العراق اقتصاديا
(القرار 661/1990) وعدم الاعتراف بضم الكويت (662/1990) وفرض الحصار البحري
(665/1990) والحصار الجوي (666/1990).
وسعت واشنطن الى التعاون مع الاتحاد السوفيتي، فأرسلت وزير خارجيتها الى موسكو
في اليوم التالي للغزو، ليصدر بيان مشترك بإدانة الغزو وبمطالبة العراق
بالانسحاب، ثم كانت القمة الامريكية السوفيتية في هلسنكي (يوم 10 سبتمبر) التي
انتهت الى إدانة ضم الكويت وتطبيق قرارات الأمم المتحدة واتخاذ إجراءات إضافية
إذ فشلت الحلول السلمية.
ونسقت واشنطن سياسياً وعسكرياً مع حلفائها الغربيين، تنسيقاً تجاوز إدانة الغزو
العراقي والجهد الدولي لفرض عقوبات اقتصادية على العراق، الى إرسال غالبية
الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وحدات عسكرية الى منطقة الخليج،
والمساندة المالية للدول المتضررة من الأزمة.
الإستراتيجية الامريكية في الخليج
لم يأت الأمريكيون ـ بعد احتلال الكويت وقبله ـ الى منطقة الخليج دفاعاً عن
شرعية دستورية أو حفاظاً على قواعد القانون الدولي، وإنما تواجدوا في المنطقة
وتكثف تواجدهم بعد غزو الكويت لأهميتها الإستراتيجية ودفاعا عن مصالحهم الحيوية
وحفاظاً على استقرارها.
البعد الجيوسياسي
للخليج أهميته التاريخية كممر عسكري وتجاري. وكان الوجود البريطاني في الخليج،
الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر واستمر لأكثر من 100 سنة، للأهمية
الجيوسياسية للمنطقة. ولم تبق بريطانيا في هذه المنطقة كل هذه المدة الطويلة
بسبب الهند فقط، فبعد سنوات من تخلي بريطانيا عن حكمها لشبه القارة الهندية،
استمر بقاؤها في الخليج.
وعند الانسحاب البريطاني من الخليج عام 1971، سعت الولايات المتحدة لملء الفراغ
البريطاني، مستخدمة إيران ـ الشاه لكي تصبح شرطي الخليج، واعتبار إسرائيل
الحليف الوحيد الموثوق لها في الشرق الأوسط.
وقد عبر نائب وزير الخارجية الامريكية الأسبق نيوسوم عن الأهمية الجيوسياسية
للمنطقة بقوله: "لو كان العالم دائرة مسطحة، وكان المرء يبحث عن مركزها، لكان
هناك سبب جيد للقول بأن المركز هو الخليج... فما من مكان مثله في العالم اليوم
تتلاقى فيه المصالح الكونية ... وما من منطقة مثله مركزية بالنسبة لاستمرار صحة
اقتصاد واستقرار العالم".
وتزايد الاهتمام الامريكي بالخليج في نهاية السبعينات وخلال الثمانينات بتأثير
الغزو السوفيتي لأفغانستان وقيام الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية
الإيرانية.
وانعكس ذلك الاهتمام في خطاب الرئيس ريجان للشعب الامريكي في 29 مايو 1987
بقوله أن "استكمال خطوط الملاحة الحيوية في الخليج لن تملي علينا من قبل
الإيرانيين، ولن نسمح بأن تقع هذه الخطوط تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي. سيبقى
الخليج مفتوحاً لجميع دول العالم ولن نسمح بأن يتحول الخليج الى نقطة ضيق
للحريات أو مركز للصراعات الدولية"
النفط
"أعتقد بأننا جميعاً نتذكر التأثير الهام لأزمة نفط الشرق الأوسط قبل سنوات
عديدة والصفوف الطويلة للحصول على الوقود، وعدم توفره بل وتقنينه، وتصعيد أسعار
الوقود والتضخم والأزمات التي هزت القواعد الاقتصادية لبلدنا.
هذه الأزمة قد هزت جميع أنحاء العالم مؤثرة على الاقتصاد العالمي ومصعدة التوتر
الدولي ومعطية الفرصة لتفاقم المخاطر والنزاعات الإقليمية وتوسعها.
إن القوة الأساسية في العالم وهي الولايات المتحدة والدول الديمقراطية قد
أدركوا مدى ضعفها وأصبح اقتصادنا وشعبنا رهينتين للأنظمة المصدرة للنفط في
منطقة الشرق الأوسط".
ليس هناك ما قد يكون أبلغ دلالة من الاقتباس السابق من خطاب الرئيس ريجان
السابق ذكره، على مدى اعتماد نمو الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الغربية عموماً
على النفط. بيد أن درجة أهمية النفط واعتماد الاقتصادات الغربية على نفط الخليج
ستتزايد مع بداية عقد التسعينات، وقد تسلك إمدادات النفط مساراً حرجاً بسبب نقص
المعروض وزيادة الأسعار، اذا ما أرادت دول الخليج.
فدول الشمال، لا تملك سوى 6 بالمائة من الاحتياطي العالمي للنفط (888 مليار
برميل) وتنتج 28 بالمائة فقط من الانتاج العالمي (21 مليار برميل سنويا) في حين
أنها ستهلك 57 بالمائة من إجمالي الاستهلاك العالمي، وذلك حسب إحصاءات 1987.
ويعني ذلك، خروج دول الشمال من مجال إنتاج النفط مع بدايات القرن المقبل.
وفي الجانب المقابل فإن الدول الخليجية (دول مجلس التعاون الخليجي والعراق
وإيران) تملك 64 بالمائة من الاحتياطي العالمي للنفط وستنتج 40 بالمائة من
الإنتاج العالمي عام 2000، وستكون المصدر الوحيد لإنتاج النفط في العالم بعد
الربع الأول للقرن المقبل.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فينتظر أن يرتفع عام 1995، الى نسبة 46
بالمائة من إنتاج بلدان منظمة "أوبيك" وعلى حوالي 22 بالمائة من الإنتاج
العالمي.
ومع حلول عام 2000 يتوقع أن يكون إجمالي إنتاج دول المجلس قد وصل الى 14.225
مليون برميل يوميا أو ما يعادل 25 بالمائة من إجمالي الإنتاج العالمي.
وباضافة إنتاج العراق وإيران، يكون إجمالي إنتاج الدول الخليجية حوالي 24 مليون
برميل يوميا أي 40 بالمائة من الإنتاج العالمي.
أما الولايات المتحدة، فتستورد ما يزيد عن 50 بالمائة مما تستهلكه من النفط،
الذي يشكل بدوره 43 بالمائة من مجمل الطاقة المستهلكة فيها.
وشكلت ثلاث دول خليجية هي السعودية والكويت والعراق مصدراً لأكثر من 23% من
النفط المستورد إلى أمريكا خلال النصف الأول من عام 1990.
وقد حذر وزير النفط الأمريكي السابق جيمس شليزنجر أمام الكونجرس في مارس 1990
من أن ارتفاع أسعار النفط الخام وازدياد طلب الولايات المتحدة سيزيدان بشكل
خطير تبعية الولايات المتحدة في مجال الطاقة خلال السنوات المقبلة، ونبه
شليزنجر الذي كان وزيراً للدفاع في إدارة فورد الى أن الولايات المتحدة زادت
وارداتها النفطية لتلبية الطلب الذي يعتمد على مصادر تموين أجنبية بنسبة 54
بالمائة، وقال أنه في الوقت الذي تزداد فيه واردات النفط الخام يستمر إنتاج
الولايات المتحدة في الانخفاض".
وتشير الأرقام الى أن إنتاج الولايات المتحدة النفطي، هبط خلال الفترة بين عامي
1986، 1990 من 9.1 مليون برميل في اليوم التالي إلى 7 ملايين برميل يوميا، وزاد
استيرادها خلال الفترة نفسها بمعدل 4 ملايين برميل في اليوم.
ويعني كل ذلك، أنه مع انخفاض الإنتاج النفطي الأمريكي والغربي عموماً وزيادة
استيراده مقابل طول أمد الاحتياطات النفطية وزيادة الإنتاج في منطقة الخليج...
تتعاظم الأهمية الإستراتيجية للخليج بالنسبة لأمريكا وحلفائها الغربيين.
الفوائض النفطية
ترتبط بالأهمية الإستراتيجية للنفط في منطقة الخليج، الفوائض النفطية التي نتجت
عن زيادة أسعار النفط بعد حرب 1973 العربية ـ الإسرائيلية، وقيام الثورة
الإيرانية واندلاع الحرب العراقية الإيرانية.
وقد وظفت تلك الفوائض في موجودات مالية في المصارف وفي أوراق مالية حكومية
وسندات وأسهم وعقارات في الولايات المتحدة وأوروبا.
وقد قدرت موجودات دول مجلس التعاون الخليجي في الخارج بقيمة 350 مليار دولار
منها 150 مليارا للقطاع الخاص وحوالي 200 مليار دولار هي حصة الحكومات في دول
المجلس الست.
وتقدر نسبة الموجودات الخليجية المستثمرة في السوق الأوروبية المشتركة بقرابة
35 بالمائة (122 مليار دولار)، في حين قدرت حصة السوق الأمريكية من هذه
الموجودات بحوالي 14.5 بالمائة (5002 مليار دولار) ودول منظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية، ولا سيما اليابان وكندا وبلدان الشرق الأقصى بحوالي 15.9
بالمائة (55.6 مليار دولار)...
وفي منتصف 1989، كانت دول المجلس تحتفظ بحوالي 42 بالمائة من الموجودات
الأجنبية الخليجية (146 مليار دولار) على هيئة ودائع مصرفية غالبيتها بالدولار.
واجتذبت السندات والأوراق المالية الحكومية الصادرة في الولايات المتحدة
وبريطانيا ودول غربية أخرى 52 مليار دولار أو ما يعادل 14.8 بالمائة من إجمالي
الموجودات الخارجية الخليجية ومنها حوالي 38 بالمائة في السندات الامريكية.
وبلغت الاستثمارات في السندات وأسهم الشركات والعقارات في الدول الصناعية 68.8
مليار دولار أي حوالي 19.7 بالمائة من إجمالي الاستثمارات الخليجية في الخليج.
وتشير تقارير رأس المال العالمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، إلى
ارتفاع حجم استثمارات دول منطقة الخليج (بما فيها العراق وإيران) خلال النصف
الأول من عام 1989 في السوق الأمريكية بعد تراجعها بنسبة 13 بالمائة خلال 1986
ثم بنسبة 7.2 بالمائة خلال 1987 و6 بالمائة خلال 1988.
وفي منتصف 1989 بلغ صافي الاستثمارات الخليجية المجمعة في السوق الأمريكية 62.8
مليار دولار.
وإن كانت الأرقام الحقيقية تعتبر أكبر من ذلك بكثير لأن الحكومة الأمريكية لا
تستطيع متابعة كافة الصفقات التي تقل عن 5 بالمائة من رأسمال الشركة المعنية،
فضلاً عن أنها لا تستطيع تحديد المحافظ الاستثمارية التي تتم عن طريق بلد ثالث.
مثل بريطانيا أو سويسرا. ومن الطبيعي أن يؤثر وجود أو سحب تلك الموجودات على
سوق المال الامريكية عام 1979 أن ".. المسحوبات المتوقعة من الحيازات الأجنبية
بحجم يهدد اقتصاد وأمن الولايات المتحدة؛ يمكن أن يبرر استخدام الرئيس لسلطات
الطوارئ.. ووقف تحويل الملكيات التي فيها مصالح أجنبية".
كما تستخدم تلك الموجودات كسلاح ضد الدولة صاحبة الموجودات، كما حدث عند تجميع
الولايات المتحدة لموجودات إيرانية ثم تجميد الموجودات العراقية".
دول أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وقامت فكرة الإجماع الإستراتيجي على فلسفة كيسنجر الذي يقول "إن الولايات
المتحدة لم تعد في وضع يمكنها من تنفيذ برامج على مستوى كوني، بل عليها أن تشجع
مثل هذه البرامج. ولم يعد باستطاعتها أن تفرض حلها المفضل، بل عليها أن تسعى
لاستشارته للظهور .. ودورنا يجب أن يكون المساهمة في البرامج الدفاعية
والإيجابية، ولكن علينا أن نسعى للتشجيع وليس لخنق الشعور بالمسؤولية المحلية.
ولذلك اعتمدت إدارة ريجان توجها إستراتيجيا عاماً تمثل في:
* توثيق العلاقات مع الحلفاء الذي يتمتعون بقدر من الاستقرار الداخلي والثبات
السياسي.
* توثيق العلاقات مع أولئك الذين يظهرون رغبة حقيقية غير متحفظة في مساعدة
الولايات المتحدة وتقديم التسهيلات إليها.
* الاعتماد على دول الأطراف أي تلك الواقعة إلى جوار المناطق التي يراد حمايتها
أو الدفاع عنها.
وفي عام 1981، تشكلت قيادة جديدة لقوات التدخل السريع، للإشراف على عمليات جميع
القوات في منطقة جنوب غرب أسيا والخليج ومنطقة الشرق الأوسط. ومنذ عام 1982،
أصبح وجود القوات الامريكية في الشرق الأوسط والخليج لـ "قيادة مركزية" سميت
أنشطتها بـ "عمليات سنتكوم" اي "قوس الأزمة".
وكانت للولايات المتحدة، قبل غزو الكويت، قواعد عسكرية في عمان والظهران
والصومال، كما كانت تتمتع بتسهيلات عسكرية في دول عربية أخرى كمصر والمغرب وبعض
أقطار الخليج..
وكانت للولايات المتحدة أيضاً، قواعد عسكرية في تركيا (25 قاعدة) وفي اليونان
(14 قاعدة) بالإضافة للقواعد الامريكية في إيطاليا وأسبانيا وألمانيا...
واستخدمت الولايات المتحدة الأسطول السادس الذي يرتبط مباشرة بحلف الأطلنطي، ضد
العرب في 1958، 1967 وفي قصف جبل لبنان 1983، كما قصفت طائراته ليبيا عام
1986.. وهناك الأسطول السابع الذي يشرف على المناطق البحرية المحيطة بشبه
الجزيرة العربية والخليج العربي... غير أن المشكلة الحقيقية للقوات الامريكية،
والتي أبرزها غزو الكويت هي مشكلة النقل الإستراتيجي فالمسافة بين الولايات
المتحدة والخليج تبلغ تسعة آلاف ميل جواً، وما يزيد عن ذلك كثيراً بحراً.
أما جزيرة دييجوجارسيا، حيّث توجد قوات أمريكية فتبعد عن شرقي الجزيرة العربية
ثلاثة آلاف ميل، وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تنقل جواً فرقة مقاتلة، فعليها
أن تجند أساطيلها الناقلة، لتعمل حوالي أربعة أسابيع ذهاباً وإياباً.
وحينذاك تصل هذه الفرقة متأخرة جدا عن مواجهة الأزمة التي قد تنشب في الجزيرة
في أي حين. وحسب إحصاء تقرير أعدته "لجنة العلاقات الامريكية ـ الإسرائيلية"،
كانت المدد الزمنية لنقل فرقة ميكانيكية أمريكية واحد نقلاً جوياً الى موقع
الظهران في الجزيرة، دون التحليق فوق العراق وإيران وسوريا... كالتالي:
من.. الى الظهران
عدد الأيام
إسرائيل (تل أبيب)
دييجوجارسيا
الصومال (بربرة)
كينيا (مونباسا)
عمان (مصيرة)
مصر (رأس بناس)
تركيا (أزمير)
ولم تقتصر مشكلة النقل الإستراتيجي للقوات الأمريكية على بعد المسافة عن
الخليج، بل تعدتها الى عدم كفاية الوسائل الإستراتيجية لنقل القوات بالحجم
المطلوب وفي التوقيت المحدد. وتأكد ذلك خلال أزمة الرهائن الامريكية في طهران
والغزو السوفياتي لأفغانستان، مما قاد الى فكرة "الوجود المسبق للمعدات" في
المنطقة على سفن عائمة.
بيد أنه رغم وجود قيادة مركزية للقوات الامريكية وانتشار القواعد العسكرية
الامريكية حول الخليج والوجود المسبق (العائم) للمعدات... لم تتمكن الولايات
المتحدة من التدخل العسكري لمنع غزو الكويت(*) .
ولذلك تحرك الرئيس الامريكي "بوش" عقب غزو الكويت، وعقد ثلاثة اجتماعات لمجلس
الأمن القومي خلال 72 ساعة، لتبدأ عملية الحشد العسكري الامريكي في الخليج،
بحجم يفوق أي هدف رمزي مثل استعراض القوة او إثبات الوجود أو حتى "الردع
الدفاعي".
فخلال شهرين، وصل مجموع القوات البرية الأمريكية في الخليج 150 ألف جندي وضابط،
تشكل 6 فرق وتتمركز جميعها بالأراضي السعودية (عدا قوات مشاة الأسطول).
أما القوات الجوية فقد شكلت حوالي 6 ألوية، منها في السعودية سربان إف 17
(الشبح) من 44 طائرة، و148 طائرة قتال (50 إف 15 + 48 إف 16 + 50 إف - إيمبل)،
وسرب من طائر الاستطلاع آر. سي 135 وعدد من طائرات الأواكس، وعدد من طائرات
التزود بالوقود في الجو، و4 أسراب من طائرات الهليكوبتر المسلح من طراز (أباتش
ـ كوبرا ـ بلاك هوك).
بالإضافة الى 16 طائرة نقل سي 130 في دولة الإمارات، وسرب إف 15 (12 طائرة) في
دولة قطر.
وبالنسبة للقوات البحرية، فقد تمركز منها في منطقة الخليج والبحر الأحمر 55
قطعة بحرية (فرقاطات ـ طرادات ـ مدمرات ـ حاملات صواريخ، علاوة على قطع الإنزال
البحري، و3 حاملات طائرات (ساراتوجا ـ أندبندس ـ إيزنهاور) محملة بإجمالي 220 ـ
240 طائرة، وسفينتان للقيادة وخمس كاسحات ألغام وعدد من سفن النقل والإمداد
والتزود بالوقود والمستشفيات بالإضافة الى حوالي 35 ألف جندي من مشاة الأسطول.
وتمركزت في شرقي البحر المتوسط، 12 قطعة بحرية، وحاملة الطائرات جون كيندي، و4
وحدات صواريخ أرض أرض علاوة على وحدات صواريخ مضادة للصواريخ من طراز باترويت.
وساند الحشد العسكري الامريكي في الخليج القوات البريطانية البرية والجوية
والبحرية.
فقوتها البرية، كمركز منها لواء مشاة (4 آلف ـ 5 آلاف جندي) ولواءان مدرعان
(بقوام 4 آلاف جندي في السعودية، بالإضافة الى كتيبة مشاة (600 جندي) في
البحرين.
وتوزعت قوتها الجوية بين سرب جاجوار وسرب ترنادو (السعودية)، وسرب جاجوار وسرب
ترنادو (عمان)، وسرب ترنادو (البحرين) وتكونت قوتها البرية التي تركزت في
الخليج، من فرقاطتين ومدمرة وحاملة طائرات من طراز نيمرود وثلاث كاسحات ألغام.
أما القوات الفرنسية، فقد شملت كتيبة مشاة برمائية مدعومة بالإضافة الى سرب
طائرات استطلاع (في دولة الإمارات) وتضمنت قوتها البحرية خمس طرادات وفرقاطة
بالإضافة الى حاملة طائرات (كليمنصو) 40 طائرة هليكوبتر مسلح من طراز جازيل
وأربعة آلاف جندي.
وشاركت دول أخرى بقوة عسكرية برية محدودة في الحشد العسكري في الخليج حسب
البيان التالي:
الدول المشاركة بقوات بحرية محدودة (*)
إيطاليا
إستراليا
بلجيكا
هولندا
كندا
اليونان
أسبانيا
اليابان
فرقاطتان
(2) سفينة حراسة صاروخية
فرقاطتان تحملان صواريخ (اولايد)
(داروين)
(3) كاسحات الغام
فرقاطتان تحملان صواريخ مضادة للسفن والطائرات
مدمرة تحمل صواريخ مضادة للسفن وللطائرات
سفينة حربية
فرقاطة طرادان
سفينة إمداد
معدات عسكرية معاونة
حجم القوات الاجنبية في المنطقة (أكتوبر 1990) (**)
قوات برية
قوات جوية
قوات بحرية
200.000 جندي خلال أشهر أكتوبر 90 تشكل في
2 فرقة محمولة جوا
2 فرقة ميكانيكي
2 فرقة مدرعة
حتى لواء مش |