حين دخل وقف النار بين العراق وإيران حيز التنفيذ في 20 أغسطس 1988.. اعتبرت الكويت ـ كما العراق ـ ذلك الحدث نصراً عراقياً... ووجدت فيه مناسبة للتراضي مع الجار المنتصر حول ترسيم الحدود وديون الحرب... غير أن العراق بمجرد توقف الحرب، سارع لترشيح نفسه لقيادة عالم عربي منقسم على نفسه... فتدخل إلى جانب العميد الماروني ميشيل عون في لبنان ليتصدى لعدوه الأزلي الرئيس السوري حافظ الأسد... وساند الحكم العسكري في السودان... وضمن تعاون مصر والأردن واليمن معه في إطار مجلس التعاون العربي.

وحصل على تضامن جامعة الدول العربية معه في أزمة قتل الصحفي البريطاني فرزاد بازوفت... ثم أعلن أنه "سيحرق نصف إسرائيل اذا اعتدت عليه"، ليبدو وكأنه دولة المواجهة مع إسرائيل لاستعادة القدس... وفي نهاية مايو 1990، انعقدت القمة العربية في بغداد التي بدت وكأنها "عاصمة العرب"... ورغم كل تلك التسويات التي استغرقت حوالي عامين، لم يشأ العراق تسوية مشكلة ترسيم الحدود مع الجارة الصغرى "الكويت"(*) ..

وحين زار ولي العهد الكويتي الشيخ العبد الله الصباح العراقي عام 1989 لبحث مسألة ترسيم الحدود ... كان جوابهم في بغداد "إن حدود الكويت كانت تمتد حتى زاخو" في أقصى الشمال العراقي"... وبما يعني رفض ترسيم الحدود.

(1) مقدمات الغزو
إن العراق بعد أن استطاع إجبار إيران على وقف الحرب، ولي وجهه إلى داخل الوطن العربي لقيادته، والى الكويت لحل مشاكله الاقتصادية والدفاعية... ليبدأ حرباً أخرى. وبدأ الرئيس العراقي الحرب في مؤتمر القمة العربية في بغداد على جبهة النفط.

ففي جلسة مغلقة، وأمام الزعماء العرب، قال صدام حسين: "إن الحرب تحصل أحياناً بالجنود ويحصل الإيذاء بالتفجيرات وبالقتل وبمحاولات الانقلاب وأحيانا أخرى بالاقتصاد".

وكان الرئيس العراقي يقصد بالحرب الاقتصادية، خفض أسعار النفط بسبب عدم التزام بعض الدول العربية بمقررات منظمة "أوبيك".. وقال: "إن كل انخفاض في البرميل الواحد بقدر دولار واحد، وحسب ما قيل لي، فإن خسارة العراق تبلغ مليار (بليون) دولار في السنة" وأعلن الرئيس العراقي الحرب بقوله: "أقول للذين لا يقصدون شن الحرب على العراق" ولو في الجلد ما فيه يتحمل لتحملنا، ولكن أعتقد أن كل إخواننا يعرفون الحال ومطلعون عليه"(*) .

وبعد إعلان العراق الحرب على جبهة النفط، في الجلسة المغلقة لقمة بغداد (30 مايو 1990)، قام بتحديد الخصم باتهام حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة مع حكومة الكويت بإغراق سوق النفط العالمية، بإنتاج ما يزيد عن حصتيهما المقررتين بواسطة منظمة "أوبيك".

وذلك خلال شهر يونيو. وقامت المملكة العربية السعودية، في محاولة لتهدئة الموقف، بإيفاد وزير نفطها هشام ناظر إلى العراق والإمارات والكويت.

وبمسعى سعودي، اجتمع وزراء نفط دول الخليج العربية الأعضاء في "أوبيك" وهي السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر، يوم10 يوليو 1990.

وأنتهى الاجتماع بموافقة الإمارات والكويت على خفض الإنتاج. إلا أن الشكوك العراقية تزايدت، لإعلان وزير النفط الكويتي د. رشيد العميري، يوم 15 يوليو "أن الكويت لم تعط وعوداً بخفض حجم إنتاجها وأنها ستزيده في شهر أكتوبر المقبل"... وإن كانت الحكومة الكويتية، أعادت تأكيد التزامها بخفض إنتاجها.

ولذلك، أعاد الرئيس العراقي في خطابه بمناسبة أعياد الثورة في العراق يوم 17 يوليو(*) اتهام الكويت والإمارات بإغراق سوق النفط وتنفيذ مخطط لتدمير اقتصاد العراق.

في 18 يوليو 1990، صعد العراق هجومه السياسي على الكويت والإمارات، بإعلان مذكرة موقعة من وزير الخارجية العراقي طارق عزيز في 15 يوليو إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية(*).

وتضمنت المذكرة مواقف العراق من "سياسة الكويت النفطية" و"قضية الحدود المعلقة" و"الديون المستحقة للكويت".

وعلى صعيد النفط، قالت المذكرة "إن حكومتي الكويت والإمارات نفذتا عملية مدبرة لإغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج خارج حصتهما المقررة في أوبيك"... "وقد أدت هذه السياسة المدبرة إلى تدهور أسعار النفط تدهوراً خطيراً".. و"أن السعر قد انخفض هذه السنة دولارات عدة عن سعره 18 دولاراً بسبب سياسة حكومتي الكويت والإمارات مما يعني خسارة العراق بلايين عدة من دخله لهذه السنة في الوقت الذي يعاني العراق فيه ضائقة مالية".

واتهمت المذكرة حكومة الكويت بأنها "نصبت منذ عام 1980 وبخاصة في ظروف الحرب منشآت نفطية على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي وصارت تسحب النفط منه" ... "وتبلغ قيمة النفط الذي سحبته حكومة الكويت من حقل الرميلة... وفقاً للأسعار المتحققة بين 1980 ـ 1990 (2400) مليون دولار".

* وعلى صعيد قضية الحدود، قالت المذكرة :"من المعروف أنه منذ عهد الاستعمار والتقسيمات التي فرضها على الأمة العربية، هنالك موضوع معلق بين العراق والكويت في شأن تحديد الحدود، ولم تفلح الاتصالات التي جرت خلال الستينات والسبعينات في الوصول إلى حل بين الطرفين لهذا الموضوع حتى قيام الحرب بين العراق وإيران"... و"خلال سنوات الحرب الطويلة... استغلت الحكومة الكويتية انشغال العراق كما استغلت مبادئه القومية... كي تنفذ مخططاً في تصعيد وتيرة الزحف التدريجي والمبرمج في اتجاه أرض العراق فصارت تقيم المنشآت العسكرية والمخافر والمنشآت النفطية والمزارع على أرض العراق...".

* وعلى صعيد الديون، بدأت المذكرة بتأكيد "أن الحرب التي اضطر العراق إلى خوضها لم تكن للدفاع عن سيادته فحسب وإنما كانت دفاعاً عن البوابة الشرقية للوطن العربي كله... ثم أشارت إلى "أن قيمة التجهيزات العسكرية وحدها التي اشتراها العراق بالعملة الصعبة واستخدمت في الحرب بلغت 102 بليون دولار فضلاً عن النفقات الأخرى العسكرية والمدنية التي بلغت معدلات هائلة..".

واعتبرت المذكرة "أن كل المساعدات التي تلقاها العراق من إخوانه لم تشكل سوى نسبة ضئيلة بالقياس إلى تلك التكاليف الباهظة التي تحملها الاقتصاد العراقي والشعب العراقي"... و"الحقيقة المرة ـ حسب المذكرة ـ أن القسم الأساسي من المساعدات المالية لا يزال مسجلا "دين" على العراق، ومن ذلك ما قدمته الكويت والإمارات.

وقد فاتحنا المعنيين بروح الأخوة منذ أكثر من عام لإلغاء هذا "الدين" لكنهم تملصوا من ذلك... وقد سجلت على العراق "دين" أيضاً كميات النفط التي باعتها الكويت لحساب العراق..".

وكان رد الفعل الكويتي مبنياً على أساس أن الفعل العراقي يقع في إطار "التهديد والإبتزاز".

فعندما اجتمع مجلس الوزراء الكويتي، في نفس اليوم، كان الرأي السائد بين الوزراء أن العراق يزيد الضغط على الكويت لابتزاز المال وزيادة أسعار النفط قبل أسبوع المؤتمر الوزاري لـ "أوبيك"(*) .

كان أول المتحدثين وزير المالية ووزير النفط السابق الشيخ علي الخليفة الصباح: فألمح إلى أن العراق يحاول إنقاذ اقتصاده وإلقاء اللوم على دول الخليج. وتوقع ألاّ تتغير لهجة العراق بعد مؤتمر "أوبيك".

وقال وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني "إن هدف العراق هو ابتزاز المال"... وكرر وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء د. عبد الرحمن العوضي أن العراق يسعى إلى ابتزاز المال. ولكنه أضاف "إن العراقيين يمضون إلى أبعد مما ينبغي، وإن على الكويت أن تتحرك بسرعة لإيجاد حل سياسي للأزمة".

واعتبر وزير الخارجية صباح الأحمد الصباح، أن المشكلة اقتصادية أساساً، وأن مسألة الحدود قضية قابلة للانفجار بما يدعو إلى إجراء اتصالات دبلوماسية مكثفة مع دول مجلس التعاون الخليجي وجس نبض مصر والأردن...

وأشار ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح، إلى أن العراقيين يمكن أن يقوموا بعمل عسكري محدود على الحدود.

وكان وزير العدل ضاري العثمان، الوحيد الذي امتلك حساسية عالية لتوقع ما حدث فيما بعد، إذ تنبأ بأن العراق ـ بعد انتهاء الحرب مع إيران ـ سيفرض مطالبه على الكويت بالقوة.

وقال: "إن المذكرة العراقية مجرد بداية... والله أعلم إلى أي حد سوف يذهبون" واستنتج أن قضية سعر النفط التي أثارها العراق لا تعدو كونها ذريعة لشيء آخر. وأنهى مداولته بالقول: "إن العراق والكويت هما الآن أشبه بالذئب والحمل".

وفي ذات اليوم، عقد المجلس الوطني جلسة طارئة، طلب ولي العهد رئيس الوزراء باسم الحكومة وباسمه شخصيا تحويلها إلى جلسة سرية.

واستمرت الجلسة 8 ساعات صدر على أثرها بيان للمجلس استنكر فيه المذكرة العراقية، ودعا إلى "اعتماد أسلوب الحوار الأخوي وسيلة لمناقشة ما تضمنته المذكرة من اتهامات عدة غير صحيحة... ونبذ سياسة العنف والتهديد والابتزاز"(**) .

وتحركت الكويت في حملة دبلوماسية واسعة، بإرسال وزراء الخارجية وشؤون مجلس الوزراء والعدل موفدين برسائل من الأمير إلى قادة الدول العربية.

وبعث وزير الخارجية بمذكرة كويتية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعت إلى تشكيل لجنة عربية في نطاق الجامعة لترسيم الحدود، ونفت حفر آبار داخل الأراضي العراقية وقالت إن العراق هو الذي فعل ذلك داخل الأراضي الكويتية(*) .

وتمثل التحرك العربي، بدءاً باتصال الملك فهد بالرئيس العراقي وأمير الكويت في نفس الليلة، وفي اليوم التالي (19/7) طار الرئيس مبارك إلى بغداد والكويت وجدة في جولة 18 ساعة متصلة، اجتمع فيها بالرئيس العراقي وأمير الكويت وملك السعودية، وذلك لاحتواء الأزمة.

وبدأ التحرك الأمريكي، في نفس يوم إعلان المذكرة العراقية، إذ أعلن ريتشارد باوتشر الناطق باسم الخارجية الأمريكية "أن الإدارة الامريكية مصممة على ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز والدفاع عن حرية الملاحة في الخليج... وإنها ملتزمة بقوة بدعم الدفاع الفردي والجماعي لأصدقائنا في الخليج..".

وباتجاه تصعيد الضغط على الكويت والإمارات، انعقد المجلس الوطني العراقي يوم 20 يوليو، وأصدر بياناً دعا فيه الدول العربية إلى مساندة العراق ضد الكويت والإمارات بدعوى أنهما أغرقا الأسواق العالمية بالنفط.

وقال: "إن السياسة النفطية الجديدة التي يطبقها حكام الكويت والإمارات، أضرت بالعراق بشدة".

ووصف هذه السياسة بأنها حرب جديدة ضد العراق، وقال "إن ذلك يستوجب تدخل الدول العربية لاستئصال مواطن الضعف لبعض حكام الخليج الذين دخلوا لعبة الإضرار بالمصالح العربية".

وقام الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي بزيارة بغداد والكويت في اليوم التالي، كما زار وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بغداد...

وفي إطار الحملة الدبلوماسية الكويتية المكثفة، بعث وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد الجابر، مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز ديكويار، رد فيها على المذكرة العراقية التي وجهت إلى الكويت(**) .

واوردت المذكرة الكويتية أن المذكرة العراقية تضمنت عدداً من الادعاءات التي لا تستند إلى أساس من الصحة.

وقالت المذكرة "إن ما ورد من ادعاء بأن الكويت وراء تدهور الأسعار يتنافى مع الحقيقة والواقع... وأما الادعاء بأن الكويت تسرق نفطا عراقيا، فإننا نود أن نؤكد هنا أن استخراج الكويت للنفط في تلك المنطقة إنما يتم في آبار تقع ضمن الأراضي الكويتية..."

وأكدت المذكرة "أن الكويت سعت في شكل متواصل إلى ترسيم الحدود بين البلدين وإنهاء المشاكل المعلقة ولكن العراق كان يرفض وباستمرار وضع حد لتلك المسألة القائمة بين البلدين في الوقت الذي سعى فيه العراق وأثناء الحرب إلى ترسيم الحدود بشكل نهائي مع الدول العربية الشقيقة الأخرى المجاورة له".

وأشارت المذكرة إلى "ما ورد في المذكرة العراقية من تهديد واضح للكويت وذلك عندما أوضحت المذكرة بأن العراق سيحتفظ بحقه بمطالبة المعنيين بإصلاح التجاوز، وهو تجاوز تؤكد الكويت بطلان صحته".

وفي سياق التصعيد نقلت وكالة أسوشيتدبرس في اليوم نفسه (21/7) أن صحيفة القادسية الناطقة بلسان الجيش العراقي ألمحت إلى احتمال القيام بعمل عسكري ضد الكويت، كإجراء يحمي به حقوقه ومصالحه.

إلا أن مجلس الوزراء الكويتي، دعا في اليوم التالي المسؤولين العراقيين إلى إفساح المجال أمام الوساطات وإلى اتخاذ مواقف عملية تساعد في تمكين المساعي العربية الرامية إلى احتواء الأزمة.

كما أعرب الرئيس مبارك في خطابه (*) بمناسبة ذكرى 23 يوليو، عن اعتقاده بأن الأزمة بين العراق من جهة والكويت والإمارات من جهة ثانية، ما هي إلا "سحابة عابرة" قال: "إنني على ثقة كاملة وبخبرتي مع الأخوة أن الرئيس صدام حسين قادر بحكمته أن يتخطى هذه المشكلة بكل هدوء وبكل موضوعية، حتى نتلافى العقبات والتوترات التي تعوق التضامن العربي".

أما العراق، فقد استمر من جانبه في تصعيد حملته على الكويت، بعد المذكرة التي رفعها وزير الخارجية الكويتي إلى الأمم المتحدة، واعتبرت بغداد أن تلك خطوة تمهد لدعوة القوى الأجنبية للتدخل في المنطقة. وأن ذلك يعتبر تخلياً عن خيار الحل العربي الذي قالت الكويت أنها متمسكة به.

وأرسل العراق مذكرة للأمين العام للجامعة العربية، يوم 24 يوليو، للرد على المذكرة الكويتية، تضمنت أن الكويت رفضت تشغيل الممر الجوي المباشر بين العراق والكويت.

وأنكرت ما جاء بالمذكرة الكويتية عن تجاوزات العراق على الأراضي الكويتية، وأعادت اتهام الكويت ببناء المخافر وإنشاء المزارع والمنشآت العسكرية والنفطية على أراضي العراق خلال الحرب.

وقالت المذكرة العراقية "أن الكويت تتحدث عن ترسيم حدود وترفض (تحديد الحدود) بين البلدين... وأن حقل الرميلة عراقي بالاسم والأرض وما سحبته الكويت منه سرقة لا بد من ردها إلى شعب العراق المجاهد".

وأكد وزير الخارجية العراقية طارق عزيز في بغداد، أن الخلافات على الحدود بين العراق والكويت تحلها الدولتان وليست اللجان العربية. وطلب من الكويت تنفيذ المطالب الواردة بالمذكرة العراقية للجامعة العربية من غير لف ولا دوران، وإبعاد المتآمرين عن مركز القرار.

وفي اليوم ذاته، قالت وزارة الخارجية الأمريكية أن لديها معلومات مؤكدة عن وجود حشود عسكرية على جانبي الحدود المشتركة بين العراق والكويت... وأن الوزارة معنية بهذه التحركات وتراقب الموقف عن كثب.

كما أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الموقف الأمريكي، الذي هو "حماية أمن وسلامة كل دولة عربية خليجية صديقة وأمن هذه الدول مجتمعة" وقال: "إن الوزارة تنظر بجدية لمصالح أمريكا ومصالح الدول الصديقة... وأن قطع الأسطول الأمريكي توجد في منطقة الخليج".

* * *

في يوم 25 يوليو، بدا أن الأزمة في طريقها إلى الانفراج... وخرجت صحف الكويت الخمس بمانشيت رئيسي يقول: "العراق أبلغ الرئيس مبارك أنه لن يهاجم الكويت" وأفردت الصحف مساحات كبيرة للجولة التي قام بها الرئيس وشملت بغداد والكويت وجدة في اليوم السابق. وقالت أن مصر اقترحت خطة من أربع نقاط لتسوية الأزمة:

* استبعاد العمل العسكري.

* مهمة مكوكية للتقريب بين وجهات نظر البلدين.

* عقد اجتماع مصالحة على مستوى وزراء الخارجية يعقد في القاهرة.

* وقف كل الحملات الدعائية بين البلدين.

واهتمت صحف اليوم التالي (26 يوليو) بتصريحات الرئيس مبارك، بمناسبة احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، التي قال فيها إن الرئيس صدام وافق على إنهاء الحملات الإعلامية من "الخميس" وسيعقد الجانبان العراقي والكويتي اجتماعاً ثنائيا في جدة يوم السبت أو الأحد المقبلين".

وقال مبارك: ".. الرئيس صدام لم يضع أي قوات على الحدود.. الموجود من هذه القوات كان موجودا من قبل".

وأضاف: "أستطيع أن أقول لكم أن الرئيس صدام ليست لديه أية نية في أن يحرك قوات تجاه الكويت". ورداً على سؤال عما اذا كان الرئيس صدام قد أبلغه بذلك، قال الرئيس مبارك: "نعم".

وسعت بغداد في اليوم نفسه إلى طمأنة واشنطن بعد القاهرة. فقد أكد الرئيس العراقي في رسالة للرئيس الأمريكي أن العراق لا يعتزم القيام بأي عمل عسكري، وأنه شعر بالأسف لأن أمريكا وضعت أسطولها في الخليج في حالة تأهب.

وقال مسؤول رسمي بالخارجية الأمريكية (يوم 26/7) أن الرئيس صدام أبلغ هذه الرسالة للسفيرة الأمريكية في بغداد إبريل جلاسبي وأنه قال بالحرف الواحد: "إن العراق لا يريد حرباً فهو يعرف مرارة الحرب وتكاليفها وأن الخلاف بينه وبين الكويت هو خلاف بين أفراد عائلة واحدة، وأن القضية تتعلق في نهاية الأمر بمسائل من اختصاص الأمة العربية".

وذكر المسؤول الأمريكي أن صدام قال "إن القوات العراقية كانت موجودة في مواقعها المعتادة على الحدود بدون إعلان لحالة استنفار".

وبعد طمأنة بغداد لواشنطن بعد القاهرة، تحلق الأمل في الكويت حول اجتماع جدة المنتظر بين نائب رئيس مجلس القيادة الثورة العراقي ورئيس وزراء الكويت، والذي تم التوصل اليه بعد الجهود الدبلوماسية المصرية والسعودية.

وقررت بغداد أن تعلن موقفها عشية عقد الاجتماع... فقد نفى متحدث رسمي عراقي لجوء العراق إلى التهديد والابتزاز في تعليق على تصريح رئيس الوزراء الكويتي قال فيه "إن الكويت يرفض التهديد والابتزاز".

وأوضح المتحدث العراقي أن الاجتماع العراقي ـ الكويتي في جدة المقرر في 29 يوليو هو "لقاء أولي بروتوكولي" سيعقبه لقاء آخر في بغداد لمواصلة المباحثات. وقال "من الضروري أن يعلم رئيس وزراء الكويت أن الذي يأتي للاجتماع معنا، ينبغي أن يكون مهيئاً لإزالة الأذى والعدوان الذي لحق بالعراق والاستجابة لحقوق العراق المشروعة"...

وتأجل الاجتماع ليوم 31 يوليو... وهو اليوم نفسه الذي ذكرت فيه "واشنطن بوست" أن العراق حشد مائة ألف جندي على حدود الكويت، وانعقد اجتماع جدة... وطبول الحرب تدق.

(2) غزو الكويت: يوميات شاهد عيان
يوم الأربعاء، الأول من أغسطس 1990.. كانت الكويت تنتظر عودة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء من جدة، بعد اجتماعه مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي.. وكنا، في جريدة "الأنباء" في ذلك اليوم، نتلهف على معرفة نتائج الاجتماع. وزاد من تلك اللهفة أن الصحف العراقية، التي وصلتنا في الصباح، قد بلغت في تصعيد الموقف لأقصى مدى.

فصحيفة "الجمهورية"، المعتبرة ناطقة بلسان الحكومة العراقية، أبرزت "أن العراق يحضر اجتماعات جدة للحصول على حقوقه وليس لسماع حديث متكرر أجوف عن الإخاء والتضامن". أما صحيفة "الثورة" فقد كتبت تقول "أن الاستجابة للحقوق العراقية هي الأساس الصحيح لأي حوار جاد".

ومساء ذلك اليوم، أعلن ولي العهد الكويتي ـ لدى عودته من جدة ـ "إن المباحثات اتسمت بالوضوح وإبراز المواقف المطروحة بين البلدين، وأعرب عن أمله في مواصلة اللقاءات واستمرار المفاوضات بين البلدين". وعلى الجانب الآخر، قال سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي: "إن مباحثات جدة فشلت في التوصل لحل مشكلات البترول والحدود لأن الكويت لم تكن جادة خلال المباحثات" وأضاف: "إنه لم يتم اتفاق حول أي شئ، لأننا لم نلمس من الكويتيين أي جدية..".

وأبرقت وكالات الأنباء الغربية، أن العراق زاد حشوده إلى 130 ألف جندي.. بعد أن فشلت مباحثات جدة.

وتجدد الموقف الأمريكي في اليوم نفسه، عبر إعلان مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، جون كيلي "أن العراق حشد قوات ضخمة على حدوده مع الكويت وأن بلاده تزمع القيام بكل ما وسعها لدعم أصدقائها".

ولأن الحكومة الكويتية، لم تشأ استفزاز العراق.. أو لأنها لم تقدر الموقف تقديراً صحيحاً.. صدرت التعليمات إلى الصحف الكويتية الخمس (الأنباء ـ القبس ـ الوطن ـ السياسة ـ الرأي العام) بواسطة الرقباء، بتجنب الإشارة إلى فشل مباحثات جدة، والتأكيد على علاقات الأخوة والجوار مع العراق، وضرورة استمرار المفاوضات بين البلدين.

وأكدت تلك الرسالة، وكالة الأنباء الكويتية "كونا" والإذاعة والتليفزيون في الكويت، خلال بث اليوم كله.. واستمرت في إعلان برقيات التأييد والمبايعات لأمير البلاد وولي عهده.. ولم يكن يدور بخلد أحد، أن الصحف الكويتية كانت تصدر آخر أعدادها بالكويت، يوم أول أغسطس.. وأن "كونا" والإذاعة والتليفزيون، ستتوقف عن البث من الكويت في اليوم التالي.

وكان السؤال الذي يشغلنا كصحفيين ومعنا كل المهتمين بالقضية: لماذا فشلت مباحثات جدة بين العراق والكويت؟ إلا أن ما دار في الاجتماع، ووصل إلى الصحف كان كافيا ليوضح سبب الفشل، ولينذر بكارثة..

فخلال 105 دقائق، هي مدة الاجتماع، كان الطرف الذي تحدث كثيراً، وعرض وجهة نظره كاملة وكأنما يفاوض نفسه.. هو الطرف الكويتي. أما الطرف العراقي فلم يحضر الاجتماع ليتفاوض.

لقد افتتح الاجتماع بحضور الأمير عبد الله بن عبد العزيز الذي أكد على الأخوة العربية وقال أنه يود أن "يعطي الفرصة للأخوة الاشقاء في الكويت والعراق لبحث المشاكل المتعلقة بينهما". ثم غادر قاعة الاجتماع، تاركا رئيس الوفدين الكويتي والعراقي اللذين استدعيا أعضاء الوفدين.

وبدأ رئيس الوفد العراقي عزة إبراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة الاجتماع، باتهام الكويت بالتآمر على العراق في مجال النفط.. ثم أورد ما ذكر في مذكرة العراق لمجلس الجامعة العربية، عن التجاوز الكويتي في المناطق الحدودية، وحقل الرميلة، وامتناع الكويت عن فتح خط طيران مدن عبر الأجواء الكويتية..

ورد رئيس الوفد الكويتي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، الشيخ العبد الله السالم الصباح، بأن الكويت لا تتآمر على العراق أو أي بلد آخر.. وأن مساعدات الكويت للعراق خلال سنوات الحرب مع إيران دليل على افتقار هذا الكلام للحجة.

وقال: إن الكويت خفضت حصتها من النفط، لاعتبارات تتعلق بأوضاع السوق النفطية، وتضررت مقابل ذلك.

وأن موضوع حصص الإنتاج قد تمت تسويته في اجتماع جدة الذي انعقد قبل المذكرة العراقية التي أثارت موضوع تجاوز الكويت والإمارات بأسبوع. فإذا كان الموضوع قد تم حله قبل ذلك، فلماذا الاتهام؟

وواصل ولي عهد الكويت الرد على النقاط الواردة بالمذكرة العراقية المقدمة لمجلس الجامعة العربية.. وطلب تكليف وزير الداخلية في البلدين للقيام بجولة في المناطق الحدودية، للنظر في مسألة تجاوز الحدود، وقال: إذا كان هناك تجاوز كويتي بالفعل، فنحن على استعداد للرجوع عنه، وإذا كان من الجانب العراقي فليفعلوا نفس الشىء.

كما طلب ولي العهد الكويتي، تشكيل لجنة من وزارتي النفط في البلدين للتحقيق في موضوع حقل "الرميلة" وقال: لدينا الاستعداد لإيقاف التجاوز إذا ثبت أنه من قبلنا. ثم تطرق الشيخ سعد إلى موضوع خط الطيران المدني عبر الأجواء المدنية الكويتية مبديا عدم اقتناع الكويت بفتح ذلك الخط.. وانتقل إلى تبرير رفض الكويت لإسقاط الديون المستحقة على العراق...

ورد رئيس الوفد العراقي، بأن "الاجتماع بروتوكولي".. وأنه غير مستعد لبحث أي نقطة من النقاط الواردة في المذكرة العراقية..

وعندما دعا رئيس الوفد الكويتي، لتشكيل لجنة لدراسة جميع النقاط الواردة في المذكرة.. كرر رئيس الوفد العراقي عبارة "إن الاجتماع بروتوكولي" مشيراً إلى "أن المناقشة تكون في بغداد".. ولما طلب الوفد الكويتي أن يعقب لقاء بغداد لقاء بالكويت، رد رئيس الوفد العراقي بأن "اللقاء سيكون في بغداد.. وكفى".. وعندما حان موعد صلاة المغرب، غادر رئيس الوفد العراقي القاعة، وقال:"إن اللقاء انتهى ولا مجال للبحث في أي موضوع"(*).

وليلة الأول من أغسطس، اتصل رئيس الوفد الكويتي برئيس الوفد العراقي وزاره في محاولة أخيرة لبحث النقاط المعلقة التي حضر الوفدان لمناقشتها.. وكرر عزة إبراهيم عبارة "أن الاجتماع بروتوكولي".. وكان آخر رد للوفد الكويتي، إن الكويت لا تخضع للتهديد والابتزاز، وليركب العراق أعلى خيله..

وفي الليلة التالية، ليلة الثاني من أغسطس، امتطى العراق طائراته ودباباته، ليجتاح "الإمارة" الغنية المهادنة والمتعجرفة أيضاً.

* * *

كان سكني في منطقة "الفروانية"، القريبة جداً من مطار الكويت. وحوالي الساعة الثالثة من صباح الخميس الثاني من أغسطس، فزعت من نومي على أصوات الطيران المدني. وعندما نظرت من النافذة شاهدت سرب طائرات مريبة يمرق في سماء بلدة هادئة ومسالمة ومترفة إلى أبعد الحدود. وحاولت في ذلك الوقت أن ألتقط من خلال الراديو إرسال أية إذاعة فلم أجد.

وظللت قلقاً حتى السابعة صباحاً. ثم سمعت إذاعة "صوت الجماهير" من بغداد وهي تردد عبارات:" سقط قارون الكويت.. سقط الطاغوت وانبلج فجر الحرية".

ونزلت إلى الشارع، في الثامنة صباحاً، لأجد الدبابات العراقية تنطلق مسرعة على الطريق "الدائري الخامس"، وأفراد من الجيش العراقي وبعض المدنيين.. يفتشون المارة المتوجهين إلى أعمالهم.. يفتشون في بطاقاتنا.. ويهددون بالسلاح مطالبين بعودتنا إلى منازلنا. وعبر طرق جانبية، استطعت الوصل إلى منطقة "الجابرية" أحد الأحياء التي يسكنها الكويتيون..

ومن هناك استطعت مشيا أن أعبر إلى منطقة "الشيوخ" حيث مقار الصحف الكويتية، متجها إلى صحيفة "الأنباء".. وكان شارع الصحافة الذي توجد به الصحف الكويتية شبه خال من السيارات بعكس عادته دائماً.. وكانت مباني الصحف خالية أيضاً.. فقد اتصل مالكو الصحف الكويتيون بالقائمين على إدارتها من اللبنانيين والفلسطينيين والمصريين.. وطالبوهم بوقف إصدارها حتى تنجلي عناصر الموقف.

ولما وصلت جريدة "الأنباء"‎، وجدت الزميل يحيى حمزة مدير تحريرها وبعض الزملاء يسيطر عليهم الذهول.. فلا أحد يستطيع إقناع نفسه بما حدث.. وتوالت المكالمات الهاتفية.

من الأصدقاء والزملاء والسكان في المناطق المختلفة للكويت.. تخبرنا بسيطرة القوات العراقية الغازية على المراكز الحدودية الكويتية ثم على قواعد القوات الكويتية في منطقة الجهراء ثم انطلاق قوات الغزو إلى العاصمة الكويتية. وبقية المناطق.. وفي ذلك الوقت، دخل علينا أربعة جنود كويتيين بمدافعهم الرشاشة، طالبين تغيير ملابسهم العسكرية، فأعطيناهم ملابس عمال المطبعة. وعرفنا منهم أن أوامر صدرت لهم بتجنب القوات العراقية.

ظللت بالجريدة ساعتين، أتابع ما يحدث من خلال "تكرز" وكالات الأنباء العالمية، حتى تم ضرب برج الاتصالات الخارجية في منطقة "الصباحية" فأصبحنا معزولين عن العالم، بينما واصلت وكالة الأنباء العراقية بثها، ومعها وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية..

ولم يكن أمامي إلا أن أنزل مدفوعاً بفضول "مهنة البحث عن المتاعب" في محاولة لأن أتبين ما حدث. واستطعت أن أقترب من مقر وزارة الدفاع الذي يوجد بالمنطقة نفسها "الشويخ".. وهناك افتقدت الإحساس بالفاصل بين الموت والحياة. من هول ما رأيت.. حيث وجدت أكثر من 300 قتيل وجريح من الكويتيين والعرب الآخرين.. منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، حيث قصف المقر بالطائرات العراقية، وحدثت عليه عمليات إنزال لتدور فيه "مجزرة" بين ا&