|
صاحب الثروة النفطية ودولة الرفاهة في الكويت، استخدام نسبة كبيرة من العمالة
الوافدة، كخدم في المنازل.
فقد وصل عدد الخدم، عام 1985، إلى 116 ألف، بنسبة تزيد عن 21 بالمائة من إجمالي
قوة العمل الوافدة (543 ألف عامل) وتتجاوز 90 بالمائة من إجمالي قوة العمل
المالية (من الكويتيين).
أي أن كل واحد من قوة العمل الكويتية يقابله خادم. ولذلك كان مألوفاً، أن نجد
في كل منزل كويتي، أو خلف كل سيدة كويتية خادمة سيلانية أو هندية أو فليبينية،
تقوم بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال على مدار اليوم مقابل 30 ديناراً شهرياً
(حوالي مائة دولار) وفي نهاية يونيو 1990، ثارت قضية الخادمات الآسيويات في
الصحف الكويتية، كما حدثت أزمة دبلوماسية بين حكومتي الكويت وسيلان حول تلك
القضية.
فقد أعلن وزير العمل السيلاني، أنه زار الكويت متنكراً في شخصية مهندس مدني حتى
يستطيع متابعة ما يجري لمواطنات بلاده، واكتشف أن المواطنات السيلانيات يرغمن
على العمل في مهنة "البغاء".
وروي الوزير السيلاني لـ "رويتر" تجربته قائلا: "لقد شاهدت النساء السيلانيات
اللاتي ليس لهن حول ولا قوة واللاتي يذهبن إلى هناك للعمل كمديرات منزل يجبرن
على العمل في مجار الدعارة والبغاء، وعلى الفور أصدرت أوامري بوقف عملية
الاتجار بالرقيق هذه... إنني أهيب بكل نسائنا عدم الذهاب إلى الكويت، إنها
شبيهة بشراء تذكرة إلى جهنم".
وقال الوزير "هناك مائة امرأة سيلانية يأتين يومياً إلى مقر السفارة السيلانية
في الكويت للشكوى من أرباب أعمالهن ومن أنهن يجبرن على العمل 12 ساعة يوميا ثم
يرسلن بعد ذلك إلى منازل أخرى للعمل أعمالاً إضافية".
ونوه وزير العمل السيلاني إلى أنه قام بزيارة 150 مكتب تخديم في الكويت، وأن
تلك المكاتب تقوم بعرض صور في "ألبومات" لنساء سيلانيات مع الأسعار الخاصة بهن
لتسهيل أعمال الدعارة كما قال.
وقال: "إن العديد من هؤلاء النسوة لا يستطعن العودة إلى بلادهن لأن أسرهن
وأزواجهن لن يقبلوا بهن بعد الآن. وهن يفضلن الانتحار على العودة، إنني لم
أشاهد في حياتي مثل هذه المأساة".
المعزب ـ الكفيل
كان من أهم تأثيرات صيد اللؤلؤ وتجارته ـ اجتماعيا ـ تحديد العلاقة بين رب
العمل (المعزب أو الكفيل) والمستخدم أو المكفول في المجتمع الكويتي.
فقد انتقلت الصلة الاجتماعية بين النوخذه والطواش (تاجر اللؤلؤ) والبحارة
(ابتداء من الغواص إلى السيب إلى الرديف)، لتكون نفس الصلة بين المعزب
والمستخدم. فكانت الصلة بين المعزب (التاجر أو النوخذه اذا كان مالكا للسفينة)
بالبحارة، تبدأ "بالسلفية" وهي مقدم نقدي في هيئة دين يدفعه التاجر للبحارة عند
موسم الغوص لإقامة أود أسرهم في غيبتهم التي قد تستمر طوال موسم الغوص.
ويحصل البحارة في نهاية الموسم على حصتهم من بيع اللؤلؤ وتسمى "تسكام". ولما
كان أغلب عمل الغواصين موسميا، فإنهم يتعطلون طوال موسم الشتاء والربيع، ولذلك
يحصلون من التاجر نفسه أو النوخذه على مبلغ آخر في هيئة قرض يسمى "خرجية" أو
مصروف جيب، مقابل العمل لدى التاجر نفسه أو النوخذة في الموسم المقبل، وتسجل
جميع هذه الديون في دفتر حساب التاجر. وكان البحارة في أكثر من 90 بالمائة من
الحالات لا يكسبون من وراء إسهامهم في صيد اللؤلؤ ما يكفي لتسديد الديون للتاجر
أو النوخذه، فكأنهم كتب عليهم العمل للتاجر نفسه أو النوخذة ما تبقى من حياتهم
المهنية.
وترتب على ذلك أن تكون صلة المعزب (التاجر أو النوخذة) بالباخرة صلة "استزلام"
كاملة. وانتقلت صفة "الاستزلام" لتكون طابع العلاقة بين رب العمل (المعزب)
والمستخدم أو العامل في النشاط الاقتصادي عموما.
فالمعزب مسؤول عن إعالة المستخدم أو العامل، ويتحكم فيه، وله الحق في إنهاء
علاقة العمل في أي وقت شاء ولأي سبب. وفي حقبة النفط، وبسبب الأعداد الكبيرة
الوافدة للعمل بالكويت، أصبح للمعزب دور اجتماعي مضاف هو دور "الكفيل" فـ
"المعزب ـ الكفيل" مسؤول مسؤولية كاملة عن السلوك العام للمستخدم أو العامل
الوافد (المكفول).
فهو الذي يمنح "الإقامة" للمكفول أو يلغيها، ولا يستطيع المكفول إجراء أية
معاملة رسمية مع الهيئات الحكومية (استخراج ترخيص عمل أو تجارة أو رخصة قيادة)
بدون "التوقيع" المعتمد للكفيل... ولا يمكنه العمل لدى شخص آخر بدون موافقته،
ويتعذر عليه السفر خارج البلد إلا برضى الكفيل الذي يحتفظ بجواز سفره بمجرد
دخوله البلاد(*) وللكفيل الحق في إنهاء العمل أو الشراكة مع الشخص المكفول، وله
أن يطلب ترحيله في أي وقت.
ومثلت "الكفالة" مصدراً لأشكال من الارتزاق والإثراء. فلما كان من المتعذر على
غير الكويتي أو ينشئ أو يمتلك مشروعاً بالكامل بموجب القانون، كان عليه أن يلجأ
إلى "كفيل" يشاركه في الأرباح ولا يشاركه في رأس المال أو العمل.
ليقدم له الغطاء القانوني "الكفالة". ومن تلك الأشكال، أن يقوم "الكفيل"
باستخدام عمال من دولة أخرى على كفالته، لتشغيلهم لدى أصحاب عمل آخرين مقابل
نسبة من أجورهم.
وكان بإمكان "الكفيل" استخراج موافقات "عدم ممانعة" لتمكين العمال من دول أخرى
دخول الكويت والبحث عن عمل، مقابل مبلغ من المال يدفعه المكفول للكفيل.
الديرة والأمير:
أظهرت أسرة الصباح قدراً كبيراً من
التسامح السياسي مع القبائل الأخرى، فخلافاً لإمارات الخليج المجاورة، نصب صباح
الأول حاكماً بعد اتفاق قبلي وليس بالعسف والقهر.
واندمج أعضاء الأسرة مع القبائل البارزة في الكويت، من خلال آليات المصاهرة
بالزواج والمصالح المشتركة والمشاركة في إدارة شؤون البلاد المحلية.
ولذلك، شهدت الكويت تجربة ديمقراطية، مبكرة، تحددت دوماً (تقدماً أو نكوصاً)
بهامش التراضي بين أسرة الصباح من جانب والقبائل البارزة والمعارضة الجديدة حول
القدر المسموح به لمشاركة أهل الديرة "البلد" في الحكم، ولم يكن الصراع خلال
تلك التجربة حول وجود أسرة الصباح في الحكم من عدمه، وإنما كان حول المشاركة في
الحكم والثروة.
ففي عام، 1921 قامت أول حركة في الكويت تطالب بأن يشارك أهل الديرة الأمير في
حكم البلد. وكان المطلب الأول لهذه الحركة هو اتباع مبدأ الشورى في اختيار
الأمير من بين أفراد الأسرة الحاكمة، ثم تطور هذا المطلب إلى "انتخاب عدد معلوم
من أسرة الصباح والأهالي لإدارة شؤون البلاد على أساس العدل والإنصاف".
وقد قامت تلك الحركة بالأساس على أكتاف التجار، الذين أضيروا من الحصار التجاري
الذي فرضته بريطانيا على الدولة العثمانية، ومن ثم كانت مطالبتهم بتأسيس مجلس
شورى يبث في شؤون البلاد المحلية، دون انفراد الشيوخ بتلك الشؤون، وبخاصة
التجارة.
ولم يجد الأمير الشيخ أحمد الجابر مانعاً من الاستجابة لطلب التجار، وتأسس مجلس
الشورى الذي انفض بعد أشهر قليلة بسبب الخلافات بين الأمير والمجلس وللخلافات
الحادة بين أعضاء المجلس أنفسهم.
أما حركة 1938 الإصلاحية، فقد طالبت بإنشاء مجلس تشريعي وليس استشاريا، وتنظيم
الحياة الاقتصادية في البلاد، وإنشاء دائرة نظامية للشرطة والأمن العام، وضرورة
أن يكون الأمير على اتصال بكل الأهالي وأن يسمع شكواهم.
وأخذت الحركة بعداً إصلاحياً، تمثل في المطالبة بفتح المدارس على أوسع نطاق.
وتمثل بعدها القومي في المطالبة بإغلاق أبواب الكويت في وجه اللاجئين الأجانب
(وأغلبهم من إيران)، والسماح المطلق للعرب بزيارة الكويت وعدم منع أي عربي من
دخول البلاد.
وناصر الحركة الشيخ عبد الله السالم (ولي العهد) حتى لا تتحول إلى أسلوب العنف.
وجرى انتخاب مجلس الشورى في صيف 1938 بواسطة 150 أسرة... وتكون من 34 عضواً...
واختير عبد الله السالم الذي ناصر الحركة رئيساً له.
وخلال ستة أشهر، طالب المجلس بالإطلاع على المعاهدات والاتفاقيات المعقودة مع
بريطانيا، فاحتج المقيم البريطاني بأن الشؤون الخارجية هي من اختصاص الحكومة
البريطانية وهي عقد بين الشيخ والإنجليز، وليس لطرف آخر حق النظر فيها. كما
طالب المجلس الأمير بتنحية السكرتير الخاص له الذي كان فارسي الأصل.
واستطاع المجلس، إصدار أول وثيقة دستورية (القانون الأساسي)، كما نجح في إقامة
إدارة مدنية في البلاد. إلا أن المجلس حل بعد ذلك، في ديسمبر 1938، ووعد الأمير
بإجراء انتخابات جديدة. وقاوم عدد من النواب قرار فض المجلس واعتصموا في حصن
ولم يستسلموا إلا بعد تضييق الخناق عليهم وتأمينهم على مستقبلهم.
وجرت الانتخابات الجديدة في مارس 1939، إلا أن المجلس الجديد لم يضم الأعضاء
المتنفذين في المجلس السابق. واختفى المجلس الجديد عند قيام الحرب العظمى
الثانية.
بيد أن الحركة الديمقراطية في الكويت، اتجهت إلى تجذير بعدها القومي، بتأثير
المد القومي الناصري في الخمسينات. ففي مجلس الأمة، الذي أنشئ عام 1961، تظهر
مجموعة من النواب أطلق عليهم اسم "النواب الوطنيين" من جماعة مجلة الطليعة(*)
وحركة القوميين العرب والمتحالفين معهم.
وكانت هذه المجموعة قد قامت بتعبئة السكان لمساندة وحدة سوريا ومصر بتنظيم
مهرجانات وتظاهرات لهذا الغرض في عام 1959، مما حدا بالأمير إلى إغلاق الأندية
والصحف والمجلات، وإعلان ما يشبه الأحكام العرفية في البلاد. واستمر ذلك إلى
إعلان الدستور.
بعد استقلال الكويت، تكونت هيئة تأسيسية لوضع الدستور، من 20 عضواً بالانتخاب
والتعيين، وشكل فيها الأعضاء المنتخبون الأغلبية. ورغم انضمام أعضاء الوزارة
(14 منهم من أسرة الصباح) إلى الهيئة بحكم مناصبهم، إلا أن الأعضاء المنتخبين
هم فقط الذين صوتوا على الصيغة النهائية للدستور، لتأخذ العملية مضموناً
ديمقراطيا.
وجاء الدستور ليعكس صيغة حكم وراثي دستوري مفيد. فجعل الخلافة وراثية محصورة في
الذكور من خط مبارك في أسرة الصباح، عن طريق ولاية العهد. فالأسرة تختار ولي
العهد، ثم تفرض تلك التزكية على مجلس الأمة في جلسة خاصة، لتتم المبايعة
بأغلبية الأعضاء، ثم يصدر الأمير مرسوماً بتعيين ولي العهد.
ووفقا لذلك، تم تداول وراثة الحكم بين فرعي أسرة مبارك الصباح (السالم، الجابر)
فورث الأمير عبد الله السالم الصباح الذي خلف ابن عمه (أحمد الجابر) الأخ صباح
السالم الصباح عام 1965 ثم نجل ابن العم جابر الأحمد الجابر عام 1977... وتم
تعيين سعد العبد الله الصباح ابن الأمير الأسبق وابن عم الأمير الحالي في
فبراير 1978. |