|
لم أكن أتصور، وأنا أجمع المادة
العلمية لهذا الكتاب، أن يمتد بي المدى، لكي أكون شاهد عيان للغزو العراقي
واحتلال الكويت، وعندما كنت أبحث في "الصراع على الكويت: مسألة الأمن والثروة”،
منذ أن نشأت الإمارة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم أتوقع أن يتضمن
أحد فصول الصراع تهديد الأمن لدرجة تهديد وجود "الدولة الصغيرة".
إن الأمن القومي، بمعنى أمن الدولة القومية ـ بالمفهوم الغربي ـ هو الدفاع عن
سيادة الدولة ومواردها ووحدة أراضيها.
بيد أن "الأمن ليس هو تراكم السلاح بالرغم من أن ذلك قد يكون جزءاً منه... وليس
القدرة العسكرية بالرغم من أنه يشتمل عليها...".[1] فهو ـ إلى جانب ذلك "يمتد
من الجبهة الداخلية، وحماية هوية المجتمع وقيمه، ويؤمن المواطن من الخوف
والفاقة، ويضمن له حداً أدنى من الرفاهية والمشاركة السياسية"[2].
وقد أظهرت أسرة الصباح قدراً كبيراً من النجاح في تثبيت حكمها وحماية أمن
الإمارة، عن طريق “المحالفة” في مواجهة أطماع الشيوخ والأمراء المجاورين وتنافس
القوى الدولية على الكويت قبل "حقبة الأمن البريطاني" وأثناءها.
وخلال حقبة النفط، وبجانب المحالفة، أبدت أسرة الصباح ـ داخلياً ـ نوعاً من
التسامح مع القبائل الاخرى وقوى المعارضة الجديدة في الكويت، وأتاحت لها حداً
من المشاركة في ثروة النفط وحكم الإمارة، لضمان الاستقرار الداخلي، من خلال
"الترضية".
إلا أن الصيغة التي اتبعتها أسرة الصباح لحماية أمن الكويت، بالمحالفة خارجيا
والمشاركة النسبية في الثروة والسلطة داخليا، بدا أنها قد تعرضت للانتكاس في
النصف الثاني من عقد الثمانينات.
فالصراع بين أسرة الصباح وأهل الديرة(*) ، بما أنه صراع على الثروة والسلطة ـ
كما اتضح عند معالجة أزمة المناخ وحول صيغة الحكم الدستوري ـ أدى إلى حل مجلس
الأمة وفرض الرقابة على الصحف عام 1986 ... وظل الصراع مفتوحاً، ومتسماً بالعنف
أحيانا، بين القبائل البارزة والمعارضة الجديدة وبين الحكم حتى نهاية
الثمانينات.
والدولة “الصغيرة” ديموجرافيا والغنية مالياً، لم تتمكن بزيادة إنفاقها العسكري
والتحالف مع الدول الخليجية الأخرى، من حماية أمنها القومي دون الاستنجاد بقوة
خارجية (رفع الأعلام الامريكية على ناقلات النفط عام 1987 والاحتماء بقوات
الانتشار السريع في المنطقة).
وبدلاً من أن تؤدي "الثروة النفطية” إلى دعم الأمن، تحولت إلى "غنيمة"، ومثلت
إغراءً لاقتناصها عسكريا، لتصبح مصدراً لتهديد الأمن، بل لتهديد وجود الدولة
أصلا. ولم يمنع التحالف مع الأجنبي احتلال الكويت.
إن حالة الكويت تعد مثالاً أوضح للدول الخليجية من حيث النشأة ونمط العلاقات
والمصالح داخليا وخارجيا. وتعاني مثلها ـ بالنتيجة ـ من معضلة الأمن والثروة.
فالدولة الخليجية “دولة صغيرة” أو “مدينة ـ دولة” فوق حقول النفط، ولذلك تميزت
بـ “الثروة النفطية” و"الخفة السكانية".
وتسبب ذلك في اعتمادها في الدفاع عن أمنها (السيادة والموارد) على الاستنجاد
بقوة خارجية، وعلى تصاعد الإنفاق على مشتريات السلاح.
والدولة الخليجية، وإن تماثلت مع الدول القومية الحديثة في الشكل والرموز، إلا
أنها لم تمر مثلها بمرحلة بناء المجتمع القومي.
ولذلك استمر الولاء للقبيلة وليس للدولة ـ الشعب، فالقبيلة هي اللب والحقيقة
والدولة "قشر" والدفاع عن سيادة الدولة وأراضيها ومواردها غير الدفاع عن مضارب
القبيلة. وبدلاً من بناء مجتمع قومي (لا قبلي) كقاعدة لبناء جيش وطني للدفاع عن
الدولة، كان اللجوء للمحالفة الخارجية وتكديس الأسلحة.
والدولة الخليجية، أخيراً، وإن رفعت خطاباً "عروبيا"، إلا أنها مشبعة بروح
"كتائبية جديدة" أبرزتها "إقليمية النفط". ولذلك منعت إدماج سكانها من العرب
الوافدين بقصد توسيع قاعدتها البشرية لبناء جيش وطني... وحولت الخدمة العسكرية
إلى وظيفة والدفاع عن الوطن إلى ارتزاق. وقد كشف احتلال الكويت، أنه ليس أمام
الدول الصغيرة في الخليج، إلا أن تغير أو تتغير... وقد يكون ذلك، أهم ما يتوصل
إليه هذا الكتاب.
ولذلك، كان تقسيم الكتاب إلى خمسة فصول رئيسية:
الفصل الاول: حقبة الأمن البريطاني (الدولة الصغيرة وصراع البقاء) ويعالج نشأة
الكويت كدولة صغيرة اعتمدت في بقائها وحماية أمنها على دعم قوة كبرى (بريطانيا)
في الصراع الدولي آنذاك.
الفصل الثاني: الحقبة النفطية (الأمير والديرة والغنيمة) ويناقش مسألة نشأة
مؤسسات الدولة الحديثة حول أفراد أسرة الصباح، والصيغة التي أرستها الأسرة
للمشاركة في السلطة والثروة لضمان سلمية الصراع داخلياً.
الفصل الثالث: الغزو العراقي (إلغاء الدولة).
ويسجل مشاهدات الكاتب لأحداث الغزو والهروب الكبير من الكويت كشاهد عيان.
الفصل الرابع: حقبة الأمن الامريكي (ما بعد الاحتلال).
ويتناول التصور الإستراتيجي الأمريكي الجديد في الخليج بعد عملية احتلال
الكويت، والنظام الأمني الإقليمي الجديد.
الخاتمة: معضلة الأمن والثروة.
وتبين كيف أن "الثروة النفطية" رتبت معضلة أمنية للكويت كدولة صغيرة غنية، من
حيث أدت إلى عدم اتساق بين القدرة المالية والقدرة العسكرية، ومن حيث مثلت بحد
ذاتها "إغراء" للمغامرة العسكرية، في ظل نظام إقليمي ينطوي على تقسيم حاد
لوحداته من حيث الثروة.
ولا يفوتني هنا أن أشكر للزميلة بيبي خالد المرزوق وأسرة جريدة "الأنباء" كرم
وفادتي في الكويت وإفادتي بالمعلومات والمناقشات. وكذلك صديقي الدكتور حسين
الفقير بوزارة التخطيط الكويتية.
والسيدة وفاء الرشيد بسوق الكويت للأوراق المالية. كما أعبر عن جزيل امتناني
للصديق السيد هلال الجوهري وزوجته السيدة سوسن البسيوني لعونهما غير المحدود
لي. وأقدر للزميلة الأدبية منى رجب تشجيعها لي وحرصها على ظهور هذا الكتاب.
والله الموفق
رضا هلال
القاهرة ـ الكويت 1990 |