الأمير الضاحك
نشر كموضوع غلاف للعدد رقم 287 من سوراقيا الصادرة في 13 ديسمبر 1989
من قلم :أسامة فوزي


ندر أن تغيب الابتسامة عن وجه أمير دولة الكويت جابر الصباح فعنده أن الحاكم الضاحك أو المبتسم دائماً هو دليل على الرخاء والاستقرار والذى يعم دولته وحكمه.
وتبعاً لهذه النظرية تحرص وسائل الإعلام على نشر الصور المفرحة للأمير المبتسم دائماً فى السراء والضراء وخلف ابتسامة
الأمير تختفى مشاكل الحكم فى دولة اقتطعها الانكليز من جغرافية العراق عنوة.
ويبدو خلف الرخاء المزيف أمية وبطالة مقنعة وتخلف وخلف الاستقرار المفتعل خضات أمنية وديمقراطية مخادعة وأزمة حكم تكشف المعارضة فى الخارج عنها فى منشوراتها بين الحين والآخر، وعن احتدام الخلاف بين ولى العهد سعد العبد الله والأمير الضاحك ومعارضته لتصرفات أولاد الأحمد الاعتباطية ضد الشعب الكويتى.

 الأوساط الدبلوماسية فى العاصمة الأميركانية تتحدث عن تغيرات سياسية تعد على مهل من شأنها قلب المعادلات فى الإمارة التي ما تزال تبحث عن رسم حدودها مع السعودية والعراق فما سر ابتسامة الأمير ؟ وما يجرى حقيقة فى الكويت ؟
لكي تفهم سر الابتسامة الجذابة الناعمة التي ترتسم على شفتى جابر الصباح رئيس (دولة الكويت) وأميرها المتوج منذ سنوات عليك أولاً أن تفهم سر ابتسامة (الموناليزا) للرسام العملاق ليوناردو دافنشى وهي الابتسامة التي لم يفلح فى تفسير (حلاوتها) و (غموضها) غير سيغموند فرويد اليهودى الذي وجد من استقراء التاريخ العائلى والشخصى لدافنشى أن الرسام المشهور بعد وفاة والده قد تعلق بأمه إلى درجة العشق فيما سماه بعد ذلك "بعقدة أوديب" لذا زاوج الرسام وهو يرسم ابتسامة الموناليزا بين الذكورة والأنوثة فى ملامح مدام ليزا فولدت الابتسامة الغامضة.
لكن ابتسامة جابر الصباح تختلف فى جوهرها عن ابتسامة الموناليزا لذا اتخذتها وزارة الإعلام والدعاية الكويتية وسيلة لترويج مطبوعاتها واعتمدتها رسميا بحيث لا تنشر الصحف الكويتية صورة الأمير إلا وهو يبتسم بغض النظر عن المناسبة والحدث فعندما تعرض طويل العمر لمحاولة الاغتيال إياها بالسيارة الانتحارية الملغمة خرجت صحافة الكويت فى اليوم التالى وكان الأمير قد خرج لتوه من عرس...... ولما ضربت إيران الكويت اقترنت تصريحات الأمير فى الصحافة الكويتية بصورته الضاحكة وحتى لما أنهار "سوق المناخ" كان الأمير مبتسماً وظل كذلك فى كل صورة ورسوماته التي نشرت أنذاك على هامش "الكارثة".
ومع ذلك فإنى أرى أن نظرية فرويد فى التحليل النفسانى تظل هي الأفضل فى تحليل ابتسامة الأمير، لأن النظرية تلزم من يأخذ بها ويطبقها العودة إلى الماضى للبحث عن الجذور ومحاولة الاغتيال مثلا لا يمكن فهمها إلا بالتنقيب عن الجذور خصوصا ما أشيع يومها فى صحافة لندن سامحها الله من أن ولى العهد سعد العبد الله هو الوحيد صاحب المصلحة فى وقوع المحاولة وصحافة لندن لم تكن أنذاك متجنية فى التفسير إذ يبدو أنها مثلنا وظفت نظرية سيغموند فرويد لفهم ظروف الحادث فوجدت فى إطار بحثها التاريخى أن قتل الحاكم ليس غريبا ولا جديدا على الأسرة الحاكمة فكتب التاريخ تذكر أنه فى 25 ذي القعدة أيار (مايو) 1896 أقدم الشيخ مبارك جد الحاكم الحالى على ذبح أخويه محمد الحاكم وجراح ذبح النعاج واستولى على السلطة منهما وبما أن هذا الشبل من ذاك الأسد فإن صحافة لندن أنذاك لم تستبعد احتمال أن تكون محاولة الاغتيال التي تعرض لها جابر الأحمد  من إعداد بعض شيوخ الجابر والصباح المتصارعين على السلطة وعلى رأسهم ولى العهد سعد العبد الله الذى تروى عن ظروف وملابسات تولية ولاية العهد الحكايا ولولا لطف من عند الله لخسرنا تلك الابتسامة الجذابة المرسومة على شفتى الأمير والتي يقال إن مبارك الكبير كان يمتلك مثلها أيضاً.
وإذا كانت ظروف وملابسات عملية الاغتيال لم تتكشف بعد إلا أن تفاصيل ذبح مبارك لأخويه قد نشرت دقائقها فى أكثر من مرجع تاريخى وكان الخلاف الوحيد بين المؤرخين يرجع إلى تحليل وتفسير مدى ارتباط عملية الذبح الحلال يومها بإدارة الانكليز وخططهم فى المنطقة ذلك أن المصادر التاريخية روت أنذاك أن بريطانية كانت هي المستفيد الأول من عملية الذبح التي انجزتها فرق الاغتيالات التي شكلها مبارك والتي قادها بنفسه يساعده ولده البكر جابر وتؤكد بعض المصادر التاريخية أن المخابرات البريطانية قد أسهمت بدور ما فى نجاح العملية بعدما التقت المصالح وتؤكد هذه المصادر أن السرعة التي تحرك بها الانكليز لاستغلال الحادث تدل على أن الأمر لم يكن مفاجأة لهم.
وزارة الدعاية والإعلام فى "دولة" الكويت رأت أجارها الله أن تعميم صورة الأمير الضاحك على الصحف واعتمادها بشكل رسمى وفرضها على الآخرين وتعليقها فى المحال التجارية يساعد خبراء الدعاية فيها على دحض أيه مزاعم مغرضة بوجود معارضة أو قلاقل فى "دولة" الكويت، إذ لا يعقل أن توجد مثل هذه القلاقل فى "دولة" لأميرها مثل هذه الابتسامة الجذابة الساحرة.
لكن خبراء الدعاية فى الوزارة المذكورة نسوا اجارهم الله أيضا أن الصور الضاحكة لم تمنع النهاية الحتمية للديكتاتور الفليبي نى ماركوس والتي انتهت به وبزوجته اميلدا فى مستشفى للأمراض العصبية فى جزر هاواى ذلك أن صوت المعارضة كان فى المحصلة أقوى من ابتسامة "الشيخ" ماركوس وصوت المعارضة الكويتية بدا أيضا يعلو ويطغى على الابتسامة الساحرة للأمير.
لسنا نحن الذين نزعم هذا بل قرارات الأمير الضاحك هي التي نبهتنا إلى أزمة الديمقراطية فى دولته ونخص بالذكر تلك القرارات التي أعلنت فى 3/7/1986 وحل الأمير الضاحك بموجبها مجلس الأمة وعلق مواد الدستور وقيد الحريات الصحافية وشجع زبانيتها أن يعملوا فى تجارة الشقق فى المغرب وهو موضوع دعاو قضائية بين صحيفة "السياسة" الكويتية واسبوعية "المحرر" الباريسية.
مجلة "الوحدة" التي يصدرها الكويتيون المعارضون فى الولايات المتحدة الأميركية وجدت فى موضوع لها نشرته فى عددها العاشر الصادر فى كانون الأول (ديسمبر) 1986 أن عدم تكافؤ العلاقات الاجتماعية يمثل أحد العوائق في طريق الديمقراطية الاجتماعية يمثل أحد العوائق فى طريق الديمقراطية حيث يحولها إلى شكل هش يخدم القوى المسيطرة.
وتضيف "الوحدة" أن التخلف الثقافى. ومن مظاهره مستوى الأمية العالى يجعل من الأغلبية خارج العملية السياسية ويسهل عملية انتخاب مجموعات لا تعبر عن مصالح الأغلبية وتستغل جهلها وخوفها فى تحرير سياساتها أو عرقلة المسيرة الديمقراطية إذ رأت أن ذلك يخدم هذه السياسات أضف إلى ذلك ما نراه من حالة التبعية فى المجال الاقتصادي والمالى لقوى دولية (راجع تفاصيل ذلك فى موضوع أمير الاستثمارات "سوراقيا" 256 الصادر بتاريخ 11 تموز يوليو 1988).
قمع المعارضة والمعارضين ليس شيئا جديدا فى أسرة الأمير الضاحك فقد عرض لها بالتفصيل الدكتور عبد الله النفيسى فى كتب عدة أهمها كتابة "الكويت الوجه الآخر" الذى أدي إلى قرار بإسقاط الجنسية عن المذكور ومع أن الدكتورة والشاعرة سعاد الصباح وهي للمصادفة أيضاً صاحبة ابتسامة ساحرة تحاول فى قصائدها الشعرية التي تكتبها أو تكتب لها أن توحي أن فى الكويت عراقة وأصولاً وجذورا وتاريخا إلا أن زملاء الدكتورة من الدكاترة الكويتيين يرون أو كانوا يرون غير ذلك .