| كتب : صلاح المومني |
|
نعم للأردن أولاً لكم تأخذني سكرات الوطنية هذه الأيام وانا أقرا ترويسات الصحف الأردنية وحملة الحكومة التي أخذت عنوانا جذابا يكاد يصلح يافطة تجارية، أو لربما عنواناً لفيلم سينما يجذب مخاتيرنا ورجال العباءات لصف الحكومة بعد أن خسرت (الحكومة) مصداقيتها أمامهم. في عام 1987 اقترحت على أستاذنا في قسم العلوم السياسية الدكتور( حسني الشياب) أن نقوم بزيارة لإحدى مؤسسات الدولة لنحاور بعض العاملين في الحقل السياسي، وفعلاً تم التنسيق مع مجلس الأمة آنذاك، وكان قد عاد للإنعقاد بدورته القديمة التي عطلت منذ الستينات، وكان يرأسه دولة أحمد اللوزي الذي تولى رئاسة الوزراء بعد مقتل دولةوصفي التل. لا شك ان الحديث كان كهدوء دولة أحمد اللوزي الذي طالما عرف عنه أنه يتسم بالتعقل وهدوء الحديث، وحينما فتح لنا باب الحوار مع دولته، ولأنني في حمى مجلس الأمة أحسست بحصانة خاصة، وأحسست أن النظام قد طرح عباءته على كتفي فلا أمس بسوء مهما أطلت اللسان. حينئذٍ بادرت سؤالي الذي بدا بقسوته كصخور (صخرة) بلدتي التي خرجت منها، وكان بالتأكيد ينبعث من واقع الحال حيث أن الدستور ورغم كثرة عيوبه معطل، والأحكام عرفية، ولا يستطيع أحد أن يتلفظ بكلمة ضد سياسات الحكومة، والأحزاب السياسية لم تزل مختبئة تحت الطاولة ، في تلك الظروف تجرأت وألقيت سؤالي حول الحريات والتعددية السياسية، وضرورة إعمال مواد الدستور بدل إهمالها ثم ماذا؟ يا لهول المقولة، فبعد أن أنهيت خرج دولة الرئيس عن سمته المعروف وهدوئه المألوف وقال: (سؤالك جابلي السكر يا مومني) ثم ناوله أحد الخدم حبات دواء ليتحدث دولته بعدها حول التجربة الأردنية للأحزاب في الخمسينات، ثم أعقب حديثه الطويل الذي تهجم فيه على تلك الأحزاب أصوليها وحضاريها أعقب ذلك الحديث بقوله: اعطني حزباً سياسياً ولاؤه للأدن حينئذ ستعود الأحزاب للعمل على الساحة وبكل حرية .... وكأنه يعني ( الأردن اولاً) لتأتي الحكومات بعده وعند كل أزمة بنفس المقولة (الأردن اولاً) ولعمري إن هذه المقولة تعد إحدى القبلات الدبلوماسية، ويالها من قبلة قاتلة تكاد تشبه تلك القبلات اللواتي يهدينها جميلات (الايدز) تبدو حلوة المذاق لكنها تحمل في رضابها جراثيمها القاتلة. نعم الأردن اولاً: وأريدها من منظور آخر غير الذي تتلسن به الحكومة ومن سار على نهجها من المؤسسات الإعلامية، أريد أن أفسر هذه المقولة انطلاقا من فهمنا الوطني وأتمنى ان لا نجعلها موضع مزايدة، لأن الأمر لم يعد يحتمل المزايدات. الأردن أولاً يعني حكومة وطنية من أهل البلاد، وليس كل من تسمى بالأردني أردني حتى وإن كان من أكثر العائلات عراقة وأصالة، فالأردني هو الذي يحمل هم المواطن في حقيبته الوزارية ولا يطمح لها من أجل تحسين ظروفه المعيشية الخاصة ، بالسلب والنهب وببيع ميناء العقبة وتحويل المدينة إلى سنغافورة أخرى. الأردن أولاً تعني جلب الأرصدة الشخصية لكل من شاركوا في حكومات البلاد السابقة من بنوك العالم لإنعاش الإقتصاد المنهار، فليس منهم من ورث شيئاً عن أبيه أو جده، بل كلها مسروقة من قوت الشعب الوحيد (رغيف الخبز)، الأردن اولاً بتفقد دوري لقرى الأردن التي رحلت عنها حقول القمح واستبدلت بأطباق الفضائيات ديناً وهماً فوق هم، فبعد تأمين رغيف الخبز يجوز لنا أن نسعى لإغراق البلاد بأسباب الرفاهية. الأردن أولاً في الإطار الإقليمي، أن يكون الأردن لفلسطين، ولأهلنا في فلسطين، لأن دمنا واحد وعقيدتنا واحدة ومصيرنا واحد، الأردن أولاً تعني فلسطين أولاً لأنها قضية مشتركة، وأخطأ من ظن أن الأردن منفصل عن فلسطين وخائن للأمة وللشعب ولله من يفصل بينهما بقصد. الأردن أولاً في الإطار القومي أن نكون لكل قضايانل القومية، أوليست هذه مقولات الملك حسين، أوليست الأردن نواة المملكة العربية الكبرى كما كان يشدو لنا في كل خطاب، أيجوز لنا بعد هذا أن نحرف السفينة عن مسارها؟ الأردن أولاً حينما لا تتآمر على العراق، ولا نخون قضايا الأمة، الأردن أولاً بأن ندرك أن لا نكون القاصية من الغنم، لنصبح فريسة يسهل أكلها، الأردن أولاً يكون برسم منهج سياسي قويم يضع في سلم أولوياته سياسة خارجية تنسجم مع مصلحة الأمة العربية . الأردن أولاً وفي الإطار الإسلامي العام أن نحمل هذه العقيدة لنواكب غيرنا من الأمم ، فهي مبادئ لو أحسنا حملها وتبليغها للناس لدانت لنا الأرض طوعاً لا كرهاً، الأردن في إطار رسالة سماوية لإنقاذ البشرية من وحل الإستعباد وويلات الحروب، الأردن أولافي إطار هذا المفهوم يحمل مسئولية خاصة، فملوكه حفدة سدنة البيت، وأسباط نبي الرحمة، الأردن أولاً يعني هدم أصنام الوطن والتخلص من الوثنية الحقيقية التي تهاجم معتقداتنا وأفكارنا. الأردن أولاً يكون لما كان له الأردن، صرحاً شامخاً بإيمانه ، ووطناً صلباً لا ينحني أمام أعاصير التغريب، ودولة لها ثوابتها ومنهجها الوطني والإقليمي والقومي والعقائدي، الأردن أولاً بإرساء العدالة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية في البلاد وعدم التفريط لمصلحة فئة دخيلة على الوطن لم تعرف منه إلا أنه مرتع خصب لكل لص ، أو هو واحة يستظل بها كل عابر سبيل ليحرقها وأهلها بعد أن يستظل بها وينهب ثمرها كما فعل البطيخي وزيد الرفاعي وعلي غندور وعبود سالم والجلبي وغيرهم الكثير مما لو أردت كتابة أسمائهم وأسماء ذرياتهم لما توقفت الليل كله. الأردن أولاً حقيقة أؤمن بها لا أغنية تترنم بها سميرة توفيق ولا هي لحناً شجياً لنجاة الصغيرة أو مقطوعة موسيقية لرحباني، كلا إنها تبدو أكثر أصالة في ترنيمات الحصادين في سهول إربد وأشعار مصطفى وهبي التل، الأردن أولاً في ثوب جنوب الأردن المزهر وكشفاهه الحمر البدوية ، الأردن أولاً في ترنيمة المهباش وقهوته الوفية، الأردن أولاً بصيانة قبور جعفر وأبي عبيدة وكل الشهداء ... الأردن أولاً لحن ينبغي أن يشدو به كل الأردنيين ومن كل المشارب هاتفين في وجه الحكومة (نسألكِ الرحيلَ). صلاح المومني |