* كتب : اسامة فوزي

خرج الدكتور هشام البستاني من سجن الجويدة الاردني الاسبوع قبل الماضي وجريمته انه كتب مقالا عن السجن وما يدور فيه نشرته مجلة الاداب اللبنانية التي منعت بدورها من دخول الاردن . 
لا جدال في أن رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب قد نجح في أن يدخل التاريخ الأردني ... الجانب الأسود والمظلم منه ... ففي عهده الزاهر اعتقلت وعذبت وسجنت أول سيدة أردنية كانت زميلة له في البرلمان لمجرد أنها أشارت إلى أن معاليه انتفع من قرار وزارته بمضاعفة أسعار التأمين على السيارات بخاصة وانه يمتلك شركة اليرموك للتأمين وهي الشركة التي سجلها باسم ابنته قبل أن يصدر قراره المذكور .
وفي عهده الزاهر ضوعفت أسعار الحديد والإسمنت لصالح شركة احتكارية يمتلكها أخوه .
وفي عهده الزاهر فرضت أول رقابة من نوعها على مواقع الانترنيت ومنها موقع عرب تايمز الذي لم يحجب في الاردن حتى في أسوأ العهود واسوأ الوزارات .
وفي عهده الزاهر دخل عشرات الصحفيين السجون وزنازين المخابرات .
وفي عهده الزاهر اقتحمت مدينة معان برا وجوا وهو أمر لم يحدث لأي مدينة أردنية من قبل .
وفي عهده الزاهر تعززت قبضة المخابرات على كل مرافق الحياة ... وزكمت قضايا الفساد والسرقة الأنوف ... وعومل الفلسطينيون الأردنيون كمواطنين من الدرجة الثالثة ... 
وفي عهده الزاهر اكتسب سجن " الجويدة " سمعته السيئة ... ففيه يعتقل الناس دون محاكمة ويضربون ويعذبون ويجبرون على الوقوف عراة كما خلقتني ربي أمام مدير السجن في عملية امتهان لإنسانية الإنسان واشباع لرغبات مدير السجن السادية ... وتحول فرع النساء في السجن إلى مدرسة لتخريج السحاقيات بفضل مديرته الحالية .
فضيحة سجن الجويدة سبق واشار إليها النائب السابق ليث شبيلات في رسالته الشهيرة التي كتبها من داخل أسوار السجن حين لفقت له فضيحة النفير .... وكتب في الموضوع نفسه الدكتور هشام البستاني الذي بعث برسالة مفتوحة الى الملك عبدالله انذاك نشرناها في حينه .
فيما يلي ننشر رسالة الدكتور بستاني الى الملك عبدالله .... تليها مقالته التي نشرها في مجلة الاداب اللبنانية والتي ادت الى منع دخول المجلة الاردن واعتقال الدكتور بستاني ... ثم بيان المثقفين الاردنيين حول هذا الموضوع .

 

داخل الجحيم: خمسة ايام في سجن الجويدة

بقلم: د. هشام البستاني- لجنة الحريات النقابية
عمان، الاثنين، 22/4/2002

الاعتقال: ليلة الثلاثاء 9/4/2002

 

داخل مجمع النقابات المهنية في عمان، كانت مجموعة من النقابيين تتحدث عن قنابل لغاز المسيل للدموع وآثارها على صحة الانسان وخصوصاً الاطفال الذين يتسرب الغاز الى بيوتهم داخل المناطق المكتظة، وخصوصاً في مخيمات اللاجئين حيث تلتصق البيوت المهترئة ذات اسطح الزينكو بعضها ببعض، ولا يفصل مجموعات البيوت سوى شوارع ضيقة جداً لا توفر أي تهوية تذكر.

داخل حقيبتي، كان هناك ظرف فارغ لقنبلة غاز محفور أسفله الارقام التالية "79 ". النقاش الدائر كان حول تلك الارقام (التي تمثل فيما نعتقد تاريخ الانتاج او الانتهاء لهذه القنبلة بالذات)، وعن مدى سمية الغاز المسيل للدموع او "المتعدد الاستثارات" (Multi-Irritant) عند انتهاء صلاحيته، خصوصاً انه قد وردت عدة شكاوى للمنظمات واللجان المعنية بحقوق الانسان حول استعمال هذه القنابل بشكل مستمر مما حدى بالجمعية الاردنية لحقوق المواطن ان تبعث بمذكرة لرئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب يوم 6\4\2002 جاء فيها:

"تلقت الجمعية الأردنية لحقوق المواطن بقلق كبير شكاوي عديدة حول قيام قوات الأمن باستعمال قنابل مسيلة للدموع منتهية الصلاحية منذ عدة سنوات مما تؤدي الى آثار جانبية ضارة في صحة الانسان، مما يستدعي من دولتكم الايعاز باجراء تحقيق فوري ومحاسبة المسؤول عن ذلك".

وفور خروجي من المجمع برفقة المهندس شادي مدانات، تبعنا اثنان وقاما بالنداء علي، وعندها استدرت باتجاههما، قاما بالتعريف على نفسيهما بأنهما من عناصر الامن الوقائي، وطلبا ان اعطيهما الظرف الفارغ الموجود داخل حقيبتي، وعندما رفضت، هددا باحضار "القوة"، فاخبرتهم باحضار من يرونه مناسباً، عندها ذهب احدهما وعاد ومعه شخص آخر عرف على نفسه انه "نقيب" في الامن الوقائي. طلبت هويته فاعطاني اياها، ثم طلب هو هوياتنا بالمقابل فاخذها ولم يعدها، ثم طلب تفتيش الحقيبة فاخبرته بضرورة ابراز مذكرة تفتيش، فاستهزأ بهذا الطلب، ودار عدها نقاش طويل انتهى باصطحابنا الى مركز الامن الوقائي في العبدلي حيث اخذت مني الحقيبة وفتشت واخذ منها الظرف الفارغ، وشريط فيديو عن صبرا وشاتيلا، وبعض الاوراق الخاصة.

طلب منا الادلاء بافادات مكتوبة، فرفضت ذلك الا بوجود محامي. وبعد حوالي ساعتين تم تحويلنا الى نظارة العاصمة حيث بتنا ليلتنا هناك. اثناء الانتظار في مقر الامن الوقائي احضر شخصان وتم التحقيق معهما امامنا، وكان احدهما متهماً بحرق باص اثناء مسيرة (وهي تهمة اكتشفت فيما بعد انها "كليشيه" توجه لأي شخص يعتقل من الشارع على خلفية المسيرات: "انت اللي حرقت الباص"، "انت اللي كسرت الاشارة"، "انت اللي كسرت الزجاج" …. الخ)، وتم صفعه على وجهه عدة مرات اثناء التحقيق. لقد التقيت هذا الشخص مرة اخرى في نظارة العاصمة: لقد كان وجهه عبارة عن كتلة حمراء من الانتفاخات والخطوط جراء الصفعات التي تلقاها في مخفر النصر وفي مقر الامن الوقائي كما افاد. هذا الشاب كان ماراً بجوار بيته منفرداً عندما القي القبض عليه، واخبره معتقلوه انه هو "الذي حرق الباص الذي في آخر الشارع" واشبعوه ضرباً الى ان وقع اعترافاً في المخفر. وعندما سمعته يقول للمحقق في الامن الوقائي انه اجبر على الاعتراف تحت التعذيب واخذ يريه آثار الضرب ، تلقى سلسلة من الصفعات امام عيني.

 

محكمة امن الدولة: صباح الاربعاء 10/4/2002

 

حوالي الساعة 11:30 ظهراً، تم نقلنا انا والمهندس شادي لوحدنا في سيارة سجن (زنزانة) الى ماركا، حيث فهمنا من مرافقينا من الشرطة انه قد تم تحويلنا الى محكمة امن الدولة بتهمة "اثارة شائعات من شأنها المساس بهيبة الدولة"، وهناك قام المدعي العام برفض القضية (لعدم الاختصاص او لعدم كفاية الادلة لا ندري..)، وعدنا الى نظارة العاصمة، ومن هناك حولنا الى محافظ العاصمة الذي قرر توقيفنا اداريا ورحلنا الى سجن الجويدة.

 

حفلة الاستقبال - سجن الجويدة: مساء الاربعاء 10/4/2002

 

كنا ستة اشخاص في سيارة السجن: اربعة موقوفين ادارياً على خلفية المسيرات (وهم: سائق تكسي، اثنان من اصحاب المحلات، وصديق لواحد منهم صدف ان كان معه لحظة اعتقاله)، واثنان (انا وشادي) موقوفان ادارياً على خلفية ما ذكر اعلاه.

وصلنا الجويدة، وعند النزول يدخل كل ثلاثة معاً الى غرفة يوجد بها شرطي، حيث تقوم بخلع ملابسك بشكل كامل وتبقى عارياً كما اوجدتك الطبيعة، وتؤمر ان تشبك يديك فوق رأسك وتقوم بالنزول والصعود عمودياً ربما لثلاثين مرة متتالية، اثناء هذا التمرين قام الشرطي الموجود بضرب احد اصحاب المحلات عدة مرات بقدمه، ثم امره ان ينحني ويقبل الارض، وهو ما فعله تحت تأثير الخوف والضرب.

بعد ذلك اخذنا الى داخل السجن حيث استقبلنا شرطي بقوله: "انتم تبعين مسيرات…آه… هسه (الآن) بتشوفوا"، وتم اصطحابنا الى داخل غرفة امرنا فيها بخلع ملابسنا مرة اخرى، وعندها تقدم شرطي يحمل بيده "كيبلاً كهربائياً" مربوطاً بشريط لاصق، وقام جلد الموجودين واحداً واحداً على الأيدي والجسم لمدة دقيقة تقريباً لكل شخص وذلك بعد سؤالهم عن التهمة الموجه لهم، فاذا كان الجواب: "مسيرات"، يتلقى بعدها الشخص المعني سيلاً من الضربات. اما انا فقد استثنيت من الضرب بعد ان شرحت له طبيعة التهمة المتعلقة بي.

بعد ذلك ينتقل الجميع لتسلم ملابس السجن، حيث ضرب الاربعة اثناء ذلك، كما وضربوا اثناء حلاقة الشعر والتقاط ملابس السجن المكومة على الارض.

بعد ذلك اخذنا الى الساحة الخارجية وأوقفنا بجوار بعضنا البعض، ووضعنا انا وشادي في زاوية جانبية، في حين قام ضابط يحمل نجمة واحدة على كتفه بضرب الاربعة الباقين بشدة وكيفما اتفق بواسطة هراوة بلاستيكية لمدة خمس دقائق، ثم حضر شرطي خر يحمل كيبلاً وشارك في الضرب، وكان هذا بحضور طبيب السجن الذي جلس يراقب على كنبة قريبة.

بعد ذلك امرنا بالتوجه الى المهجع برفقة ثلاثة من الشرطة مع توصية من الضابط "بالاعتناء بنا جيداً"، وفي منتصف الطريق، نحينا جانباً انا وشادي، وقام رجال الشرطة الثلاثة بممارسة تمرين كراتيه او تايكاوندو مع حركات طائرة وضربات بالاقدام والايدي على المعتقلين الاربعة الاخرين مع تركيز خاص على رؤوسهم، ومن ثم استمر المسير الى ان وصلنا الى باب الغرفة التي سنحتجز فيها (غرفة 18 مهجع د) حيث صففنا واحداً بجانب الآخر وتلقى كل واحد منا السته صفعتين ترحيبيتين، وامرنا بدخول الغرفة.

 

معتقل ام مشرحة : الخميس 11/4/2002 - الاحد 14/4/2002

 

نمنا ليلة الاربعاء كيفما اتفق، واستيقظنا صباح الخميس في الخامسة صباحاً للعد اليومي، كان في الغرفة 61 معتقلا منهم حوالي 8 لهم قضايا في محكمة امن الدولة، والباقي معتقلين اداريين، وقد ارتفع هذا العدد مساء السبت 13/4/2002 الى 68 معتقلا. لم يكن هناك متسع للجميع، فكان معظم النزلاء يتشاركون كل اثنين على سرير واحد، الرطوبة عالية (الغرفة اخفض من مستوى الارض)، السقف يدلف، والبرد شديد.

نودي على السجناء الستة الجدد، فخرجنا الى الساحة العليا، حيث ارجعنا انا والمهندس شادي، وبعد نصف ساعة عاد الاربعة الاخرين ووجوههم شديدة الحمرة حيث علمنا انه قد تم ضربهم مرة اخرى.

بدأت بالتعرف على السجناء وقصصهم واصاباتهم:

جميعهم موجودون منذ ما يقارب الاسبوع في الجويدة، كانوا قبلها معتقلين في نظارات النصر، الاشرفيه، المهاجرين، الشميساني… الخ. عند اعتقالهم كان: احدهم كان يسير مع امه واخته في رأس العين، وآخر كان خارجاً في التاسعة مساءاً ليشتري لوازم البيت بالبيجاما من السوبرماركت القريب في حي نزال، آخر كان متجهاً بسيارته ليصلى مع اصدقائه في الجامع القريب، وآخر كان يوصي بطعام لقارب زوجته الموجودين معها في المستشفى وهي في آخر لحظات الولادة، ,آخر كان داخل محله لتجاري، وآخر كان يهم باغلاق محله التجاري في الوحدات، آخر كان راكباً في سيارة تاكسي، وآخر كان هو سائق التكسي....

الاعمار:18- 27 سنة. شباب عاديون جداً، لا يحملون أي توجهات سياسية او فكر سياسي ما، بعضهم شارك في مسيرة او اثنتين، واغلبهم لم يشارك في مسيرة في حياته. الجميع روى نفس القصة مع اختلاف التفاصيل: ثلاثة او اربعة يهجمون عليه في الشارع العام ويبدؤون بسبه وضربه، ثم يوضع في سيارة تنقله الى مركز الامن مع ضربه داخل السيارة ايضا.ً في المخفر يوضع في غرفة ويتم ضربه بشكل مبرحجداً الهراواتوالاحزمة والايدي والارجل: احدهم ضربه لوحده اربعة عشر شرطياً الى ان غشي عليه، واحدهم قال انه استقبل مع من كان معه في مخفر المهاجرين بحوالي ثلاثين من قوات مكافحة الشغب بكامل عدتهم (دروع وهروات وخوذ)، كانوا مصطفين واحداً بجانب الاخر على جهتي الممر المؤدي الى مدخل المخفر حيث تلقوا من الضرب ما يشبع.

 

الاصابات:

 

خلافاً للرضوض والكدمات واثار الجلد بالكيبلات والبرابيش التي حملها جميع من كانوا داخل المهجع، لفت نظري عدة اصابات متميزة شاهدتها بعيني:

1. شاب يوجد على جبهته اليمنى باتجاه الرأس جرحاً قطعياً غائراً بطول 8 سم نتيجة ارتطامه بجسم حاد اثناء ضربه.


2. شاب في كفه الايسر جرح عميق جراء غرز سن الحزام الخاص به في يده الى منتصفها.


3. شاب يحمل اثر بسطار على الجهة اليسرى من الوجه نتيجة دعس شرطي على وجهه لحوالي نصف ساعة، وهي المدة التي استغرقها الطريق من مكان الاعتقال الى المخفر المعني.


4. شاب عينه اليسرى يتجمع فيها الدم بشكل ظاهر نتيجة ضربه بالحزام عليها، حيث اخبرني انها كانت منتفخة بحجم تفاحة صغيرة.


5. شاب فقد السمع في الأذن اليمنى نتيجة ضربه عليها بالحزام.

كما ابلغنا بوقائع اجبر فيها اشخاص على لعق بساطير افراد الشرطة.

اما في داخل الجويدة فقد ابلغنا الموجودون، بان حفل استقبالهم تضمن الحشر في غرفة لمدة ساعة ونصف تحت الضرب الشديد الى الدرجة التي اصطبغت فيها حيطان الغرفة بالدم، والوقوف على قدم واحدة ورفع الاخرى مع الجلد، الركض عرايا تحت المطر لمدة ساعة مع الجلد ... الى درجة انهم نقلوا حملا الى غرفة السجن.

مساء الجمعة ومساء السبت احضر معتقلين جدد (اربعة وثلاثة على التوالي)، وتلقوا وابلا من الصفعات والضربات امام جميع الموقوفين في المهجع، وقد علمت انه قد تم ضربهم ايضاً في الخارج.

ومساء الجمعة ايضا جاء مساعد مدير السجن للزيارة، وسألنا: "هل تعرض احدكم للضرب داخل سجن الجويدة"، فلم يجب احدا، وسأل مرة اخرى طالباً ان يبلغ احدهم عن ضربه داخل السجن، فقام شاب صغير سناً وحجماً برفع يده، فاحضر الى منطقة الامامية واشبع ضرباً بواسطة شرطي امام مساعد المدير حتى قال انه لم يضرب داخل الجويدة ابداً!

وهناك الكثير جدا من الامثلة لما يحدث داخل الجويدة من انتهاكات وتجاوزات قد تبدو صغيرة وتافهة امام ما ذكر اعلاه، ولكن الملاحظ انه كانت توجد نية واضحة لتخويف، بل ارعاب، هولاء الشباب. كان هناك جوا من الرعب المطلق يحيط بالمكان: ادنى صوت خارج الغرفة كان يؤدي مباشرة الى اصطفاف في وضعية الانتباه، الحديث الاعتيادي اليومي كان عن مدى تحسن الاصابات، وعن "الشرطي الارحم" ومت تأتي مناوبته، والدعوة المستمرة بعدم خروج مسيرات ليوفروا على انفسهم "حفلات استقبال" جديدة.

لقد افرج عني يوم الاحد 14/4/2002 الساعة 12:30 ظهرا بكفالة مقدارها 10,000 دينار اردني، كما افرج عن المهندس شادي مدانات في اليوم التالي بكفالة مشابهة. البعض من زملائنا في الغرفة 18 افرج عنهم، البعض الاخر لا يزال قيد الاعتقال، والبعض لا يملك رسوم الكفالة حتى لو تقرر الافراج عنه، ولكن العديدين ما يزالون معتقلين في ظل هذه الاجواء اللانسانية، يعيشون كل يوم تحت رعب الضرب والاهانة.

المسألة الاخرى هي: اننا لا يمكن ان نفهم قضية اعتقالنا (انا والمهندس شادي) في اطار الاعتقالات العشوائية العادية، بل يجب ان نفهم انها تأتي كرسالة تهديد وتحذير لكل اولئك العاملين في مجال قضايا الحريات وحقوق الانسان، وان "عدم التسامح" الحكومي لم يعد مقتصرا على الانشطة السياسية والنشطاء السياسيين، بل اصبح يشمل بشكل اوسع جميع القضايا الاخرى خاصة تلك المتعلقة بالحريات وحقوق الانسان.

من اجل اردن حر وديمقراطي: ماذا تفعل؟

اكتب رسالة احتجاج تتضمن النقاط التالية:

-استنكار وادانة اعتقال نشطاء الحريات وحقوق الانسان في الاردن.
-المطالبة بالافراج الفوري غير المشروط عن معتقلي المسيرات في الاردن.
-استنكار وادانة الاوضاع اللاانسانية لمعتقلي المسيرات في المخافر وسجن الجويدة 
والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الاوضاع

اما مقال الدكتور هشام البستاني في مجلة الاداب عن التعذيب في السجون الاردنية والذي تسبب بمنع دخول المجلة الى الاردن واعتقال كاتب المقال .... فهذا هو نصه الحرفي :
آليات القمع والانتهاك
معتقلي المسيرات في سجن الجويدة نموذجاً

مدخل : السجن، تحديد الحرية، سلب الإرادة

 

السجن في الأصل هو تحديد لحرية شخص مدان بجريمة تحتويها نصوص القانون، بعد محاكمته محاكمة نزيهة تتوفر فيها شروط العدالة ويتوفر للمتهم فيها حق الدفاع عن نفسه . وبقدر ما في السجن من تحديد لحرية الشخص، فإن ذلك ينبغي أن يوازيه حفاظٌ على ذلك الشخص جسدياً ومعنوياً، بل وتطوير له بإكسابه مهارات ومهن وتعليم لم تكن متوفرة له أو لم توفر له الظروف أن يكتسبها .

إن انتهاك السجين مادياً ومعنوياً هي مسألة لا تدخل أصلاً في مفهوم "تحديد الحرية"، ناهيك عن تناقضها الكامل مع فكرة "الإصلاح والتأهيل" التي تطلقها السجون على نفسها في الأردن(1)، وهي تأتي في سياق أعمق وأخطر هو سلب الإرادة، وهي طبعاً مسألة مختلفة تماماً عن تحديد الحرية.

إن أول جملة توجه إليك من شاويش المهجع(2) عند استقباله لك في غرفة السجن هي:"أنت الآن في وضع جديد، أنت في السجن، وفي السجن أنت مسلوب الإرادة". وباستطاعتي أن أجزم، بناءا على تجربتي الشخصية، أن الفكرة التي يقوم عليها سجن الجويدة [على الأقل]، في تعامله مع سجناء الرأي والسجناء السياسيين(3) [على الأقل]، هي فكرة سلب الإرادة لا تحديد الحرية .

تحديد الحرية هي مسألة موضوعية، تتمثل مادياً بحرمان السجين خارجياً من تعبيرات الحرية: الحرمان من حرية التنقل خارج حدود السجن، الحرمان من حرية التواصل مع العالم الخارجي (بفرض نظام صارم للزيارات)، الحرمان من حرية اللباس (بفرض زي موحد على الموقوفين)، الحرمان من حرية اختيار الطعام (بفرض نظام وجبات إجباري). وهذه كلها مسائل لا تتعلق بذات السجين أو الموقوف، أي: قيمة الفكرية، معتقداته الدينية، تقاليده الاجتماعية، تركيبته السيكولوجية، مظهره الجسدي، معنوياته، شرفه (بالمفهوم الاجتماعي)، وكرامته (بالمفهوم الإنساني) .

سلب الإرادة هي مسألة أخرى تماماً، تتعلق بذات الموقوف أو السجين بالتحديد، وتتمثل مادياً بالاعتداء على الفرد (أو المجتمع) من خلال خلخلة نواظمه وآلياته الاجتماعية/التاريخية/الفكرية/النفسية، مما يجعلها انتهاكاً صارخاً لإنسانية ذلك الفرد (أو المجتمع)، وتدخل في إطار تحطيمه تمهيداً لإخضاعه الكامل لمنظومة علاقات استلابية يتحول فيها الفرد/المجتمع من "إنسان ذو إرادة" إلى "عبد مطيع" أو "أداة مبرمجة".

وهكذا، فإن "الإصلاح والتأهيل" المزعومين، يتحولان في إطار الانتهاك وسلب الإرادة إلى "إفساد وتدمير": إفساد للنمط التقليدي و/أو المتعارف عليه من قيم وأخلاق ناظمة للفرد/المجتمع، وتدمير للبنى السيكولوجية/الاجتماعية التي بدونها لا يغدو الإنسان إنساناً، بل يصبح كائناً بيولوجياً محايداً (بدون كرامة، بدون إرادة).

إن هذه الآليات هي ما استعملته وتستعمله الإمبرياليات في اختراق وتدمير دول ومجتمعات الأطراف في سياق إلحاقها الكامل بالرأسمالية الإمبريالية في طورها العولمي، سواءاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال أدواتها التنفيذية الضاربة (أي المنظمات الممولة أجنبياً). كما يستعمل الكيان الصهيوني هذه الآليات في اختراق وتفتيت المحيط العربي في سياق تحويله إلى مجال حيوي مفرغٍ له عن طريق الإخضاع الاقتصادي/الاجتماعي (مناطق صناعية مؤهلة، منافذ سلعية، خلق قطاعات عمالية واسعة تعتمد اقتصاديا على الكيان… الخ). كما تستعمله الأنظمة القمعية العالمثالثية (ومن ضمنها العربية) في سياق إعادة إنتاج القمع والاستلاب محلياً على مستويات مختلفة يتناظر فيها القامع والمقموع في تبادلية عجيبة للأدوار بحسب العلاقة أعلى/أدنى (القامع للأدنى منه مقموع من الأعلى منه وهكذا...).

وتأسيساً على ما سبق، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم آليات عمل سجن الجويدة الاستلابية، من دون أن نفهم القانون العام لحركة الإمبريالية وآلياتها في وقتنا الحالي، ودون أن نفهم البيئة التي هيئتها الحكومة الأردنية لكي تدخل هذه الآليات إلى حيز التنفيذ عبر إقرارها لقوانين سالبة للحريات والإرادة معاً(4)، ولا أتحدث عن القوانين التي تتعلق بالحريات العامة فقط، وإنما أيضاً عن حزمة القوانين الاقتصادية التي زادت من الضرائب والرسوم، ورفعت الأسعار، وحولت الأردن إلى مجموعة من البانتوستانات التي تتمتع بحكم ذاتي تحت مسمى: "مناطق اقتصادية خاصة".

عودة إلى سجن الجويدة.

لا بد من توضيح بداية أن سجن الجويدة هذا هو سجن للموقوفين وليس للمحكومين، أي أن نزلاء هذا السجن ليسوا بأي حال من الأحوال "مجرمين مدانين" أو مذنبين ثبتت عليهم "الخطيئة" أمام محكمة نظامية عادلة. فهؤلاء النزلاء هم إما موقوفون إداريون بأمر من المحافظ الذي يملك سلطات إيقاف واسعة في العديد من القضايا، وإما موقوفون على ذمة قضايا ما تزال مدار بحث ونظر أمام المحاكم .

كما أود أن أشير أن هذا البحث يدور تحديداً حول ظروف اعتقال موقوفي رأي، اعتقلوا بناءاً على مشاركتهم في أنشطة داعمة للانتفاضة( مسيرات، مظاهرات… الخ)، أو الاشتباه بمشاركتهم في هكذا أنشطة.

وبناءاً على ما سبق (انعدام الإدانة، والطبيعة السياسية لسبب الإيقاف)، فيفترض أن يكتسب التعامل مع هؤلاء (أخلاقياً وسيكولوجياً على الأقل) وضعاً مخففاً وأكثر إنسانية. ولكن في عالمٍ يمتطيه دبليو بوش ويسوقه كقطيع من البقر، وتتحول فيه الأنظمة إلى مجرد أدوات تنفيذية للإرادة الإلهية الأمريكية، فهيهات أن توجد اعتبارات إنسانية.

فمنذ أن يدخل النزيل السياسي ضمن الفئة المشار إليها أعلاه، والى أن يخرج، يتعرض لسلسلة من الانتهاكات التي تستهدف ذاته مباشرة، في محاولة لسلب إرادته وتالياً إنسانيته، في سياق تحويله إلى أداة طيعة في يد سجانيه بعد أن يصبح "عارياً" تماماً أمامهم (والعري هنا هو العري/الاجتماعي/السيكولوجي)، بحيث يصبح هدفاً سهلاً للابتزاز النفسي الذي لا يتوقف.

وتالياً تفصيل لهذه السلسلة الانتهاكية.

الانتهاك الأول: انتهاك الكرامة الإنسانية بالتعري العلني الجماعي

للجسد قداسة نفسية على الأقل، هذه مسألة بديهية تتعلق بوعي الإنسان لنفسه ووجوده، وانتهاك الجسد في العرف الاجتماعي العربي على أقل تقدير يدخل في باب"العار" الذي لا يغسل إلا بالدم، والذي يستوجب الانتقام بأشد ما يمكن من الوسائل .

وانتهاك الجسد في حالة العجز والخضوع وانعدام سبل المقاومة يأتي من باب"كسر العين" والإخضاع النفسي، وكثيراً ما نسمع الزوج الشوفيني العربي يتبجح بأنه "كسر عين زوجته" عبر إخضاعها لانتهاكات جنسية/جسدية، لا تعود بعدها قادرة عن النظر"في عين" زوجها الصنديد.

إن أول ما يخضع له النزيل في الجويدة هو طقس يقع في هذا السياق.

يدخل كل ثلاثة إلى غرفة صغيرة ويؤمروا بخلع ملابسهم بشكل كامل فيما عدا "الكلسون" الذي يجب أن يُنزل إلى مستوى الركبتين، ويتم ذلك أمام أحد السجانين، وأمام بعضهم البعض. كما لا يوجد أي مانع من أن يدخل الشرطي المرافق لسيارة السجن إلى هذه الغرفة وأن ينظر إلى كرنفال العري هذا الذي يكتمل باستعراض شبه راقص: اليدان مشبوكتان فوق الرأس، النزول والصعود بشكل عمودي بثني الركبتين ومدهما.

في هذا الطقس الإنتهاكي، لم أستغرب أن يرتفع الشبق السادي بالحارس وهو"يكسر عين" هؤلاء الذين قابلهم للتو بكشف عوراتهم جماعياً، إلى الدرجة التي يقوم فيها بضرب أحد الموقوفين الذين كانوا في الغرفة بقدمه عدة "شلاليط"، بل تمادى إلى الحد الذي أمره فيه بالركوع عارياً وتقبيل الأرض "من أجل جلالة الملك"، وهي حيلة نفسية ذكية من قبل الحارس نأى بنفسه فيها عن التحول إلى هدف عميق لكراهية الشاب التي أحالها إلى "مراجع عليا"، وهي آلية تستعمل على أكثر من صعيد وبأكثر من شكل في الحياة السياسية الأردنية.

هذا العري سيتكرر مرة أخرى (بصورة أخف وألطف) عند تسليم الملابس العادية وأخذ ملابس السجن، حيث سيضطر الجميع (وليس ثلاثة فقط) إلى خلع الملابس فيما عدا الملابس الداخلية أمام بعضهم البعض، وأمام عدد كبير من السجانين، وتسليمها لأحدهم، والبحث عن بنطلون أزرق و"بلوزة" شبيهة في كومة من الملابس الممزقة الوسخة المرمية على الأرض.

الانتهاك الثاني: انتهاك الكرامة الإنسانية بالشتائم المقذعة

للأم والأخت خصوصية سيكولوجية لا تبارى في التكوين السيكولوجي للفرد العربي. وعامل "الشرف" و"الغيرة على العرض" متأصلة بشكل كبير إلى الحد الذي يجعل من تحطيم هذه الخصوصية وهتكها مدخلاً للإخضاع والكسر النفسي"للعين".

وهكذا، تعاجلك شتائم من طراز: "كذا أمك..."، "كذا أختك..."، وشتائم أخرى مبتكرة تربط بين كسر الإشارات الضوئية والمبلغ الذي تحصله أم الموقوف من أعمال البغاء...الخ، بل إن مساعد مدير السجن في إحدى زياراته، لم يجد غضاضة من السؤال عن الشخص "الذي كانت أمه بتردح أثناء الزيارة"، بعد أن تبينت المسكينة من خلال الثقوب الصغيرة لشبك الزيارة ملامح ابنها المشوهة من فرط التعذيب، وهو سؤال أذكر أن أحداً لم ينبس ببنت شفة في مواجهته، بينما لو ذكر في موقف آخر لكان قد استدعى عراكاً عنيفاً على الأقل...

طبعاً يضطر الجميع إلى "ابتلاع" الشتائم بمرارة شديدة، وربما سيتحولون بمرور الوقت إلى"مْطَعّمين" (تلفظ بتسكين الميم، فتح الطاء وتشديد العين وفتحها)! و"مطعمين" هذه هي لفظة متداولة في أوساط الزعران مفادها أن الشخص المعني تسبّ أمه وأخته بأقذع الألفاظ دون أن يرف له جفن، بل يعتبر عاراً في مجتمع الزعران أن يكون الفرد غير "مطعّم" (أي أن يستاء من هذه الألفاظ التي تمس الشرف).

وعليه، فإن المطلوب في السجن هو إنتاج أفرادٍ "مطعمين"، لا على مستوى الشرف والعرض فحسب، بل على المستوى الاجتماعي/الاقتصادي كذلك. هؤلاء "المطعمين" الذين سيصبحون متحللين بشكل أو بآخر من عبء "الشرف" و"العرض" بالمفهوم الاجتماعي، وسيتحولون إلى "مطعمين" سياسياً ووطنياً من نفس الباب.

الانتهاك الثالث: انتهاك الكرامة الإنسانية بحلق الشعر

ليس شمشون وحده هو من يفقد قوته عندما يحلق شعره، والرمزية التي يحملها فعل حلق الشعر تتجاوز ظاهر الفعل إلى باطنٍ أعمق .

حلق الشعر هو انتهاك جسدي/نفسي صارخ، من ناحية أنها تعرية للرأس تماماً، وهو فعل فاحش إذا ما استندنا إلى الموروث الاجتماعي العربي الذي يعتبر الرأس السافر عيباً سواءاً للرجل أو المرأة، فالمرأة تضع "العصبة" والرجل يلبس "الشماغ" أو الطربوش، فنرى في هذا السياق إحدى شخصيات رواية "سلطانة" لغالب هلسا تنتقد أبناء القرية الذين اصبحوا موظفين في عمان بأن الله "سخطهم، ماشيين في أسواق عمان مفاريع [أي برأس مكشوف] من غير حطة وعقال، وراس الواحد مثل راس الحمار"(5). 

والحلق هو فعل إهانة وإخضاع، وبالإمكان الاستدلال على الإهانة المتأتية من موضوع الحلق إذا ما نظرنا إلى العبارة المتداولة: "احلق"، التي تستعمل في سياق طرد شخص ما غير مرغوب فيه بطريقة مهينة، و"احلق له" التي تحمل معاني الاستبعاد والإقصاء والفوقية.

من جهة أخرى يعتبر الحلق (قص الشعر) ختاناً رمزياً لإدخال الفرد إلى قمعية المجتمع الجديد، وهو هنا السجن. والختان طقس يهودي في الأصل، يستدعي قص لحم الغرلة من أجل الدخول/التماهي الرمزي في المنظومة الاجتماعية الجمعية والخضوع لتقاليدها من خلال تقديم قربان دموي رمزي للرب "ففي الميثاق أو العهد بين يهوه وبين أبرام [إبراهيم]، طلب يهوه من أبرام أن يختتن وكل الذكور في بيته إشارة لذلك العهد. وهذا شرطه ليكون إلها لابرام…إن دم الاختتان هو الذي يمهر العهد او الميثاق بين يهوه وبين بني إسرائيل، لأن قطع العهد في العصور القديمة كان يتطلب إسالة الدم.."(6). هذا القص يتكرر هنا رمزياً لإخضاع السجين وإفقاده إحدى أهم خصوصياته الجسدية الظاهرة.

وحلاقة الشعر في الجويدة ليست لها علاقة بالنظافة على الإطلاق، حيث تتم الحلاقة جماعياً وبآلة لا تنظف ولا تعقم بين واحد وآخر، وتتم بصورة عشوائية غير منتظمة وهو أمر يجعل من الرأس"مرقعاً" بكتل مختلفة الطول من الشعر الغير متناسق إمعاناً في الإهانة. وما يزيد من تأكيد قصدية الإهانة هو أن الموقوف/السجين يسمح له بعد فترة بالذهاب إلى الحلاق لتشذيب الخريطة المرسومة على رأسه، ويسمح له فيما بعد بإطالة شعره، وإذا ما فعل ما يستدعي العقاب من السجانين، فإنهم يقومون بحلق شعره مرة أخرى وبالطريقة ذاتها كإحدى العقوبات العديدة التي عادة ما تصل إلى حدود "الشبح" و"التعليق على السياج" مع الجلد لفترات طويلة.

الانتهاك الرابع : انتهاك الكرامة الإنسانية بالضرب والتعذيب الجسدي

تحرم مواثيق حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة الضرب والتعذيب، وتعتبره أقصى ما يمكن أن يتعرض له الإنسان من امتهان وابتذال، وكثيرة هي الأبحاث والدراسات التي تناولت الأبعاد النفسية والاجتماعية لممارسي هذه النذالة، ولأولئك الممارسة عليهم(7).

التعذيب أشد من القتل. فالعنف المتأتي من إيقاع الأذى المبرمج بإنسان آخر بقصد إيلامه وإهانته لمدة طويلة لا شك يختلف عن العنف المتأتي عن إنهاء حياة إنسان آخر. العنف الأول هو عنف يتقصد الإيلام والأذى الجسدي النفسي، وهو عنف طويل المدى، وذو آثار لا تنتهي بالنسبة للضحية، فيما العنف الثاني (القتل) هو عنف يتقصد إزهاق الحياة، وهو قصير المدى، وتنتهي آثاره بسرعة بالنسبة للضحية.

في الجويدة، هناك مستويات متعددة من التعذيب الجسدي المباشر، وهي مستويات مبرمجة لتحطيم إنسانية الموقوفين على دفعات متقاربة أشبه ما يكون بصدمات كهربائية متتالية تزداد شدة .

فمن "شلاليط" العسكري المسؤول عن تعرية الموقوفين، ينتقل الموقوف إلى جلد بالكيبل الكهربائي على اليدين والقدمين داخل غرفة استلام ملابس السجن، وهو جلد شبيه بالضرب التقليدي لأستاذ المدرسة، وإمعاناً في الإهانة يكون الضرب أمام الجميع، وواحداً وراء الثاني (لزيادة الأثر النفسي لجرعة التعذيب)، وبالملابس الداخلية.

الجرعة الثالثة تكون في الساحة الخارجية (أي أمام جميع السجن)، وهذه المرة بحضور طبيب السجن الذي يجلس مستمتعاً بالتعذيب القائم به هذه المرة ضابط برتبة ملازم أول وباستعمال عصا ينهال بها على الموقوفين وهو يكيل إليهم في ذات الوقت شتائم مقذعة.

الجولة الرابعة في الطريق إلى الغرفة، حيث مارس ثلاثة من السجانين مهاراتهم القتالية على الموقوفين لمدة عشر دقائق، وأخيراً داخل غرفة السجن (أي أمام زملاء المهجع)، وهذه ربما تكون أهم فقرة وأكثرها تأثيراً حيث يصف الموقوفون ويتلقون ما تيسر من الصفعات.

والصفعة بحد ذاتها تحمل من الإهانة ما لا تحمله طرق الضرب الأخرى، وهي عندما تمارس أمام زملاء المهجع، فالقصد منها شيئان:

الأول: الإهدار العلني والنهائي لكرامة الفرد أمام زملائه من المنتهكين، إعلاناً بتكريسه رسمياً كمنتهك وعلى رؤوس الأشهاد.

الثاني: تذكير الآخرين (نزلاء الغرفة) باستمرار بأنهم هم أنفسهم منتهكون، وبأن ذاكرتهم لا ينبغي لها التوقف عن استرجاع"انتهاكهم" السابق كحدث متواصل، وتحضيرهم للخضوع لانتهاكات قادمة.

نمط آخر من التعذيب هو ذلك الذي يستبطن"كسر العين" الذي تحدثت عنه سابقاً، ويتعلق بـ"التعليم" على الخصم في لغة الزعران الدارجة، أي أن يقوم أحدهم بإيذاء آخر بصورة تترك أثراً واضحاً لا يمحى (يعلّم عليه لفترة طويلة وقد تبقى أبد العمر). وهذه الطريقة تحمل إذلالاً يقصد به الاستمرارية والثبات، ومن هذا الباب يدخل قيام أحد أفراد الشرطة بإدخال سن حزام شاب في راحة يده مما أحدث ثقباً فيها وعلامة لن تزول، ويدخل أيضاً قيام أحد أفراد الشرطة بالوقوف فوق وجه أحد الموقوفين لمدة نصف ساعة كما قدرها هذا الأخير مما ترك علامة بسطار واضحة على وجهه، ويدخل أيضا الجلد باستعمال الكوابل الكهربائية والبرابيش، حيث تترك علامات طولية مميزة على جلد المعتدى عليه، وقد لا تذهب أبداً(8) .

الانتهاك الخامس : انتهاك الكرامة الإنسانية بالتعذيب النفسي

في الغالب يتبنى المقموع سيكولوجية مازوخية تجاه القامع، وهذه السيكولوجية يجب أن تبقى متحفزة على الدوام ومستنفرة وحاضرة مباشرةً في "الشعور" -لا مستبطنة في"اللاشعور"-، لأن الاستهداف المنظم لـ"اللاشعور" هو آلية تعنى بقمع الجماعات على المدى الطويل، ولا تكون مؤثرة في حالات الإخضاع المستعجل للأفراد.

في هذا الباب، يكون ضرب أي موقوف جديد، وباستعمال "الكفوف" تحديداً كما أشرت سابقاً، هو أحد آليات الإخضاع النفسي لبقية الموقوفين، ويكون التهديد المستمر بإقامة "حفلة ليلية" (الركض ليلاً في الساحة لمدة ساعتين مع الضرب) حاضراً -حتى وان لم يهدد أحد به ذلك اليوم- عن طريق الدعاء المستمر بعدم إقامة "حفلة"، والسؤال الحثيث عن السجانين المناوبين تلك الليلة(9)، والصراخ بأعلى صوت باللازمة المقررة عند دخول أي سجان: "كيف المعنوية؟ عالية! نار تقدح في الميدان، أبو حسين نور العين، عاش عاش أبو حسين"(10)، والانصياع بوعي كامل لأوامر وكيل كان يقفز عند دخوله فوق الأسرة "الطابق الثاني" وهو يحمل بربيشاً مطاطياً، ويطلب من نزلاء الغرفة غناء: "يا شارة المرور، يا درب السلامة" وهو يبتسم بسخرية، في حين يقوم نزلاء الغرفة (وبينهم طبيب، ومهندسان، وثلاثة مبرمجي كمبيوتر، ومدرسين، وطلاب جامعات، وطلبة ثانوية عامة، ورجال فوق الأربعين من العمر) بترديد أغنية رياض الأطفال هذه.

وليس من قبيل الصدفة أن يقوم مساعد مدير سجن الجويدة بالسؤال عن "من تعرض للضرب" من الموقوفين في سجن الجويدة بطريقة أقرب ما تكون إلى العطف الأبوي، ليصدق أحد الأغرار سؤاله ويجيبه: "أنا"، وهو ما استدعى ضربه عدة صفعات متتالية(11) لإيصال رسالة مفادها: إن التعذيب الجسدي/النفسي هذا هو تعذيب مبرمج ومقصود، وعلى أعلى المستويات، وإن مجرد الاعتقاد بحصانة الالتجاء إلى مراجع أعلى للتظلم عندها هو محض وهم قاتل، يماثله في الأثر المعنوي الإيهام بعبثية اللجوء إلى منظمات حقوق الإنسان التي كان يستهزأ بها مساعد مدير السجن أمام النزلاء إمعاناً في التدمير النفسي.

يجب أن يكون الخوف هو سيد الموقف تماماً في الجويدة، وهو خوف لا ينبع من آلية حماية ذاتية نفسية، بل مبرمج من أجل الإخضاع والتعذيب، خوف يحوّل "وكيل" يحمل بربيشاً إلى إلهٍ لا رادّ لأوامره. هذا الإرهاب النفسي والخوف لا بد وأن ينعكس فزيولوجياً بسبب قلة الراحة و"التحفيز" المبالغ فيه والمستمر للجهاز العصبي، فأقل جلبة خارج غرفة السجن كانت تستدعي الوقوف في وضعية التفتيش على جوانب الأسرة، واصغر إشاعة عن مسيرة أو مظاهرة كانت تستدعي توتراً لا مثيل له في الغرفة انتظاراً لجولة ضرب وإهانات.

إن عبارة كرمويل الشهيرة: "تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهونني، ولكن ما أهمية ذلك إن كان العاشر وحده مسلحا" تستعاد في الجويدة بشكل دائم، فالعاشر المسلح هذا لن يصمد ثلاث دقائق أمام تسعة مهاجمين، ولكن الخوف والإرهاب النفسي هو ما سيجعل أولئك التسعة "مضبوعين" وتحت الأوامر. كل هذا كان لابد أن يؤدي بأحد الصبية من نزلاء الغرفة إلى أن يقع مغشياً عليه بمجرد أن اعتلى الوكيل/الإله أحد الأسرة حاملاً بربيشه الرعدي وهو يطلب أغنيته المفضلة من كورس المقموعين.

خاتمة واستنتاج: الجويدة مختبر صغير لإنتاج آليات القمع على نطاق المجتمع

حين تطالعك عبارة"مركز إصلاح وتأهيل الجويدة وأنت خارج كمفرج عنه من ذلك المبنى المحصن الواقع جنوب العاصمة عمان، ستتأكد أن الأمر لا يعدو كونه نكته سمجة أو سخرية من طراز رفيع، لأن العبارة المذكورة هذه لا تصح فيها إلى كلمتها الأخيرة (أي: الجويدة!)، أما فيما يتعلق بـ"مركز" و"إصلاح" و"تأهيل"، فهذه أشبه بالإحالة إلى وضع سوريالي يبز مخيلة سلفادور دالي نفسه.

إن سجن الجويدة هو المختبر الصغير بامتياز لدراسة وتطبيق آليات انتهاك الأفراد والجماعات على المستوى الاجتماعي/الاقتصادي/السياسي العام، وهو يمثل تكثيفاً كمياً ونوعياً للتطويع والاستلاب وآليات تقييد وتحريك الكتل البشرية، وتحويلهم إلى مجرد كائنات بيولوجية محايدة ومطواعة، وهو ما يدخلنا في سياق أوسع هو سياق إخضاع المجتمع والوطن للكيان الصهيوني ومشروعه "الشرق أوسطي" في المنطقة العربية، والتبعية والارتهان المنظمين للإمبريالية في مشروع هيمنتها الذي لا يزال يأخذ أشكالاً أكثر وحشية وعسفاً مع مرور الزمن، وليس آخره "الحرب ضد الإرهاب".

لا شك بأن الجويدة تتكرر بدرجات سوء متفاوتة في أرجاء الوطن العربي، وهو ما يحول السجن بهذا المفهوم إلى أداة سياسية في يد السلطة: أداة تحطيم للوعي وللمفاهيم باتجاه الإفراغ الكامل والتبعية المطلقة.

والحديث عن إصلاح هنا هو حديث عبثي غير ذات معنى. المطلوب هو تفكيك السجن، وهو تفكيك لا يتأتى إلا بتفكيك النظام الرسمي العربي وخيوط ارتباطه بالصهيونية والإمبريالية، وإنجاز الثورة العربية الديمقراطية الاشتراكية بكافة أبعادها وتداعياتها في إطار الوحدة البينية، والتواصل الأممي مع كافة قوى التغيير الحية في العالم. وهو مشروع لا شك مضن وطويل، ولكن على الأقل، علينا أن نتبين العلل لنتبين الحلول، ف "التحرر…عملية لا تنتهي، وتتضمن بالضرورة لا تغيير الظروف المادية للقهر وحدها، ولكن الظروف السيكولوجية كذلك. وعلينا أن نفهم ذلك الكلام لا على أساس المفهوم الفردي للتحرر السيكولوجي، ولكن من واقع التعرف على الأمراض الاجتماعية التي تنتج أشكالاً من البنية التي تسمح بالاضطهاد الجماعي"(12)، وبالتالي يكون تجاوز الهزيمة السيكولوجية الفردية/الجماعية، وأشكال سلب الإرادة المختلفة التي تمارسها السلطة، والعمل باتجاه إعادة إحياء روح المقاومة الداخلية العربية، هو الأولوية الأولى باتجاه تهديم البنى الاضطهادية، والنهوض بالمشروع النقيض على ركامها، ولو بعد حين.

(1)يسمى السجن في الأردن: "مركز إصلاح وتأهيل"، ويسمى قانون السجون بـ"قانون مراكز الإصلاح والتأهيل".
(2)سجين مسؤول عن بقية السجناء في غرفة السجن.
(3)هم المعتقلون على خلفية المسيرات والمظاهرات التي عمت الأردن أثر أحداث مخيم جنين والمجزرة الصهيونية هناك، وكان الكاتب قد أعتقل لنشاطه في مجال الحريات العامة ومقاومة التطبيع وأوقف لمدة ستة أيام في سجن الجويدة مع معتقلي المسيرات.
(4)بعد حل مجلس النواب 6/2001، لم يدع لإنتخابات، ولم ينتخب برلمان أردني حتى الآن، حيث قامت الحكومة الأردنية في ظل هذا الفراغ التشريعي/الرقابي، بإصدار ما يزيد عن 100 قانون مؤقت غير دستوري .
(5)غالب هلسا، سلطانة، بيروت: دار الحقائق، 1987، ص57. وهو أمر كان دارجاً حتى في أوروبا حيث يلبس الرجال والنساء القبعات.
(6) جورجي كنعان، تاريخ يهوه، بيروت: الدار العربية للعلوم، 1994، ط2، ص158.
(7) انظر إحدى أهم التعبيرات الممسرحة حول هذه المسألة في: سعد الله ونوس، الاغتصاب، بيروت: دار الآداب، 1990.
(8)أحد الموقوفين (لتهمة غير سياسية) أراني آثار جلد بأسلاك نحاسية على بطنه خلفت ندوباً ليفية لا تزول مع الزمن.
(9)بعض السجانين أفضل من البعض الآخر، بحيث يمتنع البعض الأول عن الضرب أو إقامة الحفلات الليلية .
(10) كان السجانون يهددون بجولة من الضرب أو "حفلة ليلية" إن لم يكن صوت الموقوفين عاليا جدا وهم يرددون هذه اللازمة.
(11)الأب الأوديبي حاضر بقوة هنا، ولكن معكوساً! فبدلا من أن يقتل اوديب أباه، يستدرج الاب بعطف ابنه ليقتله.
(12) سمية رمضان، باولو فيريري: راوي الأمل، القاهرة: أدب ونقد، العدد 146، أكتوبر 1997، ص15.

وفيما يلي البيان الذي اصدره المثقفون الاردنيون .

بيان حول منع مجلة الآداب وحرية التعبير

يستنكر المثقفون الموقعون على هذا البيان، التدخل الحكومي في مجال الحرية الثقافية بشتى الوسائل التي شملت مصادرة الصحف والمجلات والكتب، والرقابة المسبقة على الصحف قبل الطبع ( كما جرى مع صحف المجد والحدث والوحدة والشاهد والبلاد)، والتي أخر صدورها احيانا، او منعت من نشر مواد صحفية فصدرت بمساحات بيضاء، أو أجبرت على تغيير عناوينها ومانشيتاتها.

كما شكل إصدار المادة 150 المعدلة لقانون العقوبات بقانون مؤقت ضربة قاضية للحريات الصحفية والثقافية، عززت بممارسات ليس اقلها استدعاء عدد من الصحفيين للمثول أمام الأجهزة الامنية، واحالة بعضهم إلى المحاكم، وسحب جواز سفر أحد الصحفيين من المطار، ومصادرة قائمة طويلة جدا من الكتب والروايات من احدثها رواية "سيرة الفتى العربي" للروائية رفقة دودين، وكتاب "الديمقراطية المقيدة " للدكتور علي محافظة.

فالحجر الذي طال حرية التجمع والتظاهر والتعبير عبر سلسلة من القوانين المؤقتة غير الدستورية، وأوامر الإغلاق والحل التي واجهت بها الحكومة مؤسسات ولجان العمل الوطني ( الجمعية الأردنية لحقوق المواطن، ولجان مقاومة التطبيع النقابية)، كل هذا لابد أن يرافقه مصادرة للثقافة الجادة الحرة تمهيدا لمصادرة حرية التفكير بعد أن صودرت حرية الحراك السياسي/الاجتماعي العام المناهض للهجمة الصهيونية على الشعب العربي في فلسطين والعدوان الأمريكي المبيت على العراق.

وبتناقض أساسي مع المادة 15 من الدستور، ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، صادر الرقيب الأردني عدد 11/12 2002 من مجلة الآداب البيروتية العريقة ومنع دخولها. وبصورة لا تخلو من السخرية المرة، تعتقل المجلة التي تحمل تحليلا عن آليات القمع والانتهاك في سجن الجويدة وملفا عن الرقابة في مصر ومقالا ضد التمويل الأجنبي، بعد أن صادرها الرقيب وسجنها في أدراجه لتكتمل النبوءة !

لكل ذلك، يقف الموقعون على هذا البيان إلى جانب الحريات الأساسية والحقوق العامة، وعلى رأسها حرية التعبير والتجمع والتظاهر، ويدينون مصادرة الفكر المتمثل بالرقابة المسبقة، وتغيير النصوص الادبية حتى قبل اجازتها، وبحيث لا يمكن طباعة اي عمل قبل مروره على الرقيب، ولا تستطيع اي مطبعة المباشرة بطباعة اي كتاب او كتيب او نشرة سوى باذن من دائرة المطبوعات والنشر، كما يتمثل ذلك بمنع عشرات الكتب والمجلات التي كان آخرها عدد مجلة الآداب المذكور سابقا. ويطالب الموقعون ادناه بإلغاء جميع انواع الرقابة على كافة اشكال الادب والفكر والفن.

عمان، 12/12/2002

الـمـوقـعـون:
1. بهجت ابو غربية
2. يوسف عبدالعزيز
3. ابراهيم نصرالله
4. موسى حوامدة
5. يوسف ابو العز
6. احمد النعيمي
7. مصطفى ابو هنود
8. محمد القباني
9. موفق محادين
10. جواد يونس
11. توجان فيصل
12. هشام البستاني
13. عبدالله حمودة
14. ابراهيم علوش
15. خالد رمضان
16. عايدة الدباس
17. فوزي السمهوري
18. يحيى ابو صافي
19. فارس ظاهر الفايز
20. فهد الريماوي
21. وليد حسني
22. اسامة الرنتيسي
23. يحيى شقير
24. خليل السواحري
25. كمال خليل
26. عصام طنطاوي
27. نبيل الكوني 
28. زهير ابو شايب
29. ناجي علوش
30. رشاد ابو شاور
31. محمود طه
32. علي حتر
33. كندة حتر
34. صالح الكنيعان الفايز
35. جمال ناجي
36. حيدر منصور الزبن
37. فاروق وادي
38. فخري صالح
39. جهاد هديب
40. هاني الدحلة
41. احمد النمري
42. هدى فاخوري
43. احمد القادري
44. غانم زريقات
45. هاشم غرايبة
46. علي محافظة
47. شادي مدانات
48. ناصر بقاعين
49. حسن ناجي
50. جودت السعد
51. عصام الطاهر
52. اسماعيل ابو البندورة
53. نايف ابو عبيد
54. هاني غرايبة 
55. محمد نايل عبيدات
56. محفوظ جابر
57. رفقة دودين
58. سليمان الطراونة
59. عليان عليان
60. مي الصايغ
61. نزيه ابو نضال
62. عمر شبانة
63. نصرالله نصرالله
64. فخري قعوار
65. هشام عودة
66. جورج حداد
67. داود سليمان
68. مصطفى الجعيدي
69. عبد الهادي الراجح
70. يوسف ضمرة
71. ماجد المجالي
72. سالم النحاس
73. محمد ضمرة
74. سعد الدين شاهين
75. طلعت ابو عثمان
76. سميرة خوري
77. محمد العامري
78. عرفات حجازي
79. محمد عبيد الله
80. غالية قباني
81. فاضل السلطاني
82. محمد الدروبي
83. مهيب البرغوثي
84. ميسلون هاشم كنانة
85. عيسى الشيخ حسن
86. علي سفر
87. ماهر عزام
88. عامر التل
89. صدقي الريماوي
90. سليمان قبيلات
91. ناصر مؤنس
92. صالح مشارقة
93. زياد خداش
94. يسرى الكردي
95. فارس الحلو