| * كتب : اسامة فوزي | |
|
داخل الجحيم: خمسة ايام في سجن الجويدة بقلم: د. هشام البستاني- لجنة الحريات النقابية الاعتقال: ليلة الثلاثاء 9/4/2002
داخل مجمع النقابات المهنية في عمان، كانت مجموعة من النقابيين تتحدث عن قنابل لغاز المسيل للدموع وآثارها على صحة الانسان وخصوصاً الاطفال الذين يتسرب الغاز الى بيوتهم داخل المناطق المكتظة، وخصوصاً في مخيمات اللاجئين حيث تلتصق البيوت المهترئة ذات اسطح الزينكو بعضها ببعض، ولا يفصل مجموعات البيوت سوى شوارع ضيقة جداً لا توفر أي تهوية تذكر. داخل حقيبتي، كان هناك ظرف فارغ لقنبلة غاز محفور أسفله الارقام التالية "79 ". النقاش الدائر كان حول تلك الارقام (التي تمثل فيما نعتقد تاريخ الانتاج او الانتهاء لهذه القنبلة بالذات)، وعن مدى سمية الغاز المسيل للدموع او "المتعدد الاستثارات" (Multi-Irritant) عند انتهاء صلاحيته، خصوصاً انه قد وردت عدة شكاوى للمنظمات واللجان المعنية بحقوق الانسان حول استعمال هذه القنابل بشكل مستمر مما حدى بالجمعية الاردنية لحقوق المواطن ان تبعث بمذكرة لرئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب يوم 6\4\2002 جاء فيها: "تلقت الجمعية الأردنية لحقوق المواطن بقلق كبير شكاوي عديدة حول قيام قوات الأمن باستعمال قنابل مسيلة للدموع منتهية الصلاحية منذ عدة سنوات مما تؤدي الى آثار جانبية ضارة في صحة الانسان، مما يستدعي من دولتكم الايعاز باجراء تحقيق فوري ومحاسبة المسؤول عن ذلك". وفور خروجي من المجمع برفقة المهندس شادي مدانات، تبعنا اثنان وقاما بالنداء علي، وعندها استدرت باتجاههما، قاما بالتعريف على نفسيهما بأنهما من عناصر الامن الوقائي، وطلبا ان اعطيهما الظرف الفارغ الموجود داخل حقيبتي، وعندما رفضت، هددا باحضار "القوة"، فاخبرتهم باحضار من يرونه مناسباً، عندها ذهب احدهما وعاد ومعه شخص آخر عرف على نفسه انه "نقيب" في الامن الوقائي. طلبت هويته فاعطاني اياها، ثم طلب هو هوياتنا بالمقابل فاخذها ولم يعدها، ثم طلب تفتيش الحقيبة فاخبرته بضرورة ابراز مذكرة تفتيش، فاستهزأ بهذا الطلب، ودار عدها نقاش طويل انتهى باصطحابنا الى مركز الامن الوقائي في العبدلي حيث اخذت مني الحقيبة وفتشت واخذ منها الظرف الفارغ، وشريط فيديو عن صبرا وشاتيلا، وبعض الاوراق الخاصة. طلب منا الادلاء بافادات مكتوبة، فرفضت ذلك الا بوجود محامي. وبعد حوالي ساعتين تم تحويلنا الى نظارة العاصمة حيث بتنا ليلتنا هناك. اثناء الانتظار في مقر الامن الوقائي احضر شخصان وتم التحقيق معهما امامنا، وكان احدهما متهماً بحرق باص اثناء مسيرة (وهي تهمة اكتشفت فيما بعد انها "كليشيه" توجه لأي شخص يعتقل من الشارع على خلفية المسيرات: "انت اللي حرقت الباص"، "انت اللي كسرت الاشارة"، "انت اللي كسرت الزجاج" …. الخ)، وتم صفعه على وجهه عدة مرات اثناء التحقيق. لقد التقيت هذا الشخص مرة اخرى في نظارة العاصمة: لقد كان وجهه عبارة عن كتلة حمراء من الانتفاخات والخطوط جراء الصفعات التي تلقاها في مخفر النصر وفي مقر الامن الوقائي كما افاد. هذا الشاب كان ماراً بجوار بيته منفرداً عندما القي القبض عليه، واخبره معتقلوه انه هو "الذي حرق الباص الذي في آخر الشارع" واشبعوه ضرباً الى ان وقع اعترافاً في المخفر. وعندما سمعته يقول للمحقق في الامن الوقائي انه اجبر على الاعتراف تحت التعذيب واخذ يريه آثار الضرب ، تلقى سلسلة من الصفعات امام عيني.
محكمة امن الدولة: صباح الاربعاء 10/4/2002
حوالي الساعة 11:30 ظهراً، تم نقلنا انا والمهندس شادي لوحدنا في سيارة سجن (زنزانة) الى ماركا، حيث فهمنا من مرافقينا من الشرطة انه قد تم تحويلنا الى محكمة امن الدولة بتهمة "اثارة شائعات من شأنها المساس بهيبة الدولة"، وهناك قام المدعي العام برفض القضية (لعدم الاختصاص او لعدم كفاية الادلة لا ندري..)، وعدنا الى نظارة العاصمة، ومن هناك حولنا الى محافظ العاصمة الذي قرر توقيفنا اداريا ورحلنا الى سجن الجويدة.
حفلة الاستقبال - سجن الجويدة: مساء الاربعاء 10/4/2002
كنا ستة اشخاص في سيارة السجن: اربعة موقوفين ادارياً على خلفية المسيرات (وهم: سائق تكسي، اثنان من اصحاب المحلات، وصديق لواحد منهم صدف ان كان معه لحظة اعتقاله)، واثنان (انا وشادي) موقوفان ادارياً على خلفية ما ذكر اعلاه. وصلنا الجويدة، وعند النزول يدخل كل ثلاثة معاً الى غرفة يوجد بها شرطي، حيث تقوم بخلع ملابسك بشكل كامل وتبقى عارياً كما اوجدتك الطبيعة، وتؤمر ان تشبك يديك فوق رأسك وتقوم بالنزول والصعود عمودياً ربما لثلاثين مرة متتالية، اثناء هذا التمرين قام الشرطي الموجود بضرب احد اصحاب المحلات عدة مرات بقدمه، ثم امره ان ينحني ويقبل الارض، وهو ما فعله تحت تأثير الخوف والضرب. بعد ذلك اخذنا الى داخل السجن حيث استقبلنا شرطي بقوله: "انتم تبعين مسيرات…آه… هسه (الآن) بتشوفوا"، وتم اصطحابنا الى داخل غرفة امرنا فيها بخلع ملابسنا مرة اخرى، وعندها تقدم شرطي يحمل بيده "كيبلاً كهربائياً" مربوطاً بشريط لاصق، وقام جلد الموجودين واحداً واحداً على الأيدي والجسم لمدة دقيقة تقريباً لكل شخص وذلك بعد سؤالهم عن التهمة الموجه لهم، فاذا كان الجواب: "مسيرات"، يتلقى بعدها الشخص المعني سيلاً من الضربات. اما انا فقد استثنيت من الضرب بعد ان شرحت له طبيعة التهمة المتعلقة بي. بعد ذلك ينتقل الجميع لتسلم ملابس السجن، حيث ضرب الاربعة اثناء ذلك، كما وضربوا اثناء حلاقة الشعر والتقاط ملابس السجن المكومة على الارض. بعد ذلك اخذنا الى الساحة الخارجية وأوقفنا بجوار بعضنا البعض، ووضعنا انا وشادي في زاوية جانبية، في حين قام ضابط يحمل نجمة واحدة على كتفه بضرب الاربعة الباقين بشدة وكيفما اتفق بواسطة هراوة بلاستيكية لمدة خمس دقائق، ثم حضر شرطي خر يحمل كيبلاً وشارك في الضرب، وكان هذا بحضور طبيب السجن الذي جلس يراقب على كنبة قريبة. بعد ذلك امرنا بالتوجه الى المهجع برفقة ثلاثة من الشرطة مع توصية من الضابط "بالاعتناء بنا جيداً"، وفي منتصف الطريق، نحينا جانباً انا وشادي، وقام رجال الشرطة الثلاثة بممارسة تمرين كراتيه او تايكاوندو مع حركات طائرة وضربات بالاقدام والايدي على المعتقلين الاربعة الاخرين مع تركيز خاص على رؤوسهم، ومن ثم استمر المسير الى ان وصلنا الى باب الغرفة التي سنحتجز فيها (غرفة 18 مهجع د) حيث صففنا واحداً بجانب الآخر وتلقى كل واحد منا السته صفعتين ترحيبيتين، وامرنا بدخول الغرفة.
معتقل ام مشرحة : الخميس 11/4/2002 - الاحد 14/4/2002
نمنا ليلة الاربعاء كيفما اتفق، واستيقظنا صباح الخميس في الخامسة صباحاً للعد اليومي، كان في الغرفة 61 معتقلا منهم حوالي 8 لهم قضايا في محكمة امن الدولة، والباقي معتقلين اداريين، وقد ارتفع هذا العدد مساء السبت 13/4/2002 الى 68 معتقلا. لم يكن هناك متسع للجميع، فكان معظم النزلاء يتشاركون كل اثنين على سرير واحد، الرطوبة عالية (الغرفة اخفض من مستوى الارض)، السقف يدلف، والبرد شديد. نودي على السجناء الستة الجدد، فخرجنا الى الساحة العليا، حيث ارجعنا انا والمهندس شادي، وبعد نصف ساعة عاد الاربعة الاخرين ووجوههم شديدة الحمرة حيث علمنا انه قد تم ضربهم مرة اخرى. بدأت بالتعرف على السجناء وقصصهم واصاباتهم: جميعهم موجودون منذ ما يقارب الاسبوع في الجويدة، كانوا قبلها معتقلين في نظارات النصر، الاشرفيه، المهاجرين، الشميساني… الخ. عند اعتقالهم كان: احدهم كان يسير مع امه واخته في رأس العين، وآخر كان خارجاً في التاسعة مساءاً ليشتري لوازم البيت بالبيجاما من السوبرماركت القريب في حي نزال، آخر كان متجهاً بسيارته ليصلى مع اصدقائه في الجامع القريب، وآخر كان يوصي بطعام لقارب زوجته الموجودين معها في المستشفى وهي في آخر لحظات الولادة، ,آخر كان داخل محله لتجاري، وآخر كان يهم باغلاق محله التجاري في الوحدات، آخر كان راكباً في سيارة تاكسي، وآخر كان هو سائق التكسي.... الاعمار:18- 27 سنة. شباب عاديون جداً، لا يحملون أي توجهات سياسية او فكر سياسي ما، بعضهم شارك في مسيرة او اثنتين، واغلبهم لم يشارك في مسيرة في حياته. الجميع روى نفس القصة مع اختلاف التفاصيل: ثلاثة او اربعة يهجمون عليه في الشارع العام ويبدؤون بسبه وضربه، ثم يوضع في سيارة تنقله الى مركز الامن مع ضربه داخل السيارة ايضا.ً في المخفر يوضع في غرفة ويتم ضربه بشكل مبرحجداً الهراواتوالاحزمة والايدي والارجل: احدهم ضربه لوحده اربعة عشر شرطياً الى ان غشي عليه، واحدهم قال انه استقبل مع من كان معه في مخفر المهاجرين بحوالي ثلاثين من قوات مكافحة الشغب بكامل عدتهم (دروع وهروات وخوذ)، كانوا مصطفين واحداً بجانب الاخر على جهتي الممر المؤدي الى مدخل المخفر حيث تلقوا من الضرب ما يشبع.
الاصابات:
خلافاً للرضوض والكدمات واثار الجلد بالكيبلات والبرابيش التي حملها جميع من كانوا داخل المهجع، لفت نظري عدة اصابات متميزة شاهدتها بعيني: 1. شاب يوجد على جبهته اليمنى باتجاه الرأس جرحاً قطعياً غائراً بطول 8 سم نتيجة ارتطامه بجسم حاد اثناء ضربه.
كما ابلغنا بوقائع اجبر فيها اشخاص على لعق بساطير افراد الشرطة. اما في داخل الجويدة فقد ابلغنا الموجودون، بان حفل استقبالهم تضمن الحشر في غرفة لمدة ساعة ونصف تحت الضرب الشديد الى الدرجة التي اصطبغت فيها حيطان الغرفة بالدم، والوقوف على قدم واحدة ورفع الاخرى مع الجلد، الركض عرايا تحت المطر لمدة ساعة مع الجلد ... الى درجة انهم نقلوا حملا الى غرفة السجن. مساء الجمعة ومساء السبت احضر معتقلين جدد (اربعة وثلاثة على التوالي)، وتلقوا وابلا من الصفعات والضربات امام جميع الموقوفين في المهجع، وقد علمت انه قد تم ضربهم ايضاً في الخارج. ومساء الجمعة ايضا جاء مساعد مدير السجن للزيارة، وسألنا: "هل تعرض احدكم للضرب داخل سجن الجويدة"، فلم يجب احدا، وسأل مرة اخرى طالباً ان يبلغ احدهم عن ضربه داخل السجن، فقام شاب صغير سناً وحجماً برفع يده، فاحضر الى منطقة الامامية واشبع ضرباً بواسطة شرطي امام مساعد المدير حتى قال انه لم يضرب داخل الجويدة ابداً! وهناك الكثير جدا من الامثلة لما يحدث داخل الجويدة من انتهاكات وتجاوزات قد تبدو صغيرة وتافهة امام ما ذكر اعلاه، ولكن الملاحظ انه كانت توجد نية واضحة لتخويف، بل ارعاب، هولاء الشباب. كان هناك جوا من الرعب المطلق يحيط بالمكان: ادنى صوت خارج الغرفة كان يؤدي مباشرة الى اصطفاف في وضعية الانتباه، الحديث الاعتيادي اليومي كان عن مدى تحسن الاصابات، وعن "الشرطي الارحم" ومت تأتي مناوبته، والدعوة المستمرة بعدم خروج مسيرات ليوفروا على انفسهم "حفلات استقبال" جديدة. لقد افرج عني يوم الاحد 14/4/2002 الساعة 12:30 ظهرا بكفالة مقدارها 10,000 دينار اردني، كما افرج عن المهندس شادي مدانات في اليوم التالي بكفالة مشابهة. البعض من زملائنا في الغرفة 18 افرج عنهم، البعض الاخر لا يزال قيد الاعتقال، والبعض لا يملك رسوم الكفالة حتى لو تقرر الافراج عنه، ولكن العديدين ما يزالون معتقلين في ظل هذه الاجواء اللانسانية، يعيشون كل يوم تحت رعب الضرب والاهانة. المسألة الاخرى هي: اننا لا يمكن ان نفهم قضية اعتقالنا (انا والمهندس شادي) في اطار الاعتقالات العشوائية العادية، بل يجب ان نفهم انها تأتي كرسالة تهديد وتحذير لكل اولئك العاملين في مجال قضايا الحريات وحقوق الانسان، وان "عدم التسامح" الحكومي لم يعد مقتصرا على الانشطة السياسية والنشطاء السياسيين، بل اصبح يشمل بشكل اوسع جميع القضايا الاخرى خاصة تلك المتعلقة بالحريات وحقوق الانسان. من اجل اردن حر وديمقراطي: ماذا تفعل؟ اكتب رسالة احتجاج تتضمن النقاط التالية: -استنكار وادانة اعتقال نشطاء الحريات وحقوق الانسان في الاردن. |
|
| اما مقال الدكتور هشام البستاني في مجلة الاداب عن التعذيب في السجون الاردنية والذي تسبب بمنع دخول المجلة الى الاردن واعتقال كاتب المقال .... فهذا هو نصه الحرفي : | |
|
آليات القمع والانتهاك معتقلي المسيرات في سجن الجويدة نموذجاً |
|
|
|
| بيان حول منع مجلة الآداب وحرية التعبير | |
|
|