بيان صحافي
حول الأحداث الملتهبة الدائرة على الساحة الأردنية
والإجراءات القمعية للحكومة العرفية !

لما كانت فلسطين - كل فلسطين، بمدنها وقراها ومخيماتها ، مناطقها المغتصبة عام 48 وتلك المحتلة عام67 ، الداخل والشتات ،جميع اتجاهاتها المذهبية والسياسية وسائر أحرار الأمة العربية والعالم من خلفها - تشتبك في معركة بطولية مع الكيان الصهيوني الغاصب أسمتها انتفاضة القدس ، فقد بادر تحالف القوى الطلابية والشبابية الوطنية الثورية على اختلاف توجهاتها السياسية الديمقراطية واليسارية والقومية إلى الدعوة لتنظيم تظاهرة شبابية حاشدة تتجه إلى سفارة العدو يوم الأربعاء 4/أكتوبر، حيث وزعت العناصر الوطنية النشطة في صفوف الحركة الشبابية منذ الصباح الباكر البيانات الداعية إلى التظاهر والاحتشاد في كافة أرجاء الجامعة الأردنية والكليات المتوسطة المحيطة . وقد علم في ذات اليوم أن مجموعات من طلبة المدارس وصلت سفارة العدو ورشقتها بالحجارة قبل أن تقمعها القوات الأمنية بعنف !
انطلقت الجموع الشبابية والطلابية المحتشدة أمام البوابة الرئيسة للجامعة الأردنية في تمام الساعة الواحدة والنصف ظهراً عبر شارع الجامعة ( الملكة رانية )ووجهتها سفارة الكيان الصهيوني، هاتفة بغضب : " عالمكشوف ، عالمكشوف صهيوني ما بدنا نشوف، سفارة ما بدنا نشوف"!
وقد تصدر التظاهرة الحاشدة علم فلسطيني كبير ورايات حمراء تحمل صور الثائر الأممي، أرنستو تشي غيفارا ، والعديد من اللافتات الموقعة باسم التحالف الشبابي اليساري والتي تؤكد عروبة فلسطين وألا بديل عن النهج الثوري، وأن الكفاح المسلح هو الخيار الوحيد الممكن لتحرير الأرض ، وشوهد شبان ملثمون يحرقون الأعلام الصهيونية فوق جسور المشاة المنصوبة فوق طريق الجامعة الرئيسي-شارع الصحافة .وأثناء محطات توقف المسير من أجل الوقوف صمتاً على أرواح الشهداء وتلاوة الفاتحة كان يتم أيضاً إحراق الأعلام الصهيونية وسط الهتافات المنادية بأن" لا سفارة صهيونية فوق الأرض الأردنية ، فوق الأرض العربية " !!
وما لبث أن أخذ مئات المتفرجين في الانضمام إلى الجموع الغاضبة التي وحدتها الهتافات والشعارات الوطنية والثورية المدوية ، وحين شعرت قوات الأمن الأردني أن الجموع التي انطلقت هذه المرة مصممة على الوصول إلى سفارة العدو وأنها لم تعقد اتفاقاً مع الحكومة يحول دون ذلك كما فعل الطلبة الإسلاميون في اليوم السابق، جلبت قواتها الخاصة المدججة بالأسلحة والهراوات في محاولة منها لقمع الجماهير وقام قائد الشرطة وقيادات الأمن العام بإبلاغ قادة المسيرة الشبابية أن الوصول إلى السفارة أو حتى المنطقة التي تجثم السفارة على أرضها- أي ضاحية الرابية - مستحيل وأن الأوامر قد صدرت من فوق بمنع أي محاولة بهذا الشأن! هنا قام المتظاهرون بالجلوس على الأرض وإغلاق شارع الجامعة احتجاجاً على منعهم من متابعة المسير وواصلت الجموع تهتف: وينك وينك يا دلال .. حكام العرب أنذال !" ، " بالروح بالدم ، نفديك يا فلسطين" ، " " "بالروح بالدم نفديك يا شهيد" وكذلك " وحدة، وحدة وطنية ، أردنية فلسطينية ، شمالية جنوبية، إسلامية مسيحية ، كل القوى الوطنية ، كل القوى الشبابية ، كل القوى الطلابية ، ضد الحركة الصهيونية " .
وفجأة انهال أفراد الأجهزة الأمنية بالهراوات على رؤوس المتظاهرين وقاموا بتفريق التظاهرة السلمية بالقوة ، وما لبث الشبان والشابات في القيادة الشبابية الوطنية للتظاهرة أن أعادوا تجميع صفوفهم وواصلوا مسيرهم بعد أن هتفوا بأن أبناء رجال الأمن العام من مختلف مناطق الأردن هم عرب وجدوا ليحفظوا أمن شعبهم وليس أمن الصهاينة وسفارتهم ، فيما تعالت أصوات المتظاهرين :" يا للعار ، يا للعار ، الشرطة بتضرب نسوان !!" . وبقيت التظاهرة مستمرة على امتداد شارع الصحافة فيما دوت أصوات المتظاهرين: " الله ، فلسطين، والقدس عربية"
ووسط عجز رجال الأمن عن وقف التظاهرة بكافة الوسائل السلمية والعنيفة ، أخذ قيادات المخابرات العامة والأجهزة الأمنية يشتمون الكوادر الشابة من قيادات التظاهرة ، وحاول الأمن من جديد تفريق التجمع عند دوار المدينة الرياضية وأمام مقر صحيفة العرب اليوم وعلى مرأى من الإعلام . غير أن الجموع صممت على الذهاب إلى مجمع النقابات المهنية حيث كان يجري مهرجان حاشد لنصرة انتفاضة القدس وفكر الشباب أن التواجد الكثيف للجموع هناك سوف يعزز من قدرة المتظاهرين على الوصول لسفارة العدو . ورفض الأمن سوى أن تتفرق التظاهرة وأن يذهب المتجمهرين إلى هناك فرادى غير أن الجموع رفضت إلا أن تواصل أو تؤمن لهم وسائل نقل تؤمن وصولهم سالمين خلال المسافة القليلة المتبقية . وبالفعل وافق رجال الأمن على تحويل مسار حافلات تابعة لمؤسسة النقل العام كي تقل المتظاهرين إلى هناك بعد أن وضعهم الشبان الذين صعدوا إليها تحت ضغط الأمر الواقع.
وفي مجمع النقابات المهنية انضمت الجموع الشبابية إلى القوى الشعبية المحتشدة هناك ، وبينما أخذ خطباء الإسلاميين في الإنشاء والحمد والثناء أن أمة الإسلام لم تزل بخير !! أخذت أصوات الشباب تطالب الخطباء بالتوجه إلى سفارة العدو : عالسفارة يا جبان !!
هنا بدأ الارتباك يدب في صفوف الإسلاميين ، وعندما استطاع الشباب الغاضب الوصول إلى المنصة ، أعلن الشيخ حمزة منصور، مرتبكاً :
" جئنا إلى هنا من أجل مهرجان خطابي ولم نأتي للذهاب إلى السفارة أو أي مكان آخر " !! وهنا بدأت جموع الشباب الوطني تتدافع خارج المهرجان باتجاه السفارة الصهيونية وانضم إليها المتحمسون من الجماهير المحتشدة وقلة من شرفاء النقابيين والحزبيين-الخارجين عن اتفاقات التواطؤ مع الحكومة !!- فيما بقي الخطباء والنقابيون من جمهور الإخوان المسلمين والقيادات الملتفة حولهم من الحزبين الآخرين يتفرجون على الجموع التي انطلقت في مسيرة حاشدة جاوز المنخرطين فيها ألفاً وخمسمائة شخص وهي تهتف : " يا عروبة هلي هلي ، خلي عدو الشعب يولي" وتعدت الجموع شارع النقابات والتفت إلى اليمين رغماً عن قوات الأمن التي حاولت منعها بالقوة من ولوج منطقة الرابية والتقدم باتجاه سفارة الكيان ، وهنا شعرت قوات الأمن أن خطراً حقيقياً بدأ يتهدد الرمز الصهيوني ونجمة داوود والعلاقات الحميمة مع دولة العدو برمتها ، فبادرت إلى إطلاق كلاب الأثر من أفراد القوات الخاصة لينهالوا ضرباً بوحشية على الجميع دون استثناء حيث سقط العديد من المصابين والجرحى وبينهم الكثير من النساء والصبايا والكهول والشيوخ كما تم إجهاض سيدة حامل إثر تعرضها للضرب بهمجية مفرطة ، وهنا حاولت الجموع المقموعة إعادة تجميع صفوفها فأعاد وحوش الأمن الانقضاض ثانية على كل ما يعترض سبيلهم حتى المارة في الشارع، وهنا اشتعلت مواجهات حادة مع الشبان الذين صنعوا متاريسهم الحجرية وبدأت قوات الأمن بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء وألقت بقنابل الغاز المسيلة للدموع وأعاد المتظاهرون تجميع صفوفهم وسط هتافات تؤكد وحدة الصف الوطني وتندد بقوات الأمن والأنظمة الموجودة في خدمة حماية أمن الكيان الصهيوني ضد شعوبها ، كما نددت بشدة بالتخاذل والمواقف المخزية للنقابات ولأحزاب المعارضة التي عقدت الاتفاقات مع الحكومة لضمان أمن سفارة العدو، وبعد أن استحالت منطقة الشميساني إلى ساحة حرب حقيقية توجهت الجموع إلى مجمع النقابات المهنية حيث قامت بالتنديد بمجلس النقباء هاتفة بغضب:" النقابات للخطابات !" فيما تعالت أصوات تطالب بإسقاط حكومة أبو الراغب على مرأى من كاميرات الإعلام ، ومن ثم سارت بقية المتظاهرين إلى مخيم الحسين - حيث يجرى حفل تأبين الشهيد محمد - عبر منطقة الشميساني والمدينة الرياضية. يذكر أن العديد من المواطنين تعرضوا لإصابات بليغة وتم نقلهم إلى المستشفيات إثر القمع الوحشي الذي تعرضوا له من قبل القوات الأمنية.
ليست هي المرة الأولى التي يكسر فيها الشباب الوطني الثوري قرار الأحزاب والنقابات المتواطئة مع الحكومة، بل لقد سبق لهم ذلك قبلها بيومين في مسيرة الوفاء التي اتجهت إلى مجلس النواب ( بدل التوجه إلى سفارة الكيان بحجة رخيصة مفادها أن البعض لا يعترف بالكيان الصهيوني !!!! ) وذلك يوم الإثنين 2/ أكتوبر
ومن أمام مجلس النواب واصلت جموع الشباب المسيرة التي جابت أنحاء عمان ثم اتجهت إلى مخيم الحسين وقامت بتعزية ذوي الشهيد ( محمد )، ومن ثم اتجهت إلى منطقة القصور فوسط البلد ، وتواصلت الاحتجاجات حتى ساعات متأخرة من الليل في المخيمات الفلسطينية . حيث أطلقت قوات الأمن العيارات النارية في الهواء لتفريق جموع المتظاهرين.
ومنذ أربعة أيام وحتى هذه اللحظات، تتواصل التظاهرات الغاضبة المقترنة بمواجهات عنيفة بين الشبان والأهالي الأبطال في مخيمات اللاجئين عموماً لا سيما في البقعة والوحدات حيث تحاصر مدرعات الأمن ودبابات الجيش تلك المناطق لتحيلها إلى ثكنات عسكرية !!
ورغم التكتيم الإعلامي المحلي والعربي والعالمي على الأحداث المدوية التي انفجرت على الساحة الأردنية إلا أن المعلومات والأخبار تتسرب والحماس الجماهيري يلتهب في كل مكان، مؤكداً وحدة الشعب والقضية الفلسطينية في كل مكان.
غير أن أقوى الأحداث وأعنفها على الإطلاق قد حصلت يوم السادس من أكتوبر بعد صلاة الجمعة عندما انطلقت الجماهير من مسجد الكالوتي في ضاحية الرابية باتجاه سفارة الكيان الصهيوني حيث كان على رأس الجموع القليل من الشخصيات الوطنية الصادقة إلى جانب القيادات الشعبية والقوى الشبابية والوطنية الحية ومن كافة الاتجاهات القومية والإسلامية واليسارية .
وقد قام رجال الأمن بجلب القوات الخاصة التي اعتدت على المواطنين أثناء مسيرهم السلمي لتحول دون وصولهم إلى سفارة الكيان الصهيوني، وأمطرتهم بوابل من الغاز المسيل للدموع مما ألهب من حدة المواجهات بين الشبان والقوات الأمنية التي صعدت من عنفها ضد المتظاهرين وخاصة النساء والصبايا وتعاملت معهم بقسوة ووحشية نتج عنها العديد من الإصابات التي تراوحت بين جروح وكسور بليغة وحالات اختناق بالغاز السام وعشرات الاعتقالات ، كما قامت قوات الأمن باقتحام حرمة العديد من البيوت بالمنطقة والاعتداء على أصحابها بالضرب واعتقالهم بحجة مساعدتهم للمواطنين الذين تعرضوا للإصابة والاختناق بالغاز ، كما قام أفراد الأمن بتكسير السيارات وتخريب بعض الممتلكات العامة والخاصة أثناء مطاردة المواطنين بقنابل الغاز والهراوات وإلقاء الحجارة عليهم واستخدمت طلقات الرصاص في الهواء لإرهاب الجموع وتفريقها. وقد تصاعدت حدة المواجهات مع قوات الأمن وقام الشبان المتظاهرين لأول مرة برد قنابل الغاز إلى قوات الأمن فيما تم تعزيز حشود المحتجين بمسيرة أخرى لتستحيل منطقة الرابية إلى ساحة حرب خيمت عليها سحب الغاز الكثيف الذي أطلقته قوات الأمن وانتشرت أكوام الحجارة التي تبادلها الطرفان في كل مكان. وفي ذات الوقت الذي كانت آلاف المتظاهرين يحاولون الوصول إلى سفارة العدو ، نظمت الحركة الإسلامية مهرجاناً (خطابياً !!) حضره أكثر من أربعين ألف شخص في المحطة بعمان اكتفوا بالخطابة والاحتفال .
وقد ذهل الناس وهم يشاهدون رئيس الوزراء/ علي أبو الراغب يصدر قراراً مساء6/ أكتوبر (يوم الغضب الفلسطيني ) بالتوقف فوراً عن أي شكل للاحتجاج السلمي ومنع الشعب الأردني من التعبير عن رأيه عن طريق المسيرات في تحد صريح للدستور . غير أن المشهد الذي صدم مشاعرهم بقسوة كان ظهور د. عبد اللطيف عربيات-الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي- على شاشة التلفاز مساءً يصرح بأن الأحزاب والنقابات لا علاقة لها بما يجري من أحداث -ملتهبة في جميع مناطق الأردن طبعاً - وأن الحركة الإسلامية ملتزمة فقط ببرنامجها الذي يتضمن سلسلة من الخطوات الاحتفالية والخطابية !!! وأن الزمرة التي تحرك مثل هذه الأحداث هي خارجة عن إجماع الأحزاب وأن عليها أن تنسق مع أحزاب المعارضة !!!
هذا ويستمر الحصار الاستفزازي المفروض على مخيمي البقعة والوحدات ،والذي يفرضه الآلاف من أفراد الأمن المدججين بمئات المدرعات الأمنية ومختلف أنواع السلاح من ال" م16" إلى القنابل المسيلة للدموع. وقد أسفر الحصار والمواجهات الدائرة هناك عن سقوط أول شهيد برصاص الأمن وهو الفتى/ أسامة عبد الكريم قاسم/ البالغ من العمر 14 عاماً !كما أصيبت حاجة تبلغ من العمر65 عاماً ترقد على سريرها بالمستشفى في حالة خطرة ، إضافة لقرابة الألفين من الجرحى والمصابين والمعتقلين الذين زج بهم في أقبية الأجهزة الأمنية وأكثرهم من الشباب وطلبة الجامعات الذين قمعت الأجهزة الأمنية بعنف جميع محاولاتهم للتعبير عن الاحتجاج ولن يكون ذلك الذي حدث عند الجامعة الأردنية أمس الأول آخر هذه التجاوزات القمعية حيث تم اعتقال العشرات من الطلبة والاعتداء على مئات المتجمهرين بالهراوات التي أصبحت قرينة رجال الأمن على ما يبدو في التعامل مع المواطنين !!.
والجدير بالذكر أن مسيرات التضامن والغضب قد شملت العديد من مناطق الأردن سواء في الزرقاء أو إربد وعموم مناطق الشمال أو الكرك والطفيلة وسائر مدن الجنوب، كما تستمر حالات الغليان الشعبي في جميع المناطق لاسيما في صفوف الشباب والطلبة جنباً إلى جنب مع حالة الغليان الشعبي الملفتة للنظر التي عمت الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وسائر البلدان الإسلامية والعالم .
وها هي فلسطين التي اشتبكت من البحر إلى البحر ومن النقب إلى الناقورة مع جنود العدو الصهيوني في معركة الدم والحجارة والرصاص مجسدة حالة نادرة من الوحدة تعيد للبعد الشعبي العربي دوره في معركة التحرر والنهوض العربي وعنوانه المركزي : فلسطين -القدس .
أما هنا في الأردن ، فإن أكتوبر المجيد سيبقى شاهداً على الغضب الشعبي.. شاهداً على صدق التيار الشبابي الوطني سواء في الحركة الطلابية أو النقابية وعلى راديكالية طليعته اليسارية والوطنية عموماً في المواجهة … شاهداً على عنف السلطة ضد حرية الشعوب.. شاهداً على أن الجيوش والعروش تدافع عن أمن الكيان الصهيوني بصفته جزءاً من نسيجها العضوي !!.. شاهداً على تخاذل الإخوان المسلمين وسائر النقابات والأحزاب التي سارت في ركابهم والتي هي ليست أكثر من حالة صوتية فاقعة وجدت لقتل العمل الشعبي وامتصاص غضب الجماهير وتفريغه بعيداً عن الحقل السياسي الذي يجب أن تعمل فيه، نظراً لارتباط قياداتها بمصالح السلطة العربية القائمة والمرتبطة بطريقة أو بأخرى بأمن ومصالح ( إسرائيل) !
المجد والخلود للشهداء الأبرار .. والعار للخونة والمستسلمين من حكام الأنظمة وعبيدها ..
عاشت فلسطين حرة عربية .. وعهداً أن يستمر نضالنا من أجل التحرر الوطني الديمقراطي وتصفية الكيان العنصري الغاصب(إسرائيل).

عمان
10/أكتوبر/2000