عندما يصبح حاميها حراميها!

نشر في مجلة  سوراقيا  اللندنية عام 1989

كان منتظراً أن يعمد مجلس النواب الاردنى الجديد الى فتح ملف الفساد على امتداد عقد الثمانينات لذلك لم يكن قراره باحالة عشرين شخصية اردنية على المدعى العام مفاجئا لأحد حتى للوزارء السابقين السبعة الذين طالهم قرار الاحالة بموافقة حكومة مضر بدران أم ان هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها خصوصا  اذا تطورت التحقيقات الى اسماء كبيرة يقال ان اى محاسبة للمفسدين لن تكون كاملة ما لم تصل اليها؟

       مع ان الجلسة التى عقدها مجلس النواب الاردنى مساء العشرين من الشهر الماضى وقرر خلالها احالة عشرين شخصية اردنية بينها سبعة وزراء سابقين الى المدعى العام بتهمة الفساد المالى والادراى، مع ان هذه الجلسة كانت (مغلقة)، ومع ان تسرب اخبارها الى الصحف قد تم بتحفظ شديد ودون ذكر لأسماء الوزراء والشخصيات العامة المتورطة فيها، الا ان اخبار الجلسة انتشرت فى طول الاردن وعرضه انتشار الهشيم ، وكان من السهل على المواطن الاردنى ان يعرف اسماء الشخصيات المعنية بالاتهامات المذكورة، بل ويزيد عليها معلومات اضافية جديدة، تترك فى محصلتها علامات استفهام كبيرة ، وتجر الى حلقة الاتهام شخصيات لم يرد ذكرها فى الاجتماع (المغلق !!) لمجلس النواب !!

       والمعروف ان حالات الفساد والرشوة متعددة ومتنوعة ، الا ان ابرزها واكبرها واخطرها تلك التعاقدات التسعة التى ابرمتها حكومتان اردنيتان فى السنوات العشر الاخيرة هما حكومة زيد الرفاعى ومن قبله حكومة احمد عبيدات، وتبلغ قيمة كل من هذه التعاقدات ملايين عدة من الدولارات، ذهبت عمولاتها الى جيوب عدد من الوزراء والمدراء والمتنفذين، فى ظل غياب رقابة شعبية، وعجز مجلس النواب السابق المترهل بعدما حوله رئيسة عاكف الفايز الذى سقط فى الانتخابات الاخيرة الى العوبة بأيدى الوزراء.

       المتهم الاول، ونجم الفضائح هو الدكتور رجائى المعشر وزير التجارة والصناعة السابق، واحد اصحاب الملايين فى الاردن. ورجائى هذا ينحدر من اسرة ثرية ، بدأت أعمالها فى مطلع الخمسينات بمدينة عمان، ووزعت استثماراتها بين الخدمات الصحية من خلال مستشفى المعشر الشهير الى تجارة الشاي والقهوة البرازيلية ، لذا عندما تسلم رجائى وزارة التجارة والصناعة ، كان همه الاول ان يطوع قوانين وانظمة الوزاره لخدمة مصالحة، وقبض العمولات وترتيب الصفقات التى اثقلت كاهل الاقتصاد الاردنى، واصابت الدينار بالدوار ، وجعلت زيد الرفاعى ببيع ثلث احتياطى الاردن من الذهب سرا!!

       عندما اندلعت حرب الخليج ، واعتمد العراق على ميناء العقبة الاردنى فى استيراد احتياجاته من الاسلحة والعتاد، الذى كان ينقل خلال الليل باساطيل من عربات الشحن تفقت عبقرية رجائى المعشر وزير التجارة والصناعة عن مشروع ضخم يقضى الى بناء اوتوستراد عبر الصحراء، ويربط الجفر بالازرق ظاهريا لتسهيل حركة مرور الشاحنات الى العراق، وفعليا لأن عمولات مشروع ضخم بهذا الحجم ستكون بالتأكيد كبيرة، وبعيدة عن العيون والانظار ليس لأن الرقابة فى الاردن كانت معدومة تماما، بفضل قوانين الاحكام العرفية فسحب وانما لان شق مثل هذا الطريق عبر الصحراء سيبدو خلال فترة الحرب مشروعا استثماريا معقولا، ولأن تنفيذ المشروع يحتاج الى مباركة وزير الاشغال محمود الحوامدة ، ورعاية بعض كبار المسؤولين فى لجان العطاءات والمناقصات فى الوزارة المذكورة فان الحكومة الموقرة، تجاوزت اسلوب العطاءات السرية لترسى المشروع على شركات هندية وبرازيلية نظير 935 مليون دولار رغم وجود  عطاءات من شركات اخرى، تقل عروضها عن خمس هذا المبلغ ، ووفقا لما يقوله النواب فان رجائى المعشر كان عراب هذه الصفقة.

       ولأن لرجائى المعشر خبرة فى الخدمات الصحية، بصفته يمتلك مع عائلته واحدا من اكبر المستشفيات الخاصة فى عمان، ولأنه يحرص على (صحة) الموطن الاردنى، فقد برز اسمه فى واحدة من فضائح العصر فى الاردن، راح ضحيتها اطفال فى مدراس العقبة ومعان، دون ان يبادر الحاكم العسكري زيد الرفاعى الى تنفيذ حكم الاعدام بالقتلة، بصفته المسؤول الاول عن تنفيذ الاحكام العرفية فى البلاد ، ففى اوج الازمة الاقتصادية التى مر بها الاردن ، وسبب ازمة اللحوم التى ضربت البلاد فى منتصف الثمانينات، عمدت شركة "فملى" المملوكة للسيد عبايب احد اقارب رجائى المعشر الى اغراق السوق الاردنية بمعلبات لحم "كورن بيف" ، رغم أن المختبر الصحى رفض الافراج عن الشحنة بسبب ارتفاع نسبة الزنك السام فيها الذي يتسب بالسرطان ، وقد وضع المختبر تقريرا واضحا وصريحا حول هذه الشحنة سرعان ما أمر رجائى المعشر بتغييره، واستصدر شهادة اخرى بصلاحية اللحوم للاستهلاك البشرى، اعطاها التاريخ والرقم نفسيهما فاذا بأطفال المدارس فى جنوب يقعون صرعى للزنك السام، فلا يجدون من يسأل من حكومة الرفاعى لماذا وكيف ومتى؟!.

       والدكتور رجائى المعشر يقف وراء فضائح المواد والتموينية والغذائية التى زكمت انوف المواطنين الأردنيين فى السنوات العشر الاخيرة فشركات المعشر كانت وراء اغراق الاسواق بفاكهة متعفنة كانت تستورد من البلدان المجاورة بأسعار أعلى من اسعارها فى السوق ، وشركاته كانت وراء ارتفاع اسعار المشروبات الغازية ، والقمح والحبوب الاميركانية، بل وسيطرت شركات المعشر على مصانع الاجواخ والمدافئ والسلالم وعربات الاطفال والاعلاف ، وقيل يومها ان التجارة الخارجية مع العراق ومصر وسورية قد جيرت فى حينه لخدمة هذه الشركات!!      

       عندما صوت النواب فى اجتماعهم الاخير على احالة اللصوص الى المدعى العام حظى القرار بموافقة 76 نائبا وامتنع اربعة فقط عن التصويت كان على رأسهم المدعو مروان الحمود ليس لأنه لا يحب المشاكل وانما ببساطة لأن الناب العتيد كان على رأس (الحرامية) فى وزارة الرفاعى من خلال منصبه آنذاك كوزير للزراعة، ووزير للبلديات.

       ومروان عبد الحليم النمر الحمود، الذى جاء ترتيبه الخامس فى قائمة الثمانية التى فازت بالانتخابات عن محافظة البلقاء هو واحد من اشهر قابضى العمولات فى تاريخ الاردن (المعاصر) فهو وراء تسديد الدولة مائتى الف دينار لمؤسسة الاقراض الزراعى نيابة عن حازم نسيبه ، وهو وراء القرار بمسامحة ابنه زيد الرفاعى ( عالية ) من مبلغ 28 الف دينار اجور شحن منتجات بيارات رئيس الوزراء الى اوروبة ، وهو وراء تشييد مصنع للثلاجات المصرية، تم تسجيل معظم اسهمه باسم سائق مروان الحمود المدعو كمال محمد سعيد الالفى ولأن مروان الحمود استاذ فى فن اللعب على القوانين ، فقد لزموه مشروع بناء مدين للالعاب فى بلدة الجيهية القريبة من عمان ، مقابل سبعة ملايين ونصف المليون دولار كفلها بنك المدن والقرى!!.

       ما كان لرجائى المعشر ومروان الحمود وغيرهما ان يرتكبا التجاوزات فى وضع النهار، لولا انهما حظيا بدعم من رئيسين للوزراء فى الاردن هما احمد عبيدات مدير المخابرات السابق وزيد الرفاعى احد كبار الرأسماليين فى المملكة فقد عنى الاول أبان حكمة بمحاربة "الفساد" المتمثل ببعض القيادات فى اجهزة الدولة ليس للقضاء عليها وانما لاستبدالها بمحاسيب ، كانوا فى مواقعهم اكثر افساداً لصالح احمد عبيدات ، وخلفه زيد الرفاعى الذي شرع الابواب لكل من يرغب بالسرقة، من اقربائه وانسبائه وخلانه ومجالسيه ونذكر منهم سامى جودة تاجر الجوازات وغازى ابو حسان وغسان التلهونى وكيل احد تجار السلاح السعوديين وهانى الدباس وخالد الرفاعى شقيق زيد الرفاعى وغازى الرفاعى مدير صندوق التوفير البريدي وماهر شنكري وجميل نظيف ومحمد الربيعى وعبد الله الحوامدة وغيرهم.

       الكتل الاربع التى يتكون منها مجلس النواب ، اتفقت عل ان تفتح ملف الفساد فالى جانب قرار المجلس بمنع المتهمين من السفر الى الخارج وتجميع ممتلكاته وحساباتهم المالية، قرر المجلس تكليف المدعى العام بأجراء التحقيقات الاولية مع المتهمين تمهيداً لمناقشات قضايا الفساد فى مجلس النواب، الذى تميل كتله الاربع الى جعل جلسات المحاكمات علنية ، رغم اعتراض سليمان عرار ، رئيس المجلس ووزير الداخلية السابق، واحد الاشخاص الذين سيطولهم التحقيق بحكم عمله كوزير للداخلية فى السنوات العشر الاخيرة ، ووفقا لما تقوله مصادر صحافية مطلعة فى عمان فان موقف مجلة النواب، الذى حظى بموافقة مضر بدران رئيس الوزراء لاقى ترحيبا مشوبا بالحذر من جهات عليا تخشى ان يطولها شئ من القال والقيل خلال جلسات الاستجواب بخاصة وان الامير حسن ولى العهد كان يشرف بشكل او بآخر على النشاط الاقتصادي فى الاردن ، ومنها الشخصيات المتورطة بالمشاريع والعمولات كانت على علاقة بالامير او بشركاته او بالإدارات التى كان يثير عليها لكن مصادر صحافية اخرى تؤكد ان مضر ما كان ليوافق عل مثل هذا الطرح العلنى  لو انه لم يتلق ضوءا أخضر من الملك حسين .