ذمة " المجلة " وذمة التاريخ

بقلم:اسامة فوزي

نشر في مجلة سوراقيا العدد 345 الصادر في 26 اذار مارس 1990

       لم نكن نعلم أن زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن السابق، "واحد من أبرز رجال السياسة الذين أنجبتهم الأردن" و "أن وزارته لعبت دوراً رئيسيا فى بلورة الطفرة الاقتصادية والمالية التي شهدها الأردن فى السبعينات والتي عرفت بطفرة الرفاعي" إلا بعد ما تكرمت علينا مجلة "المجلة" اللندنية السعودية فاختارت الرجل لتحدثه على ثلاث حلقات، خصصت الأولى موضوعا لغلافها وجعلت منه وهو الذى أسقطته حجارة أطفال معان و الكرك بطلا قوميا لحكمة لا نعرفها ولم يكشفها كاتب الحديث .

       ولحكمة أيضا لا يعرفها إلا أصحاب "المجلة" وصف كاتب الحديث انتفاضة الجنوب أنها "اعمال شغب غوغائية" استقال على أثرها زيد الرفاعي، مع أن الذى يعرفه القاصى والداني والذى تكرمت "الشرق الاوسط" اللندنية شقيقة المجلة بنشره إبان "الانتفاضة" كان واضحا من حيث وصف ما جرى فى جنوب الأردن بأنه "حركة شعبية" وليس "اعمال شغب غوغائية وقد دفعت هذه الحركة نظام الحكم إلى إقالة زيد الرفاعي بل وتسببت فى حدوث تغيرات جوهرية فى نظام الحكم على مختلف الأصعدة ..... فما الذى أرادته "المجلة" من إعادة إقلاق راحة القراء بنشر سيرة واحد من أكبر "الحرامية" فى تاريخ الأردن.

       ما لم تقله " المجلة " فى السيرة الذاتية العجيبة التي نشرتها لزيد الرفاعى، هو ان الرجل فلسطينى الاصل ، أبوه سمير الرفاعى من مواليد مدينة صفد عام 1899، تولى وزارة الداخلية بشرق الاردن ثم رياسة الوزارة خلفا لتوفيق ابو الهدى عام 1944 وفى 23 آذار (مارس) 1945 رأس الوفد الاردنى عضوية سعيد المفتي وسليمان النابلسي فى توقيع ميثاق الزعفران بالقاهرة والذى على اساسه قامت الجامعة العربية ، وتولى رئاسة الوزارة بعد ذلك مرتين ، الاولى بين 1956 و 1959 ثم تولى رئاسة مجلس الاعيان فى عام 1961 ورئاسة الوزارة للمرة الاخيرة عام 1963 ، توفى فى 12 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1965.

       لعل هذا يفسر جانباً من الحظوة التى تمتع بها زيد الرفاعى لدى القصر ، فقد كان ابوه من رجال الحكم ، ومن البديهى ان يترعرع زيد الرفاعى فى أجواء جعلته على تماس مباشر مع القصر الملكى ، ومن ثم لم يكن على الصعيد السياسى صاحب نظرة سياسية خاصة بقدر ما كان منفذا للكوارث المتلاحقة التى عصفت بالاردن على صعيد السياسة الداخلية او الخارجية فهو الذى فتح ابواب عمان على مصاريعها لسياسة الخطوة خطوة ويقال انه يتحمل جانباً كبيراً من خطيئة "كامب ديفيد" ، باعتبار ان مهندس الخطيئة الدكتور كيسنجر كان يعبر الى افكار وأسرار الساسة فى المنطقة من خلال تلميذه النجيب زيد الرفاعى ‍‍!!

       اما على صعيد السياسات الداخلية فان الاردن لم يصب فى تاريخه بخراب اقتصادي واجتماعى بالقدر الذى أصيب به ابان حكم زيد الرفاعى، الذى حول البلاد الى مزرعة ينتفع منها هو وبعض اقاربه واصحابة وخلانه ، فى وقت عز فيه رغيف الخبز على المواطن العادي، وامتلأت السجون بالمواطنين الاردنيين الفقراء وانتشرت عمليات بطش بالكتاب والصحافيين والمثقفين الذين ناصبهم زيد الرفاعى العداء ، وحاول جاهداً من خلال اجهزته الامنية أن يحملهم مسؤولية الخراب ، الذى صنعه بيديه!!.

       بدأت المجزرة التى ارتكبها زيد الرفاعى بحق الاقتصاد الاردنى فى مطلع السبعينات يوم تحول الرجل الى "بزنس مان" فحول معه كل اجهزة  الدولة الى ادوات لخدمة مصالحة ، وسلم المناصب العامة لآقاربه ومحاسبية وخلانه، وأصبحت الرشاوى والاعطيات والمياومات من مواصفات وميزات حكومة الرفاعى، ورجال السلطة والتموين والاقتصاد فى عهدة.

       كانت الحكومة الاردنية فى عهد زيد الرفاعى تدار من بياراته فى غور الاردن، قرب بلدة الكرامة ولحكمة لا نعرفها حاولت مجلة "المجلة" تغيير الحقائق يوم ادعت فى تقديمها لسيرة الرفاعى انه انشأ المزرعة بعد ان استقال فى حزيران (يونيو) 1976، مع ان المزرعة وجدت قبل ذلك، وكانت تدار بالكومبيوتر وتنقل منتجاتها الى اسواق اوروبا محققة للرفاعى ثروة طائلة، فى الوقت الذى كانت الازمة الاقتصادية تطحن المواطن الاردنى، وكانت المزرعة آنذاك تدار باسم عالية ابنه زيد الرفاعى، التى اعفيت بقرار من حكومة الرفاعى، من دفع 28 الف دينار اجور شحن منتجات بياراتها الى اوروبا على الخطوط الجوية الاردنية !!

       أحاط زيد الرفاعى نفسه بمجموعة من "الحرامية" فسلم دائرة الجوازات للحسيب والنسيب سامى جودة ، الذى اشيع عنه غرامة ببيع الجنسية الاردنية لمن يدفع اكثر بينما يحرم منها المواطن وحصل على صلاحية ان يزور الحقائق من خلال اجهزته المرئية والمسموعة والمقروءة ويكمم الافواه ، ليس بحل رابطة الكتاب الاردنيين فحسب بل ايضا بالبطش بالصحفيين وحملة الاقلام بدعوى ان لديهم توجهات شيوعية وتم ولأول مرة فى الاردن بيع رخص الباصات من قبل حسن الكايد، وبلغ التعهر ذروته لما امرت حكومة الرفاعى بتسديد مائتى الف دينار لمؤسسة الاقراض الزراعى نيابة عن حازم نسيبة.

       ولأن "حاميها حراميها" فان زيد الرفاعى لم يجد لمنصب وزير التجارة والصناعة غير صاحبه وانيسه رجائى المعشر الذى جير التجارة الخارجية لمصلحة مصانع الاجواخ والمدافئ والسلالم وعربات الاطفاء واعلاف (القدومى والمعشر)، التى باعوا منها بقيمة 38 مليون دولار للعراق

 وبينما شركات المعشر كانت تقوم باستيراد الفاكهة المتعفنة من سوريا بأسعار مرتفعة ، ووفقا لما ورد فى "الملف الاسود" ، الذى وزعته المعارضة الاردنية آنذاك والذى نشرناه فى "سوراقيا" العدد 204 الصادر فى 13 تموز (يوليو) 1987 فان كل ما استورده الاردن من بترول العراق كان يشتريه المعشر بأعلى من سعره الدولى بثلاثة دولارات فى البرميل من أجل تأمين صادرات رجائى المعشر واعلافه ومسحوق "الشين" واجواخه ومدافئه.!! وحتى مصر "كامب ديفيد" يقول الملف جيرت الاتفاقية معها الى مصنع جديد للثلاجات الى الوزير المعشر مقابل رشوة تدفع على كل حصة لمروان الحمود وزير الزراعة وسجلت حصة باسم سائقه كمال سعيد الالفى الذى يعمل لدى الوزير منذ خمسة عشر عاما والذى يعرفه كل اهالى مدينة السلط ... يعرفون انه وعائلته لا يملكان الف دينار كى يملكوا مائتى الف دينار.

       فى الملف الاسود ان التلاميذ الذين تسمموا نتيجة تناول لحم (الكورن بيف) المعلب خلال رحلتهم الى البتراء يتحمل وزير الصناعة والتجارة رجائى المعشر مسؤولية من مات منهم لانه هو الذى تدخل لدى المختبر التابع لوزارته للافراج عن الشحنة التي لا تنفع للاستهلاك البشرى بسبب ارتفاع التوتياء الزنك السام فيها ، وتبين بعد ذلك ان صاحب شركة (فملى) صانعة علب (الكوردن بيف) وهو من أقارب الوزير قد تدخل لدى قريبة ، الذى أمر فى اليوم نفسه والتاريخ والرقم أن يصدر المختبر  بصلاحية اللحوم!!

لقد  كان "دولة" رئيس الوزراء كريما فى منح المناصب العامة لطالبيها، وكان يختار لاقاربه مناصب تدر الملايين على من يحسن ادارتها، فأخوه خالد الرفاعي لزم اعمال الفوسفات بـ 12 مليون دينار سددت عنه ديونه واصبح بعد ذلك عضوا فى مجالس عدد من الشركات أما غازى الرفاعى فقد اصبح مديرا لصندوق التوفير البريدى!!. أما قريبة محمد الربعى الذى ضجت من فضائحه محافظة الزرقاء فقد عين مساعدا لشركة بيع المنتوجات الزراعية التى اقطعت لشريك وزير الصناعة غازى ابو حسان!!.

       ولأن زيد الرفاعى كما ورد فى مجلة "المجلة" يتمتع بروح دعابة تثير زوبعة من الضحك فى مجالسه ،  فأن هذا الترف قد يفسر جانباً غامضا من شغف زيد الرفاعى بالانفاق الباذخ على مبانى الوزارات وأثاث المكاتب فى وقت كان يعانى فيه المواطن الاردنى الامرين ، ففى الوقت الذى كانت تدعو وزارة المال المواطنين الى "شد الحزام" و "التقشف"، قامت باستئجار مبنى جديد بمبالغ دخلت أرقامها خانة مئات الالوف بينما قامت وزارة المواصلات بشراء مبنى فاخر من بنك الاسكان، ذلك البنك الذى امتص دماء الفقراء فاستفاد من الاعفاء الضريبى لتخفيض التكلفة ونقل الفائدة الى جيوب مساهمية .. وسارع الرفاعى الى تأثيث وتشطيب مبنى رئاسة الوزراء ومباركة التوقيع على صفقة شراء فندق كراون وشراء منزل وزير الداخلية السابق من قبل وزير الثقافة بمبلغ 125 الف دينار!!.

       كان زيد الرفاعى يدير الحكم فى البلاد من بياراته - كما يدير بياراته تماماً، بعدما تلاشى الخيط الفاصل بين المال العام والخاص، وأصبحت الدولة كلها مزرعة للرفاعى ولأقاربه، ونجح الرفاعى فى تكميم الافواه وضرب الاقلام واصحاب الرأي لمنعهم من التنبيه والتحذير ، مما جعل "المعارضة" تلجأ الى اسلوب المنشورات ، والتى يتم توزيعها على نطاق واسع فى المساجد، والجامعات، وجاءت حجارة اطفال معان والكرك لتسقط حكومة، الفساد، ولم تكن انتفاضة الجنوب "اعمال شغب غوغائية" وانما هى محصلة ظروف موضوعية تنسجم مع حركة التاريخ، التى أراد لها الرفاعى ان تسير وفقا لناموس الكومبيوتر الذى يسير بياراته، التى خلبت لب وعقل مراسل "المجلة" فأطنب فى وصفها!!