|
بقلم : صباح الناهي
ما الذي حدث عشية سقوط بغداد؟
يظل هذا التساؤل الاكثر الحاحا بين مجموعة من الاسئلة، التي تثار حول ما جرى في
بغداد وضواحيها، وتبقى مجموعة الغاز وتداعيات عالقة حول الحرب التي استهدفت
العاصمة العراقية مبتغى نهائيا لتحقيق الاسقاط الشامل والنهائي للنظام العراقي،
بزعامة صدام حسين، ولعل ذلك يقود ايضا الى استيضاح الحقائق المتعلقة بلعبة الكر
والفر والمراوغة التي سبقت هذه الحرب التي فتحت جراح مرحلة جديدة من مراحل
عالمنا العربي، وصاغت آليات جديدة وديناميات للصراع الاقليمي ولعبة المصالح في
المنطقة، بل هي كما يجمع الكثيرون ادخلت المنطقة كلها في مخاض جديد، وحشرتها في
مرحلة جديدة اقل ما يقال انها حرجة، الخاسر فيها كل الشعب العربي، والعراقي
اولا.
فكل المؤشرات التي سبقت الحرب ومتغيراتها اليومية كانت تؤكد على لسان صدام حسين
نفسه، بأن الحرب ستكون على اعتاب بغداد وراح يردد مرات بأن قوات التحالف ستندحر
على اسوارها ووصف طبيعتها بانها ستكون حرب مدن تسعى الاستراتيجية العراقية
آنذاك الى جر الجيوش الى داخل المدن لمقاتلة ستة ملايين من جيش القدس الذي
استعرضه في ساحة الاحتفالات الكبرى ببغداد واطلق له مئات العيارات النارية من
فوهة بندقية «البرنو» الشهيرة، مطلع عام 2000.
وكانت هناك ايضا قوات الحرس الجمهوري التي يزيد عددها على مائتي الف مقاتل، لا
سيما قوات المدينة المنورة وحمورابي التي تملك خبرة عسكرية سابقة في الحرب عام
1991 بعد الانسحاب من الكويت، والحرب العراقية ـ الايرانية حيث حسمت الكثير من
المعارك الكبيرة، اضافة الى اعداد كبيرة من فدائيي صدام المكلفين اصلا مقاومة
اية انتفاضة شعبية محتملة، لا سيما في المدن الشيعية في الجنوب والوسط، يدعمهم
الجهاز الحزبي والفرقة المكلفة مسك الأرض وحراسة ثغور المدن والقصبات، مع مئات
قوات الامن الداخلي التي تصل الى ستة اجهزة رئيسية، بين امن عام وخاص
واستخبارات مشرفة وطوارئ وسواها.
* صدام وسلاح الليزر
* ولكي يظهر صدام تلك القدرات ويضخم من قدراتها كان يظهر يوميا على شاشة
التلفاز ليتحدث مع فصائل من تلك القوى، يؤكد أن كل شيء مخطط له، بل تمادى في
عرض اجتماعاته مع القيادات العسكرية، مركّزا على صفين رئيسيين هما الدفاع الجوي
والقوة الجوية مرات عديدة، مؤكدا بشكل لافت بين الحين والحين بأن جهدا علميا
يرافق حملته هذه قدم من خلالها عشرات العلماء في مجالات التصنيع العسكري،
والاجهزة الساندة لها على شاشات التلفاز في عملية دعائية، مزدوجة الاهداف
والمرامي، لاشاعة الاطمئنان لدى الشعب العراقي بأن كل شيء مسيطر عليه وأن خطوط
ومسالك المجابهة متحكم بها، مدعّما خطابه السياسي والتعبوي بتكرار واضح لما
يقول، حتى انه تجاوز السرية الاستخبارية خلال لقائه مع القيادات العسكرية بأن
يُعلق بالصوت والصورة على بعض الجوانب التطبيقية التي يتم انجازها بهدف اقناع
الرأي العام العراقي والعربي، ليوصل رسالة مفادها بأن الدولة العراقية بكل
فصائلها ومؤسساتها ومرافقها تعمل بدأب وتعد نفسها لحملة عسكرية مدروسة تتجاوز
هزيمة عام 1991، بعد الانسحاب من الكويت، بما في ذلك مسألة الحد من قدرات
الهيمنة العسكرية الجوية المطلقة التي يمتلكها الطرف الآخر المتمثل بقوات
التحالف.
وفي سياق ما سبق سعى صدام الى مشروع كبير لاستخدام الليزر، الذي يمكن ان يوفر
استخدامه قدرة الوصول الى الاهداف الجوية البعيدة، وبالتالي اسقاطها، لذلك فقد
كُلف عدد غير قليل من الخبراء والعلماء العراقيين المعنيين بعلوم الليزر،
للتوصل الى سبل استخدامه في تدعيم القدرة الدفاعية العراقية، وكان عبد التواب
الملا حويش العاني رئيس هيئة التصنيع العسكري، صاحب القدح المعلى في مجلس
الوزراء العراقي، يعرضهم امامه وكأنهم حققوا فتوحات علمية في هذا المجال،
لتمكين قيادة الدفاع الجوي العراقي من امتلاك تقنية حديثة للمقاومة في حال
الاصطدام مع طائرات الحلفاء، ورصدت ملايين الدولارات من عوائد النفط المصدر
بطرق متعددة لدعم تلك المشاريع وأغدق على العلماء والاساتذة الذين كانوا يقدمون
اوراقا نظرية عن سبل استخدام الليزر في هذا المضمار. وتشكلت لجان بحث، يُشرف
عليها رئيس هيئة التصنيع العسكري مباشرة. واذا كان هذا الامر قد انطلى على
البعض من القيادات العسكرية، وصدق بها الرئيس في اوقات الاحاديث التلفزيونية،
فان ذلك بدا غير معقول وامرا مستبعدا لعدد من المختصين العراقيين الذين
التقيتهم في بغداد، في مراكز البحث العلمي الذين اكدوا لي أن تلك المشاريع تقع
في حيزها المختبري وتحتاج الى مصانع وأدوات علمية دقيقة ومتطورة، يحول الحصار
دون تسربها الى العراق بيسر.
لكن الرابح الاكيد من وراء تلك الاجتماعات، بل الاستعراضات كما يصفها اساتذة
الجامعة، التي تبث تباعا من شاشات التلفاز هو عبد التواب الملا حويش رئيس هيئة
التصنيع العسكري، مما دفع الرئيس الى أن يكافئه قبل أشهر بأن يصدر امرا بخط يده
ليكون نائبا لرئيس مجلس الوزراء العراقي وليلحقه بنوابه الثلاثة طه ياسين رمضان
وطارق عزيز وحكمت ابراهيم العزاوي. حتى وصل الامر بأن يتمادى بعض العسكريين من
قيادة الدفاع الجوي تحت قيادة ابن عم الرئيس مزاحم مصعب الحسن بأن يؤكدوا له
مرة اخرى، كما اكدوا له من قبل عام 1991 بأنهم تمكنوا من حسم موضوع السيادة
الجوية لقوات التحالف، وان طائراتها ستفر
مذعورة!
هكذا تحدثوا عبر شاشات التلفاز وفي مؤتمرات صحافية متكررة على مرأى ومسمع
العراقيين والعرب والعالم، وأمسى الشعب يتسمر كل يوم لسماع الرئيس ومجالس حربه
المتعددة التخصصات. هذه الصورة التي ترسبت في مدركات العراقيين سرعان ما تلاشت
حين شاهدوا خلال العشرين يوما القصف الجوي بالطائرات والصواريخ، وراحوا يلعنون
اولئك الذين كذبوا على القيادة والشعب، لكن الصورة التي ظلت ماثلة للعيان على
مرأى اولئك الجنود المساكين الذين فروا من مرابض بطاريات مدافع الـ57 ملم،
السلاح الرئيسي في مقاومة الطائرات والصواريخ، والتي يعود تاريخ تصنيعها الى
الحرب العالمية الثانية، حتى اصبحت عبئا وبالاً على الاحياء السكنية التي وضعت
فيها، رغم ان مداها لا يتعدى ستة كيلومترات لمقاومة الطائرات الاميركية
والبريطانية الحديثة التي تطلق من اضعاف هذا المدى وتصطاد الدبابات والآليات
الاخرى، وترمي بحاويات القنابل العنقودية على تلك المدافع والمواقع التي حولها،
لعشرين يوما سبقت سقوط بغداد.
وراح ضحية هذا التصرف غير المسؤول، باستخدام المدنيين مواقع تمويه لأماكن تلك
البطاريات من مواقع الـ57 ملم، عدد كبير من العراقيين. ما جرى كان خديعة كبرى
لاولئك الجنود الذين يتحدرون من بيئات فقيرة بل معدومة حين قالوا لهم بأن
مدافعهم سوف تحسم موضوع السيادة الجوية للعدو! ومن جهة ثانية، فان بطاريات
الصواريخ (ارض ـ جو) تعطلت هي الاخرى، بل تركت لادراك المهندسين الذين كانوا
يقودونها بأن اية محاولة لاستخدام الرادارات ستكون نهايتهم المحتمة، لقدرة
الحلفاء على استمكان مواقعهم، ولكي لا يقال انهم لا يصوبون على الطائرات،
فأخذوا يطلقون بدون توجيه راداري، مما تسبب بسقوط بعضها على الاحياء السكنية في
بعض الاحيان. وهذا دفع الناس بل اضطرهم الى ان يتواروا عن تلك المقاومات
الارضية ويهربوا حال رؤيتهم وجودها بالقرب من مساكنهم وقراهم كما شاهدت ذلك
بنفسي في حي الدورة قبالة طريق محمد القاسم السريع الذي يربط بغداد بالمدن
الجنوبية، حين تخلى اولئك السكان عن بيوتهم هربا من تلك المدافع التي عفى عليها
الدهر.
* عزيز كان واثقا من الهزيمة
* هذا التفوق للحلفاء كان ماثلا قبل الحرب في ذهن نائب رئيس الوزراء طارق عزيز،
الشخصية الاكثر احتمالا في الوعي والتفكير والمجاهرة بقول ما يؤمن به ويتحسسه
والذي ارتكب تجاوزا كاد يتسبب بمقتله، حين عارض (ليس بشكل قاطع) الانسياق وراء
قبول قرار الحرب، وطالب بالارتكان الى حل سياسي يضمن للعراق عدم خوض حرب ثالثة
سوف يكون مصيرها كما يستقرئه عزيز آنذاك محسوما للحلفاء، لكنه جوبه بتصدي طه
ياسين رمضان النائب الذي يتقدم عليه بالمرتبة وبدرجة واحدة، بان ما يقوله
الرفيق طارق، فيه ما يحبط القيادة وهذا غير مستبعد لميوله الغربية المعروفة
وعلاقاته التي كان دائما يشكك فيها على انها تساير رغبات الغرب، بالرغم من «ابي
زياد»، وهكذا يحلو للعراقيين كنايته، كان يبدو متشددا امام وسائل الاعلام لكي
يذهب عنه هذه التهمة، التي تسببت بتوبيخ الرئيس له بأربعين صفحة قبل اشهر على
توجهاته التي لا تنسجم كليا مع ايقاع القيادة الذاهبة كلها الى الحرب انسجاما
مع رغبات الرئيس الذي ما كان يفوت فرصة تاريخية للدخول في حروب تقدمه كبطل
قومي، يسعى الى الزعامة العربية المطلقة.
وظل «أبو زياد» اسير بيته، بعد ذلك الاجتماع حتى تم نقله الى مستشفى ابن سينا
الخاص، لنوبات قلبية اصابته، نتيجة هذا الاحباط، والافراط في الشرب لكي ينسى ما
فات وما سيحدث. لكنه حال تماثله قليلا للشفاء وبعد اطلاق اشاعة هربه من بغداد،
امر بأن يظهر امام الصحافيين وجاء مضطرا ليلقي ببعض كلمات مدروسة تحدث فيها عن
الانتصار والمقاومة، ليفند تلك الاشاعة التي روجتها وسائل الاعلام العالمية..
التي استنتجت ذلك حين كان «ابو زياد» خارج اجتماع القيادة وقتها، هو في الحقيقة
كان راقدا في مستشفى ابن سينا تحت العناية المركزة.
* صبري تحول ايضا «صقرا»
* من جانبه، فان ناجي صبري، خلف طارق عزيز الذي يمتلك مواصفات متقاربة له،
والذي كان يشغل حقيبة الخارجية العراقية، اراد ان يتحول من حمائم مجلس الوزراء
الى صقورها، فأخذ يتحدث بلغة ليست من منظومته الهادئة والرصينة كما هو معروف.
فحين التقيته في مبنى الخارجية قبل اندلاع الحرب اصر على ان يصدر عبارة الرئيس
في اجتماعاته السابقة «ان سيادة الجو لهم وسيادة الأرض لنا». وحين امعنت
التدقيق معه في ذلك رفض الاسهاب في الحديث عن ذلك، بل راح يشتم بعض الاميركيين
ويصفهم بنعوت لم يتفوق فيها عليه سوى محمد سعيد الصحاف، الذي سحب ناجي من يده
في السادس من ابريل (نيسان) مع وزير التجارة وطاف بهما على الوكالات الصحافية
بمهمة استعراضية لم يسبق ان تكرم المسؤولون العراقيون بالتصرف بها، حيث كانوا
على الدوام يرفضون الوقوف امام الكاميرات الا وهم خارج البلاد. وبعدها لم يظهر
ناجي صبري ولا وزير التجارة، واختفى اوميد مدحت مبارك وزير الصحة، الذي ذهبت
لمقابلته في مكتبه، ومكتبه البديل في المستشفى التمريضي الخاص، الى اين لا احد
يعلم.
في الجانب الآخر فان عددا من خبراء الحرب أقنعوا على ما يبدو صدام حسين، لا
سيما من عائلته واسرته، بان الهدف الحقيقي سوف لن يكون بغداد بل تكريت، عاصمة
الاسرة الحاكمة والمدينة التي يخرج منها كل المكلفين إدارة المواقع الحساسة في
الدولة، من منطلق كونها صاحبة الولاء المطلق، مما يقتضي تحصينها جيدا، فوضع
قواته بين بغداد وتكريت وأرسل لها الميليشيات الشعبية لحراسة بغداد في بعض
المنافذ لا سيما في الجهة الشمالية والشرقية قبالة محافظة ديالى، وجل هذه
الميليشيات الشعبية المؤلفة من جيش القدس تحت قيادة إياد فتيح الراوي المشهود
له في تحرير الفاو وغزو الكويت، الرجل الامين على تنفيذ رغبات صدام حسين، حين
كان في قيادة الحرس الجمهوري، وكانت مهمة هذه الميليشيات الحيلولة دون اي تسلل
عسكري وخرق لمدينة بغداد ومقاتلة الهابطين بالمظلات من الاميركيين والبريطانيين
وكان سلاحهم لا يتعدى بنادق الكلاشنيكوف والـ«آر. بي. جي» المحمول على الاكتاف
الذي لا يتجاوز مداه الكيلومترين، تسندهم فصائل ومجاميع متناثرة من فدائيي
صدام، وشُعب الحزب التي كلفت مهمة مكافحة اي اعمال شغب متوقعة ومحتملة، حيث
تمكنت من ذلك حتى دخول القوات الاميركية، حين فرت بل تلاشت تلك المجاميع بليلة
وضحاها وكأنها قطع الملح الصغيرة التي ذابت في الماء. لقد كان التفوق الجوي
الاميركي ـ البريطاني امرا بديهيا يعرفه الجميع حتى ان عامة الناس كانت مدركة
كيف الحال بالنسبة للعسكريين الذين رأوا بأعينهم كيف ان الناقلات والدبابات
وأكداس العتاد تتفجر امام اعينهم. انه امر محير، لكن الحيرة الاكبر التي وقع
فيه الجيش والميليشيات انها انقطعت عن قياداتها تماما.. بل تلاشت تلك القيادات،
فما عادت مديرية المخابرات العسكرية قادرة على تأمين اي اتصال مع اي وحدة
عسكرية.. حتى ان الكابلات الضوئية التي عدها عبد التواب الملا حويش رئيس هيئة
التصنيع العسكري صفقة العصر، حيث اقنع الصينيين بأن يؤمنوا تلك الخطوط الضوئية
ودافع عنها امام الرئيس وقيادته السياسية بأنها مفتاح حل عقدة الاتصالات، وعمل
جاهدا على منع وصول رأي مخالف قدمه احد ابرز الباحثين في العراق بعلوم الليزر
الذي فند ادعاء عبد التواب الملا حويش بأن اختراق تلك الكابلات الضوئية ممكن،
وبواسعة اشعة الليزر، وأن استمكان وجودها سهل من قبل الاقمار الصناعية ومتحسسات
الطيران المتحالف، الى ان ضربت فوهات التنفيس وعقدها واحدة تلو الاخرى وعلى طول
الطريق من شمال العراق وجنوبه، مما ادى الى اختراق وتدمير بعضها، بالرغم من
تحويل مواقعها التي حددتها الشركات الصينية المنفذة لهذا المشروع الذي تجاوزت
قيمته المليار دولار.
لقد انقطع كل شيء بين غرف العمليات السرية التي كانت معدة في بيوت ومناطق
سكنية، ولم يعد بالامكان ان تتصل القيادة في ما بينها الا بحدود دنيا، حتى
اليوم السابع من ابريل عندما دخلت القوات الاميركية «مطار صدام الدولي»، وسارعت
في بث صور عن دخولها بواسطة «الفيديوفون» الذي حمله الاميركيون معهم واظهروا
للعالم أنهم وصلوا الى بغداد، ذلك المطار الذي يبعد عشرين كيلومترا عن اقرب حي
سكني في بغداد، مستبقة محاولات اختراق للعاصمة من الضواحي الجنوبية عبر آليات
محمولة.. واجهت كثافة نار شديدة من الميليشيات التي حاولت صدها في بادئ الامر..
مما اضطر الرئيس الى ان يجد في ذلك بداية انهيار عسكري غير متوقع، فجمع فلول
بعض قياداته يوم 8 ابريل في جامع ام الطبول، وتسرب لنا أنه تحدث معهم بقسوة
حينا، وترجى أن يبعدوا تلك القوات الغازية خارج المطار وقال لهم كيف تصمد مدن
الشيعة ولا تصمد بغداد المحمية بالحرس الجمهوري؟ وشدد عليهم بأن يخرجوا تلك
القوات وبأي ثمن ووسيلة. بل طلب ان يُصلى في المطار، مما دفع تلك القوات الى ان
تندفع باتجاه المطار بعد ضربه بصاروخين ارض ـ ارض من نوع «الصمود» اطلقا من حي
العدل القريب من المطار. وقيل انهما تسببا بمقتل اعداد من القوات الاميركية،
مما اضطرها للانسحاب الى الخط السريع الذي يربط بين مدينة الفلوجة في الغرب
باتجاه مناطق الفرات الاوسط. ورأيت بأم عيني تلك القوات من ألوية الحرس
الجمهوري وفدائيي صدام، تندفع ليلا الى المطار من خارج سياج الطريق العام
الموصل له. لكن لم يرجع احد منهم.. اين اختفوا؟ بأية اسلحة ضربوا؟ ولماذا مُنع
الصحافيون في ما بعد من الاقتراب من المطار؟ بداية الانهيار الذي حدث، واختفاء
القيادات والمسلحين الى المجهول واختراق الدبابات الاميركية لشوارع بغداد حتى
قصر السجود والقصر الجمهوري ووقوف دبابتين فقط فوق جسر الجمهورية في قلب بغداد
وقبالة نصب الحرية الشهير في الضفة الاخرى، يؤشر لانهيار العاصمة، وهو السقوط
الثالث لها بعد دخول المغول عام 1258 على يد هولاكو، ودخول الجنرال مود لها عام
1920، والمارينز عام 2003، لكن هذا السقوط هو الاكثر دلالة لانها سقطت وهي تملك
احد اهم الجيوش العربية. كما كان يقال.
|