كتب: زهير جبر

هذا غلاف مجلة " الوطن العربي " لصاحبها وليد ابو ظهر .... والعدد يعود الى مطلع الثمانينات عندما كانت المجلة تقبض من المخابرات العراقية وكان صاحبها يداوم في بغداد اكثر مما يداوم في مكتب المجلة في باريس ... وكانت مهمة ابو ظهر - وهو وكيل سابق لاحذية باتا في لبنان - هي تلميع قادة النظام العراقي الذين احتلوا اغلفة المجلة لسنوات عديدة قبل ان يغير ابو ظهر من تحالفاته وينتقل الى الطرف الاكثر " دفعا " .( انقر على غلاف المجلة لتكبيره ).

مناسبة اختيارنا لهذا الغلاف الذي يبروز " طه ياسين رمضان " هو ما قرأناه في افتتاحية وليد ابو ظهر التي نشرها في مجلته قبل يومين وفيها يتحدث عن طه ياسين رمضان ورجال صدام ولكن هذه المرة حديث من يحاول ان يوحي للاخرين بأنه كان على خلاف وعداوة مع النظام العراقي مفترضا ان القراء " حمير " وان ذاكرة القاريء مثل ذمة وليد ابو ظهر ... ذمة " كوتش " على حد تعبير اخوتنا المصريين .( انقر هنا لقراءة المزيد عن الصحف التي كانت تمول من قبل صدام حسين ".

فيما يلي النص الحرفي لافتتاحية وليد ابو ظهر الذي شارك في تلميع وتسويق صدام وزمرته يوم كان يقبض منهم والذي - اقصد وليد - لم ينشر كلمة واحدة عن مذابح حلبجة ومقابر صدام الجماعية من قبل ... ونحن نعيد نشر افتتاحية وليد ابو ظهر المنشورة في العدد الاخير من مجلته " الوطن العربي " ولسان حالنا يقول : " اذا لم تستح فاصنع ما شئت".

يقول وليد :

"طه ياسين رمضان وعلى حسن المجيد نموذجان أخيران عن مأساة صدام حسين وعن مأساة ما فعله صدام حسين بشعبه، وهى مأساة سببها شخصية الحاكم وتركيبة نظامه، عندما حول بلده بشعبه وثرواته إلى مزرعة خاصة هو الحاكم بأمره فيها، ثم وزع المغانم والامتيازات والمواقع على الأزلام والمحاسيب وأبناء العائلة، وسلمهم كل المؤسسات السياسية والأمنية والحزبية والاقتصادية، ومنحهم حقًا لا ينازع فى التحكم برقاب المواطنين.
وماذا كانت النتيجة.
اختفى كل هؤلاء فى أوج المعركة وسقطت بغداد كالسحر بدون طلقة واحدة، وانهار النظام كقصر من الرمال داهمته موجة بحر، وانهار العراق بكل هيئاته ومؤسساته.
أين طه ياسين رمضان الآن الذى كان أيام سطوته يرأس محاكم إعدام الرفاق وغير الرفاق، وظل حتى اختفائه يردد مع أزلام النظام "بالروح بالدم نفديك يا صدام" ؟
أين تبخر على حسن المجيد، هذا الرجل الدموى الذى اقترن اسمه بالرعب والمجازر، قبل أن يختفى مع بدء الهجوم الأميركى على العراق، ليظهر بعد ذلك والجنود الأميركيون يقتادونه ذليلاً إلى سجن المطار، ليقبع فيه مع جماعته الذين طالما أقسموا بالدفاع عن صدام والعراق.
وحدهما قصى وعدى، رغم كل جرائمهما، تفردا بالقتال حتى الموت، أما صدام حسين فقد بقى وحيدًا، وأتخيله فى مكان ما بالصحراء يبحث عمن يحميه أو يأويه.
هذا "الزعيم" القائد المهيب الركن" وجد نفسه وحيدًا، بلا رجال حوله، ما أن اقتربت الموسى من ذقنه، حتى انفض جميع المنتفعين المنافقين من حوله. فلم يتوفر له من "الرفاق" من يحميه ولا من يحمى نظامه، ولا من يقاتل دفاعًا عن أسوار بغداد. جميعهم ذابوا فى رمال الصحراء، قادة الجيوش والفرق والألوية الذين كانت توزع عليهم الرتب والمكافآت السخية، حارمًا أبناء شعبه منها، وفى المقابل كانوا يغدقون عليه العهود والوعود والهتافات أمام عدسات التلفزيون. طالما سمعناهم يؤكدون على أن خططهم جاهزة لصد العدوان الأميركى، وأنهم مستعدون للتضحية والاستشهاد فى سبيل صدام والعراق العظيم، وعندما وقعت الواقعة اختفى هؤلاء، ولم يدافع أحد ولم يستشهد أحد، وها هم يستسلمون الآن واحدًا بعد الآخر، ويقعون فى الأسر وقد سقط سيف البطش من يدهم، فإذا بهم بملابسهم المزرية وملامحهم الجديدة، يمثلون قمة الذل والانكسار، بعد أن كانوا إلى وقت قريب يمثلون قمة البطش والخيلاء. أما صدام حسين، فلا شك أنه مازالت حوله قلة من "النشامى" الذين يساعدونه فى ضرائه بعد أن تنعموا فى "سرائه"، لكننى أشك فى أن صدام حسين يفكر الآن فى الكارثة التى تسبب بها للعراق ولأمة العرب، ولا يشغل باله بالمصير البشع الذى آل إليه شعبه بل إن جلّ تفكيره منصب على النجاة بنفسه من أن يكون مصيره كمصير "رفاقه" أو مصير ولديه.
وقد رفضت الجيوش القتال، وهرب القادة، وكيف يحارب المرتزقة عن نظام علاقتهم به علاقة منفعة مادية فقط؟ لكن الخيانة الكبرى لم يرتكبها هؤلاء وحدهم، الخيانة الكبرى ارتكبها صدام حسين ضد العراق وضد أمته العربية، فهو لم يبن وطنًا، بل بنى مزرعة لأهوائه وخيلائه، وقضى 35 سنة قابعًا على صدور العراقيين يمتهن كرامتهم ويسلبهم ثرواتهم الوطنية ويوزع بعضها على محاسيبه، ويهددهم فى أرواحهم إذا ما تنفس أحدهم بدون أمر منه.
وصدام حسين أمثولة لغيره، وما جرى فى بلاده عبرة لمن يعتبر، وهى أن الشعوب هى التى تبنى الأوطان وتدافع عنها. غير أن النظام العراقى لم يصنع دولة من شعب، وبالتالى لم يبن شعبًا يقاتل عن وطنه، وكيف يقاتل لحماية نظامه وهذا النظام ما قام وما استمر 35 سنة إلا بقتال شعبه وإرهابه وتكميم أفواهه والتحكم فى أرواحه. فكل أجهزته الأمنية كانت موجهة ضد العراقيين تطاردهم وتقمع الأبرياء العزل.
أين ذهبت أجهزة صدام وأمواله وأسلحته؟ أين الأقارب والأزلام والمحاسيب ؟ أين المخلصون الذين أقسموا على الولاء والتضحية بالروح والدم من أجل "الزعيم القائد"؟ أليس من سخرية القدر أنه لم يجد بين 25 مليون عراقى ومن بين جيوشه الجرارة سوى 2000 عراقى يقاتلون إلى جانبه.
هذه هى مأساة صدام، ليس فى مواجهة الأميركيين بل فى مواجهة شعبه، ولو قيّض له أن يفكر الآن قليلاً وهو مطارد ذليل وخائف فى الصحراء ويسأل نفسه: لماذا فضّل العراقيون الاحتلال الأجنبى على حكمه "الوطنى" .. لو فكر قليلاً لعثر على الجواب، لكنه لا يفكر.
هذه هى مأساة صدام، لكننا نأمل ألا تكون مأساة أمتنا أيضًا ومأساة بعض حكامنا. إذ إن بعض الحكام العرب مازالوا حتى الآن يسيرون على درب صدام، جنرالات وضباط وجيوش وأجهزة أمنية لا تعمل إلا فى قمع مواطنيها، وتعمل على توسيع الهوة بين الحاكم والشعب الذى ليس له أى حق سوى فى إطاعة الأوامر.
لكن الشعوب الممنوعة من التفكير والمحرومة من حرية التعبير عن رأيها لا تتفاعل مع الحكم ولا يترسخ لديها مفهوم الوطنية والولاء الحقيقى، وفى لحظة الحقيقة لا تقاتل ولا تدافع عن نظام لا تؤمن به.
وإذا كان صدام حسين قد حول شعبه إلى شعب "ريموت كنترول"، فإن بعض الحكام العرب يطبقون نظرية "الريموت كنترول" على شعوبهم، فبضغطة زر تنزل الجماهير إلى الشوارع، وبضغطة زر ترفع الشعارات المحفوظة عن ظهر غيب من غير قناعة أو فهم، وبضغطة زر تحضر المؤتمرات الرسمية وتصفق وتبتسم أو تزمجر، فنظرية "شعب تحت الطلب" صدقها صدام حسين ودفع ثمنها هو والعراق، ونخشى أن يدفع ثمنها بعض الحكام العرب الآخرين.
والآن وقد وقعت الواقعة بالعراق، المطلوب من بعض دولنا وحكامنا أن يتعلموا درس صدام قبل فوات الأوان، وأن يدركوا أن الشعوب هى السند الحقيقى لبناء الأوطان ولاستمرارية الحكام، الفرصة مازالت تسمح لنا بالتغيير ، والتغيير المطلوب والضرورى ليس بالنزول عند مطالب الأميركيين بل بالاستماع إلى مطالب شعوبنا والاقتراب منها.
فلو أنفق صدام حسين ربع ما أنفقه على استمالة المحسوبين والأوفياء الذين باعوه بأبخس الأثمان فى النهاية، لو أنفقه على الشعب العراقى ولخدمة مواطنيه وتحسين أوضاعهم وظروفهم المعيشية وعاملهم بديمقراطية وحرية ولبى مطالبهم العادية لكانوا قد دافعوا عنه وأنقذوه فيما هم ينقذون العراق ويدافعون عن كرامتهم وعزة وطنهم.
مأساة صدام ومأساة العراق هى الدرس الحقيقى اليوم لبعض حكامنا العرب لكى يعيدوا النظر فى حساباتهم وفى علاقاتهم مع شعوبهم. فبالحرية والديمقراطية والاهتمام والرعاية يشعر المواطن بانتمائه ويزداد ولاؤه لبلده وحتى للنظام. فالجيوش لا تحمى ولا الأنظمة. ودرس العراق أن النظام لا يحميه إلا الشعب. ولا ينفع أن يستمع الحاكم يوميًا إلى أصداء الشعارات الرنانة التى يطلقها على شعب الريموت كنترول. المعركة الحقيقية هى المحك الفعلى لشعار "لا صوت فوق صوت المعركة"، و "بالدم والروح نفديك يا ... ". الولاء للوطن لا للحاكم هو الذى ينقذ الوطن، وإلا ستتكرر حتمًا مأساة صدام مع عدد من حكامنا وسيسقط آخرون مثل صدام دون أن يرفع أى مواطن إصبعه للدفاع عن مزرعة الحاكم و "ملكه الخاص" فشعب الريموت كنترول ينتج حكامًا "ريموت كنترول". يسقطون بضغطة زر مثل ورق الخريف مخلفين وراءهم كوارث لا تعد ولا تحصى على الشعوب العربية التى تدفع ثمنًا باهظًا وترهن مصيرها لقوى احتلال أو لحروب أهلية وخراب لعشرات السنين.