|
أمام جهاز التلفزيون في شقتهم المفروشة بالسجاد الشرقي، والمزينة بفوانيس
كبيرة، وبعض المرايا، في مدينة أنانديل الصغيرة بولاية فرجينيا، أتيحت لمنيرة
وحامد مراد مشاهدة اللقطات التي كانت تصور سقوط تمثال صدام حسين في فرحة لا
حدود لها. قالت منيرة يا له من يوم عظيم.. لقد جف حلقي من كثر ترديد عبارات
الثناء والتقدير لأميركا ولجورج بوش.
لكن.. زوال نظام صدام حسين يعني أيضاً أن املا طالما تمسك به هذان الزوجان
العراقيان منذ 20 عاما سيتحطم او سيتحقق.
يأمل هذان الزوجان في أن يكون أبناؤهما الثلاثة الذين اختفوا في سجون صدام منذ
مطلع الثمانينات ما زالوا على قيد الحياة. يقول حامد: «لقد كنا نصاب بالاحباط
كثيراً عندما يخبروننا بأنهم لم يجدوا أحداً في السجون». وأثناء فترة حكم صدام
لم يفكر الزوجان في اثارة مسألة اختفاء أبنائهما خوفاً من ان يصبحوا ضحايا
لانتقام السلطة، لذلك لجآ الى قنوات سرية وكذلك الى بعض المسؤولين الأميركيين
ومنظمات حقوق الإنسان العالمية بحثاعن أية معلومات بشأن أبنائهما، ولكن في 12
أبريل (نيسان) تحرر الزوجان بما يكفي وقررا إنشاء موقع لهما على شبكة الانترنت
حول أبنائهما المفقودين.
وكان الموقع www.moradbrothers.com يحمل آخر صور للأبناء المفقودين.. سمير كان
في الرابعة والعشرين من عمره وهو فني رادار في الجيش العراقي حينما اعتقل عام
.1982 وبعد سنة ونصف السنة من ذلك أعتقل كل من شقيقيه باهر، 22 سنة، الذي كان
قد تخرج لتوه في كلية الطب بجامعة بغداد، ونمير، 19 سنة، وكان طالباً في إحدى
الكليات التقنية.
يقول أثير، أصغر أبناء العائلة البالغ من العمر 26 سنة وسيتخرج قريباً في احدى
كليات الطب بجامعة فرجينيا: «كان علينا أن نبقى صامتين طيلة 20 عاماً، أما الآن
وقد تحرر العراق فقد حان الوقت لنعلن ماذا كان يجري، ونتصل بوسائل الاعلام التي
يمكنها مساعدتنا في البحث عن إخوتي. وإذا لم يكونوا في العراق نود أن نعرف ماذا
حدث لهم، وكيف توفوا.. إنها أشياء مؤلمة ولا يفكر والداي في مجرد الحديث فيها».
كان أثير في السادسة من عمره حينما اشتد الخطب بأسرته وطالها شر ممزق في منتصف
الثمانينات. وبرغم أن ذاكرته لم تكن تستوعب كل شيء إلا أنه يدرك جيداً أن شراً
مستطيراً قد لحق بأسرته. في ذلك الوقت كان العراق في حالة حرب مع إيران وكانت
عائلة مراد ، مثل بقية الاكراد الشيعة الذين يعرفون ايضا بالاكراد الفيليين ،
موضع شبهة من قبل السلطة التي كانت تعتبرهم موالين لايران. وقد بدأت مأساة
الأسرة في عام 1982 حينما اعتقل سمير. وبعد أشهر قليلة لاحقة اعتقل الأب حامد
الذي كان يعمل في مصلحة الجمارك وتم إبعاده الى إيران. وفي ذلك الوقت كان أكبر
الأبناء نمير يدرس في لندن، وهو الآن استاذ جامعي في الجيولوجيا. ويتذكر أثير
جيداً أنه في مايو (ايار) 1984 حضر اليه في مدرسته ببغداد بعض ضباط الشرطة
واقتادوه من فصله الدراسي ووضعوه داخل شاحنة شركة، حيث كانت والدته وهي تبكي
وسط اكداس من الحقائب. بعد ذلك اعتقلت الشرطة الأخوين باهر ونمير.
اقتيد الجميع الى مبنى كبير في بغداد، وكانت هناك لافتة مكتوب عليها محطة
كهرباء، ولكن من الداخل كان المبنى عبارة عن «مركز للابعاد» وهو مكدس بمئات
الاكراد الفيليين. وبعد شهر من ذلك الحادث تم اعتقال كل الرجال الذين كانوا في
سن الخدمة العسكرية ومن بينهم شقيقا أثير ورحلوا. يقول أثير: قالا : اعتنوا
بالوالدة. وكانت تلك آخر مرة أشاهدهما فيها. أما أثير ووالدته فقد أبعدا الى
إيران ضمن مجموعة من العجزة والنساء والأطفال، وقد أجبروا جميعاً على السير على
أقدامهم لمدة 12 ساعة قبل ان يصلوا الى الحدود الإيرانية. وفي إيران التم شملهم
مع حامد. وفي عام 1985 دخل ثلاثتهم الولايات المتحدة كلاجئين.
وعبر السنوات أرسلت الأسرة عدة التماسات الى الحكومة العراقية بشأن أبنائها
ولكن دون جدوى. وفي عام 1989 تسلمت الأسرة تأشيرات لاجئين لابنائها المفقودين،
مبينة عليها عنوانهم على أساس: «سجن غير معروف في العراق. أما آخر الاخبار
بشأنهم فقد تسلموها قبل تسع سنوات حينما أخطرهم أحد العراقيين الذين أطلق
سراحهم بأنه قابل باهر ونمير في السجن».
وتقول والدتهم منيرة، 58 سنة، والدموع تنهمر من عينيها: «لقد فقدتهم منذ 21
عاماً، إنه أمر لا يصدق، إنه حلم». ويقول حامد، 69 سنة: «هذه هي نهاية الفيلم..
والنهاية هي أن نجد أبناءنا الذين نأمل في أنهم أحياء».
|