سقط نظام صدام حسين وتتساقط الآن اسسه ودعاماته تحت وقع اقدام الجنود الاميركيين. ففي مقر الدعاية الرئيسي للرئيس المخلوع تحملق عيناه من مئات الصور المشتتة فوق ارضيات الطوابق القذرة، وهي صور التقطت في مختلف المناسبات خلال حكم امتد على مدى ثلاثة عقود. ففي واحدة من الصور يظهر صدام وهو يستقبل ياسر عرفات والملك حسين ويظهر في اخرى وهو يقبل اطفالا ويستقبل أفراد فرقة كوماندوز، الا ان هذه الصور هشمت تماما وانتشر زجاج اطاراتها على ارضيات طوابق المبنى.
القصور والفلل الفاخرة التي يملكها ابناء صدام حسين والاصدقاء المقربون جردت تماما وفتحت لكشف الابهة التي كان يعيش فيها ساكنوها. على الرغم من ادعاءات التدين والورع، فان ما اتضح كشف بوضوح ان النخبة العراقية الحاكمة كانت تتبع نمط حياة غربي حتى النخاع، اذ ان منازلهم كانت تحوي اجهزة الكومبيوتر الاميركية الصنع والويسكي والافلام الفاضحة وافلام الفيديو وتسجيلات موسيقى البوب. كان افراد هذه النخبة مولعين بقيادة سيارات الشيفروليه الواسعة وتدخين سجائر المارلبورو وقراءة مجلة «نيوزويك». كانوا ايضا يستخدمون مسدسات من طراز «بيريتا» ومسدسات «سميث آند ويسون» الخاصة ذات المدى القصير ويحتسون الشمبانيا الفرنسية وشراب الجن.
ان فترة اسبوع من التجول والبحث وسط انقاض الابنية التي يضمها القصر ومجمع المقر الرئاسي يمكن ان تكشف بوضوح عن طبيعة نظام حكم كان مولعا بالراحة والحياة المترفة في وضع يتسم بالابهة والابتذال في نفس الوقت. فالمنطقة الواقعة الى الغرب من نهر دجلة، وهي منطقة حجبت باستمرار عن انظار المواطن العراقي العادي من خلال الجدران العملاقة العالية، كانت في واقع الامر عبارة عن ناد ريفي خاص يحتوي على احواض سباحة وغرف لممارسة هواية رفع الاثقال وارضيات من الرخام اللامع وشاشات تلفزيون عملاقة وقوارب صغيرة للتجول عبر قنوات مائية داخل القصر اطرافها منحوتة من حجر مصقول. والمئات من المسؤولين البارزين في حزب البعث والحرس الجمهوري الذين كانوا يعيشون في قصور ومنازل فاخرة ذات حدائق غناء وبساتين لم يستطيعوا في ما يبدو حمل الصناديق التي ملأوها بالاوراق المالية من فئة المائة دولار اميركي، اذ عثر جنود اميركيون الجمعة الماضي على ما يزيد على 650 مليون دولار نقدا مخبأة في 164 صندوقا داخل غرفة محكمة الاغلاق.
لقد ظلت النخبة حتى سقوط بغداد غارقة في حياتها المترفة ترتشف الشاي وهي تنظر الى صور صدام حسين او الملصقات التي يظهر فيها او حتى التقويم السنوي الذي يحمل صورته ايضا.
لم يكن بوسع المواطنين العراقيين رؤية سيارات المرسيدس المحصنة ضد الرصاص او الزورق الفاخر الذي كان مخزنا في احد المستودعات او مجموعة سيارات الشيفروليه والبونتياك والسيارات الرياضية والسيارات ذات الاغطية القابلة للطي. لم يكن المواطنون العراقيون العاديون يعرفون شيئا عن حدائق الحيوان الخاصة، التي يطعم الجنود الاميركيون الاسود والفهود الجائعة فيها خرافا حية، كما اضطر جندي اميركي الى اطلاق الرصاص على الدب عندما خرج من الحظيرة ورفض العودة اليها. وفي حديقة الحيوانات الخاصة التي يملكها عدي صدام حسين يطعم الجنود الاميركيون ثلاثة اسود جائعة نعاما وغزلانا حية. اما القطط، فتغفو تحت لافتة كتب عليها الجنود الاميركيون «من يضبط وهو يعتدي على أي من حيواناتنا، سيكون وجبتهم المقبلة».
ومن الاشياء التي ربما كان المواطنون العراقيون على علم بها هذه الاسلحة الموجودة داخل هذه القصور. فهناك ترسانة كاملة في كل بيت وعثر في بعض الغرف على بنادق «ام. بي ـ 5» السريعة الطلقات مطلية بالذهب، وفي بعض الحالات عثر على صناديق اسلحة مرصوصة حتى السقف تضم «كولت دياموندباك» عيار 38 و«ماغنام» عيار 357 القتالية ومسدسات «سيغ سوار»، لا تزال في صناديقها وداخلها ارشادات الاستخدام، بالاضافة الى كميات وافرة من الذخيرة المعبأة في صناديق.
ولكن كيف يصبح المنزل الفاخر والحياة المترفة من دون مخبأ؟ كل القصور والمنازل الفاخرة مزودة بغرف محصنة ومخابئ، ففي بعض الحدائق تظهر بعض اكياس الرمل وسط الزهور وأسيجة الحناء مغطاة بسعف النخيل ولكن ليس بصورة كاملة. وعلى جانبي الطرق داخل القصور نفسها وعلى الطرق المؤدية اليها من داخل المدينة جرى تحصين عدد من المواقع واحيطت بأكياس الرمل استعدادا للهجوم الاميركي.
لقد أخلى مسؤولو حزب البعث وأفراد الحرس الجمهوري الذين فروا من بغداد القصور والمنازل الضخمة التي كانوا يسكنونها من الكثير من وثائق دامغة يمكن ان تثبت ادانتهم، لكنهم لم يأخذوا كل شيء، فقد تركوا ملفات وسجلات رئيسية وسجلات اداء ويوميات ومجلات وكتيبات ارشادية وصورا ووثائق ولوائح وبيانات رسمية. وترك سكان المدينة الذين نهبوا اجزاء من مجمع القصر الرئاسي لمدة يوم كامل قبل ان تسيطر عليه القوات الاميركية هذه الوثائق ولم يأبهوا بها في ما يبدو. ويعكف الآن فريق من الضباط وخبراء مكافحة التجسس وعناصر من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي. آي. اي) ومكتب المباحث الفيدرالي (اف. بي. آي) على فحص هذه الوثائق والسجلات. وقال الضابط ستيفن ووكر انه لا بد من اجراء عملية فحص كامل ودقيق لكل هذه الوثائق، وأشار الى ان هذه العملية ربما تستغرق بعض الوقت.
ومن بين حطام القصر يمكن ان تظهر بعض المؤشرات على طبيعة النظام العراقي المتناقضة. ففي احد الغرف التي تظهر على جدرانها صور لصدام حسين وابنه توجد طاولة كان يستخدمها في ما يبدو عدي عليها اوراق تحتوي على مواصفات لسيارة فارهة حصل عليها من موقع «ياهو» على شبكة الانترنت هي «استون مارتن» سعرها 231260 دولارا، ومواصفات لسيارة مرسيدس بينز سعرها 77850 دولارا الى جانبها صفحة «ياهو» اخرى تحتوي على آيات قرآنية تتحدث عن اهمية التحلي بالأمانة. وثمة مبنى آخر من عدة مستويات داخل مساحة القصر خاص بصدام حسين اطلق الجنود الاميركيون عليه اسم «عش الغرام»، رغم انهم لم يعثروا على دليل يثبت ان صدام حسين كان يقيم هناك. ويطغى على ديكور هذا المنزل طابع «الديسكو» خلال حقبة السبعينات من سجاد بني اللون ومرآة مظللة وشريط كاسيت يحتوي على بعض افضل الاغاني لفرقة «بي. جيز» التي ذاع صيتها خلال تلك الحقبة.
وفي احدى الحانات الداخلية زجاجات ويسكي «جوني ووكر» وكونياك «اوتارد» و«سيغوين». والصندل المستخدم للحمام وردي اللون، وحتى سلال وضع النفايات مصنوعة على شكل قلوب. وداخل احدى الخزانات الزجاجية للكتب تظهر مجموعة كاملة من الخزف الصيني عليها الخاتم الاميري لاسرة الصباح الحاكمة في الكويت، اذ من المحتمل ان تكون هذه المجموعة قد نهبت من الكويت خلال غزو العراق لها عام 1990 لتوضع هنا في هذا المنزل الذي تظهر على جدرانه رسومات خيالية لنساء عاريات الصدور ورجال ذوي عضلات وهم يقتلون بالسيوف تنينا او افاعي.
ويبدو ان بعض مسؤولي حزب البعث قد عادوا الى منازلهم بعد بدء حملة القصف الاميركية واحكموا اغلاق النوافذ المكسورة بالبلاستيك واغلقوا النوافذ والابواب بالأقفال، الا ان اللصوص كسروا هذه الاقفال مستخدمين القضبان الحديدية وهشموا الابواب ودخلوا الى الغرف، ولم يجد الجنود الاميركيون صعوبة في الدخول ايضا واخذوا ما يحتاجونه ثم تبعهم الصحافيون الذين اخذوا بعض القطع الصغيرة المتناثرة والتذكارات وسط قطع الزجاج على ارضيات الغرف والصالات.
وداخل مبنى الدعاية المجاور المكون من طابقين ظل طاقم بكامله يعمل عاما بعد عام لجعل شخصية صدام حسين مطبوعة في ذهن كل شخص على نحو مستمر. وحتى في بلد لا يخلو فيه منزل او مكتب او مؤسسة عامة من صورة او تمثال نصفي او جدارية لصدام حسين، فان الدعاية لتخليد صورة صدام حسين امر مثير للاهتمام. فالغرف تحتوي على آلاف الصورة لصدام حسين في اشكال لا تحصى، فهو يظهر في بعضها كفارس عربي ورجل نبيل شهم وفارس قوقازي ورجل كوماندوز عراقي ورجل دولة وقائد للجيش ببزته العسكرية الرسمية ومتسلق جبال ألماني. كما ان هناك عددا لا يحصى من الصور التي يخاطب خلالها صدام حسين قواته او يظهر وهو مجتمع مع جنرالاته او بصدد القاء كلمة او يواسي الارامل او يعانق اطفال المدارس أو يحيي رجالا ملتحين.
وهناك البومات ملئت بصور مختلفة لصدام حسين يظهر في بعضها وهو شاب نحيف قبل ثلاثة عقود تقريبا ثم بعد بلوغه منتصف العمر، الى جانب صور اخرى اخذت قريبا في ما يبدو.. كل هذه باتت الآن مشتتة على ارضيات القصور والمباني الاخرى وهي ملطخة بآثار الأقدام والقذارة، ولقي نفس المصير ارشيف الميكروفيلم ومئات الاشرطة التي تحتوي على تسجيلات صوتية للرئيس العراقي المخلوع الى جانب اكوام من اشرطة الفيديو. اما التقويم السنوي الذي تظهر عليه صورة صدام حسين والموجود في كل المباني الحكومية، فقد دفن الآن تحت قطع الزجاج. أما الاشياء التي لم تتعرض لأي اعتداء هي الاعمال التي لم تستكمل في ماكينة دعاية صدام، اذ لا تزال هناك مئات الالبومات الجديدة التي رصت بعناية بالاضافة الى اطارات الصور المذهبة الفارغة فراغ النظام المنهار.