بسم الله الرحمن الرحيم
قضية الشرف بين إفراط الأهل والدعوة إلى التفريط
د. محمد الغزي
8 اكتوبر 2005



تعاني المرأة من سطوة الاستبداد الذي دُمغت به مجتمعاتنا، وأصبحت فريسة للجهل والتخلف الثقافي، وبين الاستبداد والجهل تظهر أصوات تنادي بدعوات غريبة على مجتمعنا وثقافته الإسلامية الأصيلة، فشكلت هذه الدعوات بعدا إضافيا لمعاناة المرأة في مجتمعاتنا متمثلا في استغلال مشاكل المرأة وقضياها من أجل إسقاطها في شراك الحيرة والتيه وفقدان الهوية الثقافية. وهناك من يبحث عن عيوب في المجتمع أنشأها الضياع الثقافي والحضاري الذي تعاني منه مجتمعاتنا، فيستغل هذه الثغرات ليس لإصلاح المجتمع أو ممارسة النقد الاجتماعي ووضع حلول للمشاكل وإجابات للتساؤلات وإنما للقدح في الثقافة الإسلامية والتحريض ضد الالتزام بالإسلام.

وما تسمى بـ "قضية الشرف" تمثل مزيجا من الاستبداد والظلم من ناحية والاستغلال والهجوم على الثقافة الإسلامية من ناحية ثانية، وقد تناولت وسائل الإعلام العربية والغربية هذه القضية منذ سنوات عديدة ليس بهدف حماية المرأة والدفاع عن حقوقها وإنما بهدف تحريضها على الانسلاخ من الثقافة العربية التي تستند في جوهرها إلى الثقافة الإسلامية، ويبذل كثير من المفتونين بالثقافة الغربية جهدا لرد مساوئ قضية الشرف إلى الثقافة الإسلامية وأن العقوبة الأهلية المتربة عليها في مجتمعاتنا مبنية على الدين.

ويحاول هؤلاء أن يجعلوا من هذه القضية مثالا لاستغلال الأهل للدين لتبرير العقوبة والجرائم في محاولة لإلقاء اللوم على الإسلام واتهامه بأنه مصدر للجهل والتفريط بالحقوق والحريات وأنه سبيل لممارسة الظلم والاستبداد الذي تنال المرأة في مجتمعاتنا النصيب الأكبر منهما، فيبدوا للجهلاء أن علاج هذه المشكلة يكمن في التحرر من الدين، وبالتالي يضيع شرف المرأة باسم حمايتها من الأهل. والعجيب أن مجانين الثقافة الغربية في مجتمعاتنا هم أكثر من يهيئ الظروف التي تؤدي إلى وقوع الجريمة باسم الشرف، فقضية الشرف هي عَرَض لمشاكل كثيرة تعاني منها المرأة ولا يمكن علاج الجرائم المتعلقة باسم الشرف إلا بحل هذه المشاكل، ولا يمكن حل هذه المشاكل في إطار من مفاهيم ومعايير غربية عجزت عن حماية المرأة الغربية وصون كرامتها.

ولقد بين الفقهاء حكم الإسلام في هذه المشكلة التي هي إحدى مخلفات الابتعاد عن الدين الإسلامي الحنيف ونتجت عن الاغترار بالثقافة الغربية، وبينوا أن مواجهة الأهل لهذه المشكلة دون اللجوء إلى الشرع بقتل المرأة أو إنزال أشد العقوبات بها هو من صميم الجاهلية والابتعاد عن الدين الإسلامي، لذلك لا يحق لهؤلاء الذين يبحثون عن الفواحش والفضائح في مجتمعاتنا أن يلقوا باللوم على الثقافة الإسلامية أو أن يقدموا حلولا في إطار من الثقافة الغربية وبمعزل عن تعاليم الإسلام.

والدعوة إلى عدم اعتبار التفريط بالعرض تفريطا بالشرف تحمل في طياتها دعوة للإباحية والتمرد على الإسلام، فصون جسد المرأة هو شرف لها وحماية لها من الوقوع فريسة لكل لاهث وراء الفواحش والتلذذ بأجساد النساء دون ضوابط دينية، وصون جسد المرأة يقي المجتمع من ويلات اجتماعية وصحية مهلكة، ولا يمكن للمرأة أن تصون شرفها إذا لم تصن جسدها حتى ولو حازت على كل الشهادات ونعمت بالمنصب والجاه والمال ونالت احترام من حولها، فالقضية تتعلق بالشرف ولكن علاج الأهل لها خاطئ والدعوة إلى إلغاء مفهوم الشرف عند انتهاك عرض الفتاة باطلة.

لقد أعز الإسلام المرأة وكرمها وجعل شرفها عنوانا لكرامتها، أما الثقافة الغربية فقد اختزلت قيمة المرأة في أجزاء من جسدها وما تمتلكه من مفاتن، وهي التي تَحمل المرأة على إنفاق أموالها لشراء أدوات الزينة للتجمل للمارة وزملاء العمل والدراسة، وهي التي تجبرها على قضاء أوقاتها وبذل جهودها في الاعتناء بجسدها جماليا لتساير الموضة وتنال إعجاب الآخرين، إنها الثقافة التي تُحرض المرأة على تناول الأدوية المؤذية والمكلفة من أجل الحصول على جسم رشيق يَسرُ الناظرين، وهي التي تدفعها لإجراء العمليات الجراحية لتغيير ملامح وجهها وصدرها وأردافها، وهي التي تجعلها تتابع بإخلاص وأمانة ما يأتي به السوق من موضة اللباس وقص الشعر والزينة.

لقد أهانت الثقافة الغربية المرأة باسم حريتها، ولم تستطع الثقافة الغربية أن تضع حدا فاصلا بين ما تسميه "حرية المرأة" وبين امتهان كرامتها الإنسانية واستهلاكها جسديا ومعنويا، لهذا نرى أن المرأة في المجتمعات الغربية هي ضحية للإنتاج والتنمية والرقي والمساواة مع الرجل في كل شيء وغير ذلك من القيم المريضة التي تم تفريغها من جوهرها فأصبحت لا تحمل أي معان إيجابية سوى الاسم أو التعبير.

ثم أهانت الثقافة الغربية المرأة عندما ساوتها بالرجل فجعلتها تتسلق أعمدة الكهرباء وتبيع في الأسواق وتخدم في المطاعم والكباريهات وتعمل في البناء، لقد أباحت القيم المادية الغربية للمرأة أن تكشف جسدها على أنغام الموسيقى بالتدريج حتى العري الكامل في نوادي الستربتيز (striptease) على طاولة مرتفعة لينظر إليها من الأسفل الشاذين جنسيا ومدمي الخمور والحشيش واللاهثين وراء الفاحشة، وجعلت الثقافة الغربية من تعري المرأة مادة تجارية ووسيلة قبيحة للإفساد وذلك بعرضها في أوضاع مشينة مهينة على الإنترنت بطريقة تقشعر لها الأبدان وتنفر منها النفس الصحيحة السليمة، وتعمل الحركات النسوية الغربية التي تستند إلى الأفكار الصهيونية والماركسية والوثنية إلى أن تصبح المرأة بلا هدف غير ابتغاء المال والمصالح عن طريق تقديم جسدها لكل من هب ودب.

ويشترك الجاهلون في مجتمعاتنا مع المجتمعات الغربية في الجريمة ضد المرأة، فالجاهلون قد ينهون وجود المرأة لوقوعها في جريمة الزنا بإعدامها دون اللجوء إلى حكم الشرع في ذلك ودون تنشئة الفتاة في بيئة إسلامية تقيها من الوقوع في الفاحشة، بينما تقوم المجتمعات الغربية بإلغاء الغاية من وجود المرأة بإعدام كرامتها وإنسانيتها ودورها وجعلها جسدا يباع ويشترى، فالكل مشترك في الجريمة التي قاسمها المشترك هو انتقاص حقوق المرأة وسلبها حريتها الحقيقية وإبعادها عن الالتزام بالدين. ولو تمعنا قليلا لوجدنا أن القتل باسم الشرف له نظير في الثقافة الغربية، ولقد رأيت بأم عيني كيف يقتل الرجل صاحبته (girlfriend) بسبب تحولها إلى رجل غيره، وكيف يقتل الأخ أخاه والصديق صديقه بسبب تنازعهما على صحبة فتاة واحدة.

إن من شدة افتتان بعض المثقفين بالثقافة الغربية أنهم يسقطون مشاكلها على مجتمعاتنا ويشوشون على ثقافتنا بطرحها بإلحاح في كل المناسبات، فـ "اغتصاب الزوج لزوجته" هي مشكلة غربية النشأة في بيئة اختزلت العلاقة بين الزوجين في الجنس حتى أصبح عقد الزواج يمثل "اتفاق طرفين على أن يتلذذ كل منها بجسد الآخر" وتم إطلاق تعبير "الحب" على عملية الجماع، والذي دعا المجتمعات الغربية إلى إصدار قوانين تتعلق باغتصاب الزوج لزوجته هو شدة الجور الذي تتعرض له المرأة في البيت وخارجه من تحرش جنسي وتعليق ترقيتها في العمل بالمساومة على جسدها. لقد انتشرت ظاهرة الاغتصاب في المجتمعات الغربية حتى صار الزوج يغتصب زوجته وبنته وأبناءه وأخواته وأصحابه، فليس المرأة وحدها هي التي تغتصب في تلك المجتمعات ولكن الرجل والولد والعجوز أيضا يتعرضون للاغتصاب ولم تسلم من الاغتصاب نساء يعانين من موت سريري في مستشفيات المجتمعات الغربية، ولم تمنع شدة الأهوال التي يتعرض لها الأمريكيون عند الأعاصير وفي الحروب من اغتصاب النساء والرجال دون رحمة.

لقد ثبت زيف القيم الغربية المتعلقة بالمرأة في لحظات يغيب فيها النظام والقانون، فلولا الاحتياطات الأمنية المشددة في المجتمعات الغربية لأصبح الاغتصاب والاعتداء على المرأة هي السمة البارزة للمجتمعات الغربية، ولقد شاهد العالم هذا عند ضرب إعصار كاترينا لخليج المكسيك. وحتى في الحياة العادية تتعرض المرأة إلى أشد الأذى المعنوي والمادي، ففي الولايات المتحدة تتعرض واحدة من بين كل ثلاث فتيات في سن 14 سنة للاغتصاب، وغالبا ما يتم الاغتصاب في إطار الأقارب والأهل، وتقع في الولايات المتحدة أكثر من نصف مليون حالة اغتصاب سنويا.

أما فيما يتعلق بالتفريط بالشرف والعرض والجسد فإن النتيجة مدمرة للمجتمع والفرد على حد السواء، فتقول مصادر الشرطة الأمريكية أنه كان هناك في عام 1980م نحو 4,5 مليون حالة إجهاض وأن 30% من هؤلاء النساء لم يتجاوزن سن العشرين، كما تذكر الإحصاءات أن 60% من المواليد الجدد في السويد هم من أبناء الزنا وأن 70 ألف امرأة تموت سنويا بسبب الإجهاض، ومن عام 1980 إلى عام 1990 كان بالولايات المتحدة نحو مليون امرأة يعملن في البغاء، ولا داعي لذكر المزيد من هذه الإحصاءات المخيفة خاصة تلك التي تتعلق بالسياحة الجنسية وتجارة اللحوم البيضاء حيث يتم استقدام 700 ألف امرأة سنويا من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية للممارسة البغاء والفاحشة، فهل يريد لنا دعاة المفاهيم النسوية الغربية أن نقع في مثل تلك الورطات؟!

هل يريد لنا المثقفون المفتونون بقبائح الثقافة الغربية أن نعيش في مجتمعات وثقافات مسخت الفطرة الإنسانية وجعلت الإنسان آلة إنتاج بلا غاية ولا هدف إنساني؟! ولو افترضنا أن مثيري هذه المشاكل في مجتمعاتنا مخلصين في نواياهم لرفع المعاناة عن المرأة في مجتمعاتنا، فلماذا يتم تناول الموضوع بمعزل عن الدين؟! ولماذا يتم القياس بالمعايير الغربية؟! ولماذا لا يتم تناول الاستبداد السياسي والاجتماعي في بلادنا الذي هو أصل كل مشكلة ومعاناة؟! ألا يفكر مثيري هذه المشاكل مرة واحدة في جرائم الأنظمة الحاكمة في وصول مجتمعاتنا إلى هذا الانحطاط؟! أم أن كل هذا لا يعنيهم طالما أن مصالحهم محققة ونصيبهم من الثراء مضمون؟! لماذا لا يتناول هؤلاء المثقفون الظروف التي أدت إلى تفشي الفساد في مجتمعاتنا بدلا من إلصاق التهم بالثقافة الإسلامية؟! أين رسالتكم أيها المثقفون؟!!

وبينما يشن الكثيرون من الناس الهجوم على ثقافتنا الإسلامية في تعاملها مع المرأة، تلجأ المرأة الغربية إلى الإسلام لإنقاذ نفسها وروحها وجسدها من بطش المجتمعات الغربية، ففي كل يوم تتحول نساء في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أخرى إلى الإسلام، ولا تجد من دخلت في الإسلام حرجا من ارتداء الزي الإسلامي على عكس من عاشت بحسدها في المجتمعات العربية وروحها متعلقة بالغرب ودعوات الإباحية.