حول المكسب العلمي الجديد
نموذج الجامعة الحرة بهولندا
بقلم/التجاني بولعوالي
8 اكتوبر 2005
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com


مما لا ريب فيه، إن من حسنات أنظمة الدول الغربية التي تستقر فيها الجاليات المسلمة والأجنبية، أنها تمنح الجميع الحق في ممارسة شتى الأنشطة والطقوس والتظاهرات الثقافية والسياسية، والدينية، والتعليمية، وغير ذلك، لكن، ما لم يصطدم ذلك بالقوانين السائدة في تلك الدول، وما لم يتعارض تعارضا شاذا مع تقاليد وعادات الشعوب، التي يوجد المسلمون والأجانب بين ظهرانيها، ومثل هذا الحق يكاد ينعدم في الأوطان الأصلية لتلك الجاليات، ولا يعدو أن يكون إلا مجرد حلم جميل يراود الفئة المثقفة، غير أن الغريب في الأمر، أن أغلبية هذه الفئة لما تتسنى لها فرصة الاستقرار القانوني داخل العالم الغربي، قلما يراودها ذلك الحلم الجميل، الذي ظل يراودها وهي في الوطن؛ كأن الظمآن بمجرد ما يرتوي، سرعان ما يتبدد من ذهنه مفهوم العطش! كذلك أولئك المثقفين بمجرد ما تتسع لهم الدنيا، لا يبالون بما كانوا يفكرون فيه قبلا، فهم مشغولون بمظاهر النعيم والترف، الذي يكتشفونه في العالم الجديد الذي ارتحلوا إليه.

غير أن ثمة طائفة من المثقفين لا تتنازل عن مبادئها الأولى، بقدرما تطوع الإمكانات التي يوفرها لها العالم الغربي، لتخدم بها مختلف القضايا، سواء المتعلقة بأوطانها الأصلية، أم المرتبطة بمسارها العلمي والفكري والتحصيلي، مما تولد عن ذلك، نشوء صحوة ثقافية جديدة وفريدة من نوعها، داخل الثقافة الغربية الشاملة، تتزعمها نخبة مثقفة أجنبية، ساهمت، بشكل ما، في تفعيل المشهد الثقافي الغربي، فتمكنت من تصحيح جملة من المفاهيم المغلوطة، التي هيمنت على المنظومة الفكرية الغربية، التي لا تنظر إلى ما هو جنوبي أو إسلامي أو عربي، إلا بنظارة التخلف والتأخر والتطرف! فأثر ذلك بعمق على ثلة من المثقفين والسياسيين الغربيين، الذين بدأوا يسلكون نهجا جديدا في قراءتهم للثقافة الشرقية أو الإسلامية.

إن تأثير الحضور الثقافي الأجنبي والإسلامي، ولو النسبي، على الواقع الذي يوجد فيه، ناتج عن الإسهام المتنوع لذلك الحضور، لكن هذا الإسهام لا يكون دوما فعالا، فدرجاته تتفاوت، من إسهام مائع إلى إسهام عادي إلى آخر متميز. ناهيك عن تكاثر أصناف هذا الإسهام ومجالاته، غير أن ما يهمنا في هذا المقام، هو ذلك الإسهام العلمي التربوي، الذي تقدمه الكثير من المؤسسات التعليمية الإسلامية والأجنبية، قاصدة بذلك خدمة مجموعة من القضايا التي يتوجب عليها أن تحافظ على استمرارها، علمية كانت أم دينية أم لغوية أم غير ذلك، فترى في نقلها إلى مختلف شرائح المجتمع خير ضمانة لذلك الحفاظ وديمومته، وما دام التعليم يعتبر أهم ميدان لتشكل تلك العملية، أصبح في نظر العديد من المسلمين المستقرين بالغرب، أولوية الأولويات، فتكاثفت الجهود، وتضافرت المبادرات، لتشييد المؤسسات التعليمة المختلفة، وهي تستثمر ليونة قوانين البلدان التي تعيش فيها.

وإذا ما اقتصرنا على النموذج الهولندي، نجد أنه انطلاقا من منتصف العشرية السابعة من القرن المنصرم، بدأ هاجس التفكير في تعليم الأبناء، تعليما إضافيا يتوافق وهويتهم العقيدية واللغوية، يسكن نفوس الجالية المسلمة، وسرعان ما ترجم هذا الهاجس إلى واقع الأمر، فصار المسجد فضاء للتعليم الإسلامي الإضافي، الذي راح يتلقاه أبناء المهاجرين في عطل نهاية الأسبوع، غير أن هذا التعليم ظل مرهونا، من جهة، بالمناهج التقليدية المستوردة من الأوطان الأصلية، وهي مناهج مبنية على الحفظ والصرامة، لا تراعي السياق الجديد الذي يوجد فيه أبناء المسلمين بالغرب، ومن جهة أخرى ظل يتخبط في أزمة التسيير العشوائي الذي كان يقوم به المشرفون على تلك المؤسسات، الذين كان ينقصهم التكوين الكافي، والوعي اللازم بظروف الأبناء التي تختلف جذريا عن ظروف الآباء، إضافة إلى المشاكل المادية والتجهيزية.

ثم، بعد أن تهيأ المناخ الثقافي الملائم، نتيجة سواء، هجرة مجموعة من المثقفين الجادين نحو هولندا، أم نشوء الوعي الكافي، لدى شبه المثقفين الذين كانوا قد هاجروا مبكرا، بجدوائية تطوير المؤسسات التعليمية، من مؤسسات تقليدية ترتكز على المناهج الكلاسية المستوردة من الوطن الأب، إلى مؤسسات علمية متقدمة تستفيد من المناهج الغربية الحديثة، دون تجاوز لمقومات الهوية الأصلية، فنشأت مؤسسات تعليمية عالية، أطلقت على نفسها اسم الجامعة، حاولت أن تسد بعض الفراغ الفكري الذي كان يعاني منه العديد من الشباب الإسلامي المثقف، إلا أن ما يؤاخذ عليها هو:
أولا، اقتصارها على إدراج الدين الإسلامي واللغة العربية في منظومتها التربوية، دون تجاوزهما إلى باقي مجالات المعرفة وحقول العلم.
وثانيا، حضور الهاجس المادي لدى المشرفين على تلك المؤسسات، مما يجعلها مجرد أدوات لجلب المال، وتوفير المناصب لذويها.

غير أن الطفرة النوعية التي سوف يقطعها التعليم الإسلامي والعربي العالي داخل هولندا، هي التي قام بها صفوة من المثقفين العراقيين، الذين ينحدرون من مختلف التوجهات الفكرية والأكاديمية، عندما بادروا بتأسيس الجامعة الحرة بمدينة دين هاخ، التي حصلت على الموافقة من السلطات الهولندية منتصف شهر يونيو 2005، ولا نرى في هذه الخطوة إلا طفرة نوعية للتعليم الإسلامي والعربي العالي، وذلك استنادا إلى العناصر الآتية التي تضفي على هذا المشروع الحضاري طابع الفرادة والتميز.

سد الفراغ ومنح فرص التحصيل للجميع
لقد عانت طويلا شريحة المثقفين المسلمين والعرب التي استقرت بهولندا، من انعدام المؤسسات الثقافية والتربوية، التي تساير تكوينها القبلي الذي كانت قد تلقته ببلدها الأصلي، ذلك لأن التعليم الهولندي العالي ذو طبيعة مغايرة، فهو يقتضي التحدث باللغة الهولندية تحدثا سلسا ومتقدما، إلى درجة ولو أنك استطعت تخطي كل امتحانات اللغة، ونلت مختلف الشواهد المعترف بها رسميا، فإن ذلك وإن يشفع لك في تعليمك الجامعي، فإنه لن يشفع لك أثناء التقدم لمباريات العمل، ثم إن التسجيل لدى أي مدرسة عليا أو جامعة هولندية، تضحي لأجله بسنوات من التعليم الذي تلقيته بوطنك، فعوض ما تشرع مباشرة في البحث العلمي أو تمهد له، فإنك تكرر حرفيا ما درسته قبلا باللغة الهولندية، والطامة الكبرى أنك تتلقى ذلك مع طلاب في سن تلاميذتك المحتملين، مما يولد لديك شعورا بالإحباط وخيبة الأمل، فيجعلك فريسة اليأس!

لذلك، كانت ولادة الجامعة الحرة في محلها، وما هذه الولادة، بنظري، إلا حصيلة الوعي السليم الذي نشأ لدى مؤسسي هذه الجامعة، بوضعية تلك الشريحة التي حرمت من متابعة تكوينها الدراسي، وهذا ما أكدوه في جملة مقالات كتبت حول هذه القضية. يقول رئيس الجامعة د. أكرم كسار: "ولتكون نبراسا وهو يقصد الجامعة الحرة في مجال التعليم العالي وغرسا للأمل في النفوس بعد ان وجد هذا العدد الكبير من الراغبين في استكمال تعليمهم وصعوبة تحقيقهم لهدفهم هذا." ويحدد الأستاذ علي التميمي هدف الجامعة الأساس في "توفير فرص الدراسة والتعليم لأكبرعدد ممكن من الراغبين بالتعليم العالي ونشر العلم والمعرفة بين أبناء الجالية العربية والاسلامية آخذين بنظر الاعتبار ظروف الدارسين مع الاحتفاظ بجودة ومستوى التعليم."

حيادية التعليم وتنوع التخصصات
إذا كانت بعض المؤسسات العالية التي تم تأسيسها بهولندا، اختارت أن تضفي على برامجها التدريسية، منهجية ومضمونا، طابع التوجه الإسلامي البحت والمعلن، فإن الجامعة الحرة اعتصمت بالحياد والموضوعية، خصوصا وأنها تراهن على جودة التعليم، الخلو من شوائب الأهواء الأيديولوجية، والأغراض الشخصية، فهي، كما يشير الأستاذ علي التميمي، "تحترم خصوصيات الافراد , والتنوع الفكري وترفض التفكير الشمولي وتعتمد الاسلوب العلمي"، لذلك فسحت المجال لكل أنواع ومستويات الطلاب، الذين تضع بين أيديهم مختلف الدرجات العلمية من بكاليورس وماجيستر ودكتوراه، وفي شتى حقول العلم والمعرفة، لغوية كانت، أو أدبية، أو تاريخية، أو سياسية، أو قانونية، أو اقتصادية، أو إدارية، أو فلسفية، أو فنية، أو إعلامية، أو معلوماتية، أو غير ذلك. فبالنظر إلى تركيبة الجامعة نخلص إلى أنها من حيث البنية الهيكلية تشمل ست كليات وأكاديمية للفنون الجميلة ومختلف المعاهد والأقسام والمكاتب الممثلة للجامعة داخل وخارج أوروبا. مما يمنحها الطابع الجامعي الذي تفقده المؤسسات الأخرى الموجودة بهولندا، التي تسمي نفسها جامعات! وللاطلاع الموسع على ذلك، تصفح موقع الجامعة عبر الرابط:
http://www.alhuraauniversity.com

ثم إن اللغة المركزية التي يقدم بها التعليم داخل الجامعة الحرة هي اللغة العربية، لكن هذا لا يعني تهميش اللغات الأخرى، حيث خصصت الجامعة كلية بأكملها للغة الكردية، وقسما للغة الإنجليزية، وربما سوف تفتح أقساما وفروعا للغات أخرى، إذا ما توفر الطلب الكافي لذلك.
وتجدر الإشارة كذلك، إلى أن الجامعة الحرة تعتمد أساسا على الدراسة عن بعد، وهذا يحيل على أنه بمقدور الطالب أينما كان، متابعة دراسته في هذه الجامعة، اعتبارا بأننا في زمن الإنترنت والثورة الرقمية التي تختصر المسافات، وتجعل الطالب يدرس في أي مكان من دون السفر نحوه، مما ييسر التحصيل العلمي، تلقيا وتكاليف. كما عبدت الجامعة الطريق نحو طلبتها في كل رقعة من العالم، عندما بادرت بفتح مكاتب لها في العديد من البلدان، كليبيا وألمانيا والنرويج وكندا.

اللاربحية والتمويل الذاتي
في الحقيقة، إن أكبر تحد يعيق بزوغ أو ديمومة أي مشروع علمي أو ثقافي إسلامي أو عربي، هو التمويل المادي، فإلى حدود زمن ما قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، كانت المؤسسات الإسلامية تستفيد بسهولة تامة من أي دعم مادي يأتي من الخارج، لكن اليوم أصبح هذا من باب المستحيل، لذلك تجد أي مؤسسة إسلامية دينية أو تعليمية نفسها أمام خيارين؛ إما خيار التنازل عن مبادئها الأساسية صراحة أو تقية، حقيقة أو مراوغة، واستجداء سلطات الدولة التي توجد فيها بكل الوسائل، علها تنال تعويضات مادية، تستطيع بواسطتها تمويل مشروعها الثقافي، وإما خيار التمويل الذاتي، عن طريق الاعتماد على النفس، وترغيب المواطنين في الإحسان إلى هذه المؤسسات.
ويبدو أن الجامعة الحرة اختارت الخيار الثاني، فاعتمدت بدءا على التمويل الذاتي، الذي يتحدد في جهود مؤسسيها المادية والمعنوية، التي تكاثفت وتضافرت لإخراج هذا المولود من درك القوة إلى نطاق الفعل، ثم خصصت رسوما لمن يريد متابعة دراسته بها، وهي رسوم جد ضئيلة، بالمقارنة مع رسوم المؤسسات الأخرى، هولندية رسمية كانت أو إسلامية حرة، مما ييسر للطالب الانخراط في عالم هذه الجامعة، والاستمرار الناجح على درب العلم والبحث والمعرفة.

الحضور المكثف لصفوة المثقفين والأكاديميين
إن المتصفح للائحة الأساتذة المنتمين إلى الجامعة، يفاجأ بعددهم الهائل الذي يتجاوز الخمسين، وأكثرهم دكاترة وأكاديميون، يتوزعون على شتى مجالات الأدب والعلم والفن والمعارف المتنوعة، مما يثبت أن هذه المؤسسة التي تمكنت من تجميع هذا العدد الكبير من النخبة المثقفة، في زمن قياسي، سوف تفلح لا محالة في إحداث تغيير جذري بين أوساط المثقفين المسلمين والعرب بالغرب، تغيير يوجههم نحو ترسيخ الذات الأصلية الحقيقية، التي تدفق بالمعاني الحضارية النموذجية التي انشد إليها الفكر الغربي، قديما وحديثا، كما أن هذا يعد بأن هذه المؤسسة ستعطي الكثير من خلال هذه الصفوة من أبناء العراق وغيره.

جملة القول، أن الشئ الوحيد الذي يؤاخذ على هذه المؤسسة العلمية الفتية، هي أنها مسكونة بالطابع العراقي، تركيبة ولغة، شكلا وجوهرا، إدارة وعطاء، ولا أدري لماذا لم يفسح المجال لأسماء من أرومات وأصقاع أخرى، لتسهم في تشييد هذا الصرح الذي سوف يكون له شأن عظيم، حتى أنني أثناء حفل افتتاح الجامعة لموسمها الدراسي الأول 2005/2006، الذي أقيم بتاريخ 27 غشت 2005، كنت ربما المغربي الوحيد الذي حضر! مع أن المغاربة يشكلون الجالية الأكبر بهولندا من بين الجاليات المسلمة والعربية، لكن سخاء الإخوة العراقيين وكرم ضيافتهم بدد تلك الغربة، فارتحلت عبر ألحان الموسيقى العراقية، نحو بغداد الشامخة التي كان كل مغربي يحلم بأن يدرس فيها!