المايوه الشرعي والكوافير الشرعي والبنك الشرعي والشورت الشرعي
والديسكو الشرعي والفديو كليب الشرعي .... مصر تخترع النقد الشرعي
كتب : د. خالد منتصر


مصر المحروسة دائماً لها السبق الإبداعى فى إختراع وإكتشاف أشياء ومسميات لايتوقعها ولايتخيلها بشر ،فكما إخترعت مصر المايوه الشرعى والكوافير الشرعى والبنك الشرعى والشورت الشرعى والديسكو الشرعى والفيديو كليب الشرعى ،كان لها الفضل فى إختراع النقد الشرعى وهو نوع جديد من النقد لاينتشر إلا فى شهر رمضان الكريم ،وكما أن هناك مدارس قديمة وراسخة فى النقد الفنى كالنقد السيكولوجى والإنطباعى والتفكيكى والتحليلى ،فإن مدرسة النقد الشرعى الجديدة فى مصر تتميز عن تلك المدارس النقدية بأنها مدرسة صناعة محلية وليست مستوردة ،ولكن السؤال لماذا تنتشر تلك المدرسة النقدية فى شهر رمضان فقط؟.

[ السبب الرئيسى فى إنتشار مدرسة النقد الشرعى فى رمضان هو أن طابوراً كبيراً من النقاد الهواة من منازلهم ينضم فى هذا الشهر الكريم إلى النقاد المحترفين من كتاب الصحف والمجلات الفنية ،فمصر كلها تتحول بعصا سحرية إلى نقاد وتصبح النسبة الشرعية الرمضانية هى ناقد لكل مواطن !،ويتميز هؤلاء النقاد أصحاب جمعية النقد الشرعى بدرجة عالية من التربص الأخلاقى للمسلسلات الرمضانية ،ولأنهم يتخيلون أنفسهم وكلاء قطع غيار الأخلاق الحميدة الوحيدين فى هذا البلد ،ولأنهم يحتكرون الحقيقة المطلقة فهم يعتبرون أن كلامهم منزل ،ونقدهم منزه،وعباراتهم مقتبسة من اللوح المحفوظ ،ولاإعتراض على نقدهم فهم سماسرة السماء

السبب الثانى فى إنتشار مدرسة النقد الشرعى فى رمضان يوجد فى طبيعة شهر رمضان نفسه ،فهذا الشهر الكريم شهر التراحم والتكافل يتحول بقدرة قادر إلى شهر الشيزوفرينيا والإزدواجية ،فالإيمان لاينكر أحد أنه سلوك مطلوب ولكن الدروشة مرفوضة ،وهناك فرق كبير بين الإثنين ،والدروشة الزائفة هى السبب فى تلك الإزدواجية العجيبة التى تصيب المصريين فى هذا الشهر الكريم ، ففى شهر رمضان نرى السيدة التى كانت غير محجبة يوم 30 شعبان تتحجب يوم 1 رمضان ثم تخلعه أول شوال! ،ماهو يامحجبة طول السنة يامش محجبة طول السنة ..المهم نرسى على بر ؟،وهو مايذكرنا بالمطربات اللاتى يغنين الفيديو كليب بالسترتش ثم عندما تغنى أغنية دينية فى حفل عام نجدها ترتدى الإيشارب !،والغريب أننا نتصرف كالرجل الذى يعربد طوال العام ثم يأتى فى شهر معين فتهبط عليه التقوى ويصيبه الورع فجأة ،فهل نحن نأخذ أجازة 11 شهراً من الإيمان ثم نأتى لنمارسه فى رمضان فقط ،وإلا بماذا نسمى المليارات التى تصرف فى عمرة رمضان والتى تصب فى خزائن السعودية وتخصم من رصيد هذا البلد الفقير الغلبان ؟،بماذا نسمى كم الأجازات والتزويغات فى شهر رمضان بإسم التعب والإرهاق تارة ،والتعبد والتهجد والإعتكاف تارة أخرى فى نفس الوقت الذى يتحدث فيه الأطباء عن فضل الصيام الصحى ولايطرحون على أنفسهم هذا السؤال المحرج لماذا لانصوم طيلة العام مادام الصيام فيه كل هذه الفوائد الصحية ؟،وأرجوهم أن يصمتوا عن ثرثراتهم البعيدة عن العلم فنحن نصوم لأن الله قد أمرنا بالصوم فقط وليس لأن الصوم مفيد للمرارة والكلى !!،والمهم أن هذه الإزدواجية الرمضانية العجيبة تصيب أصحاب جمعية النقد الشرعى فنراهم يهاجمون بشدة ماكان يمر عليهم بسلام ويفوتونه قبلها بشهر ،ونراهم يتساءلون كيف تظهر ممثلة ببلوزة نصف كم فى شهر رمضان الفضيل ؟،أو كيف ترقص وتغنى ؟ ،وبرغم أن نفس هذه الممثلة من الممكن أن تظهر فى ذى القعدة بنفس الملابس ولاتهاجم ،إنها الشيزوفرينيا الرمضانية المزمنة التى تصيبنا وبالأخص أعضاء جمعية النقد الشرعى.

[ أهم صفات مدرسة النقد الشرعى هى التركيز على الجسد ،ونحن شعب عنده مشكلة رهيبة مع جسده ،فنحن من الممكن أن نتظاهر غضباً من ظهور كتف ممثلة فى مسلسل ولانتظاهر غضباً من ظهور نصاب يضاعف لنا ثمن الحديد ،أو حرامى يسرطننا بمبيداته،أو دجال يضحك على ذقوننا بشركات توظيف أموال وهمية !،نطالب بإعدام إيناس الدغيدى فى ميدان عام لأنها أهانت المرأة فى أفلامها ونغض الطرف عن إعدام الحكومة التى أهانت المرأة فى الواقع وليس على الشاشة ،ومرمطت كرامتها فى العمل والأتوبيس والميكروباص والشارع ،ونمزق أفيشات إلهام شاهين السينمائية ولانمزق أفيشات الوعود الإنتخابية ،لايصافح مسئولونا الورعون السيدات فى ذات الوقت الذى بصافحون فيه أبناء السى اى ايه والموساد !!!،وبما أن الجسد مشكلتنا الأبدية المزمنة فلابد أن تتضخم هذه المشكلة فى رمضان المفترج أضعاف أضعاف حجمها فى الشهور الأخرى غير المفترجة،ويجلس أعضاء جمعية النقد الشرعى بالمرصاد لسمانة رجل ممثلة أو كعب راقصة أو حواجب كومبارس ،إنه يرصد وينقد وفى نفس الوقت لابأس من اليسير من البصبصة التى لاتتخطى بأى حال النظرة الأولى التى تستمر 45 دقيقة فقط !.

تحدث هذه الثورة الشرعية فى كل عام خاصة مع نجمات السينما إلهام ويسرا وليلى علوى،والمدهش أن مدرسة النقد الشرعى كانت فى البداية خارج أسوار ماسبيرو ،ولكنها رويداً رويداً قفزت إلى داخل ماسبيرو نفسه وجلست وعششت كالعنكبوت داخل أدمغة المسئولين والرقباء ،وبدأت المزايدة ففى إحدى السنوات لم يعجب مخرج التنفيذ رقصة داخل مسلسل مسألة مبدأ ،طقت فى دماغه فإتخذ قراراً بحذفها من تلقاء نفسه ،وكأنه لايوجد مخرج ولارقابة ولامسئولين ،فإسهال الدروشة وتنصيب كل منا داعية على الآخرين ووصياً على الناس والمجتمع ،جعل مثل هذا الفعل سلوكاً عادياً بل سلوكاً يثاب عليه المرء ويكافأ ،وهؤلاء النقاد الشرعيين الماسبيرويين لايهمهم مساحة الدور ولكن يهمهم مساحة الجونلة ،ولاتعنيهم طول رتابة وملل ورداءة العمل الفنى ولكن كل مايعنيهم هو طول البلوزة أو الفستان !

أحياناً تكون المزايدة من اللجنة التى تشاهد الأعمال نفسها والتى تكتب هذا العمل لايتفق مع شهر رمضان ،وكأن المجتمع يدخل صوبة معقمة لمدة شهر ثم يخرج إلى مستنقع الميكروبات باقى العام ،والأغرب أنهم يكتبون أحياناً من الممكن أن يباح عرضه ويحلل ليلاً بعد الإفطار !،إنها إزدواجية بلد تعلن غير ماتخفى ،وناس يعشقون حياة الوطاويط ،ويتبنون سياسة الفاترينات ،فمادامت الفاترينة لامعة ومنسقة ومبهرة فلايهم ماهو داخل الفاترينة حتى ولو كان قد دب فيه العفن ،المهم هى الطقوس الشكلية أما الجوهر فطظ وألف طظ ،من الممكن بل ومن الطبيعى هنا فى مصر أن تغلق دكانك بسرعة الصاروخ لكى تلحق بصلاة الجماعة ثم تعود لبيع جبنة مغشوشة أو لبن نصفه ماء أو بلوبيف منتهى الصلاحية ،من العادى جداً عندنا أن يأتى طبيب الأسنان إلى عيادته بعد صلاة التراويح فى نفس الوقت الذى لايعقم فيه أدواته الجراحية التى تنقل فيروس الكبد الوبائى،عادى جداً أن يسألك السباك عن إتجاه القبلة وبعد أن ينهى صلاته يبوظ لك الحنفيات والسخانات ويكروت لك السيفون !! ،عادى جداً مش قلت لكم مجتمع فاترينات.

الأكثر دهشة هى أن روح النقد الشرعى تسللت إلى نفس النجمات بطلات المسلسلات الرمضانية،فما أن تعرف النجمة خاصة نجمة مايسمى بالسينما النظيفة أن مسلسلها سيعرض فى رمضان ،تتغير 180 درجة وتقلوظ العمامة وتتقمص دور رابعة العدوية وخضرة الشريفة !، وكانت آخر النجمات اللاتى تقمصن هذا الدور الفنانة آثار الحكيم التى إشترطت على المخرج مجدى أحمد على فى مسلسل فريسكا أن ترتدى زميلاتها الزى التمثيلى الشرعى وإلا فلن تمثل أمامهن ،ولأن مجدى أحمد على مخرج فاهم وفنان واعى يعرف أن الممثل فى خدمة النص فقد حسم الأمر وأعاد آثار الحكيم إلى صوابها ومهنتها الحقيقية كممثلة لا كداعية أو كودية زار

[ ساهم فى إذكاء روح النقد الشرعى بيع المسلسلات للخليج قبل تصويرها وفرض شروط الذوق البدوى على مسلسلاتنا لأن صاحب الريال والدينار صياد ،والزبون الخليجى دايماً على حق،وإربط الحمار قصدى المسلسل مطرح مايعوز صاحبه!،ويكفى أن تستعرضوا قائمة المحظورات السعودية والشروط الخليجية لسمسار المسلسلات البدوى التى يوزعونها على المنتجين إبتداء من عدم زيارة القبور والأضرحة وإختلاء الممثل بالممثلة وإنتهاء بعدم ذكر إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها !،يكفى أن تقرأوا هذه الشروط وتعرفوها لتدركوا أن الذوق البدوى فى التعامل مع الفن قد فرض شروطه وأهمها أن المرأة لها ستران البيت والقبر،وأن نهايتنا الفنية هى الوصول إلى المسرح الخليجى الذى يمثل فيه الرجل دور المرأة ويتقصع ويتمايل ولكنه مسرح بدون نساء !.

[ مدرسة النقد الشرعى تتميز بأن درجة التربص عندها لمجرد الهمسة والكلمة تزيد ،وحدة رادارها تصبح أكثر دقة ،وبوصلتها أكثر إنضباطاً ،وبالطبع لن ننسى موقعة مسلسل العائلة وجملة عذاب القبر التى قيلت على لسان محمود مرسى وأقامت الدنيا ولم تقعد إلا عندما وقع الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر السابق على السيناريو الجديد وإضافة بعض الكلمات على لسان حمدى غيث فى دور الشيخ الذى إخترعوه لإنقاذ الموقف !،والغريب والعجيب أن الشرارة الأولى والبلاغ المبدئى كان من ممثل وهو مدحت مرسى الذى أرسل إلى بريد الأهرام مستنكراً جريمة محمود مرسى ووحيد حامد الشنعاء ،وتدحرجت كرة النار فى غيطان ماسبيرو وتعلم المؤلفون والمخرجون الأدب من بعد هذه الغزوة الشرعية المباركة،ويكفى أن تنظروا إلى الصورة الشهيرة المليئة بالدلالات والتى نشرتها الأهرام فى صفحتها الأخيرة والتى كان الشيخ جاد الحق جالساً فيها على المكتب يوقع بالموافقة على الحوار وممدوح الليثى يقف منحنياً يعدل له السيناريو! .

[ أتنبأ لكم فى بداية رمضان أن مدرسة النقد الشرعى ستسن أسلحتها ،وتبدأ فى نقد المسلسلات على طريقة المذاهب الأربعة ،وأخشى ان نخرج يوماً لنرى نقداً سنياً وآخر شيعياً ،أو تحليلاً فنياً على طريقة الخوارج أو المعتزلة !،والسؤال الذى لابد أن نسأله لهؤلاء لماذا لايستطيعون أن يبدعوا لنا فناً يهز الناس بجد ؟،ولماذا أشعار نزار قبانى وصلاح جاهين تلمس الناس أكثر من أشعار الشيخ الشعراوى والقرضاوى ؟،ولماذا يغرم الناس بروايات نجيب محفوظ الذى كفروه وإحسان عبد القدوس الذى أدانوه ولايقبلون على نثر بن باز وخطب العثيمين ؟!،ببساطة لأن هؤلاء نزار وصلاح ونجيب وإحسان وغيرهم يبدعون فناً حقيقياً أما الآخرون فيبدعون نظماً خالياً من روح الفن ووهج الإبداع .

khmontasser2001@yahoo.com