From : alakiedi@hotmail.com
Sent : Monday, October 3, 2005 6:06 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : المسلمون والمرجعية الدينية والازمة الفكرية
 

المسلمون والمرجعية الدينية والازمة الفكرية
محمد العكيدي
معماري عراقي



في غرب اوروبا في مدينة ألمانية تسمى ايرفورت بالتحديد في الفترة ما بين عام 1483 إلى 1546 ميلادية عاش الراهب الألماني مارتن لوثر مؤسس الحركة البروتستانتية التي كانت من أبرز الثورات العقلية في العالم ضد تسلط القوى الدينية في ذلك الزمن. كان اهتمام لوثر في البداية ينصب على دراسة التيارات الفكرية المختلفة التي كانت رائجة في عصره مثل التصوف وهو (مذهب باطني يقوم على الإيمان بأن المعرفة المباشرة بالله أو الحقيقة الروحية يمكن أن تتم للمرء عن طريق التأمل أو الرؤيا أو النور الباطني وبطريقة تختلف عن الإدراك الحسي العادي أو اصطناع التفكير المنطقي) والفلسفة الإنسانية وهي (فلسفة تؤكد على قيمة الإنسان وعلى قدرته على تحقيق الذات عن طريق العقل وكثيراً ما ترفض الإيمان بأية قوة خارقة للطبيعة) و الإسمانية وهي (مذهب فلسفي يقول بأن المفاهيم المجردة أو الكليات ليس لها وجود حقيقي وإنما مجرد أسماء ليس غير). إن الظروف التي كانت سائدة في زمن لوثر من تسلط الكنيسة وسيطرة رجال الدين على الشعب باسم الدين والله وامتلاك رجال الدين لأسرار وتعاليم الدين, كل هذه العوامل أججت عند لوثر صراعات داخلية وكان أول صِدام له مع الكنيسة الكاثوليكية في روما بعد قيامه بالإعلان عن اطروحاته ال95 والتي تتعلق بموضوع الكفارة والغفران، وأما الانقلاب الأعظم الذي قام به لوثر هو حين قام بترجمة الكتاب المقدس من اللاتينية إلى الألمانية فأخرج أسرار الدين من احتكار الرهبان لتصبح في متناول عامة الشعب لان الرهبان كانوا وحدهم من يتقن اللاتينية، وبالتالي كانوا هم من ينقل تعاليم الكتاب المقدس إلى عامة الناس مستغلين جهل الناس باللغة اللاتينية وعن طريق ذلك استطاعوا تطويع الناس والسيطرة عليهم لتحقيق مصالحهم الشخصية باعتبارهم المصدر الوحيد للتعاليم المقدسة. لا أرغب في الاسترسال كثيراً عن لوثر فقصته مجرد شاهد لما أريد قوله.
كانت أرض الرافدين الرحم التي شهدت ولادة أول التجمعات البشرية المتحضرة و المنظمة قبل آلاف السنين وبالتالي ظهور الأديان. أن المؤمن بوجود و صحة الأديان يجب أن يعي بأنها كلها في جوهرها تحمل رسالة واحدة هي الأخلاق والسلام و المحبة بين الناس. ولكن حين تتدخل المصالح والأطماع وحب السلطة, تتحول الأديان من تعاليم أخلاقية ومبادئ سامية إلى وسيلة للسلطة, وينزل بها من مستواها السامي إلى مستوى الأيديولوجيا السياسة, لخدمة مصالح ومطامع طالبي السلطة باستغلال الشعوب البسيطة.
إن الشعب العراقي بغالبيته من المسلمين سواء كانوا من السنة أو الشيعة. رغم ذلك لم يعرف عن العراقيين في القرن الماضي سمة التعصب الديني أو المذهبي, أو وجود أحزاب ذات طابع ديني, حتى قيام الثورة الإيرانية و معاداتها لنظام البعث المجاور في العراق (العلماني الكافر) حسب زعمهم. في هذه الفترة بدأت الأحزاب الإسلامية الشيعية بالظهور, و من الطبيعي أن تقوم الحكومة العراقية بمحاربة هذه الأحزاب و التصدي لها و التي تعاونت بطبيعة الحال ليس فقط مع بلد أجنبي له أطماع في العراق بل مع بلد في حالة حرب مع العراق و الذي ليس من مصلحته قيام نموذج علماني في دولة مجاورة. كانت هذه الحالة بيئة ملائمة جداً لظهور محبي السلطة من رجال الدين. هناك في فكر و عقيدة المذهب الشيعي العديد من الأفكار التي تشكل روافد مهمة تصب في مصلحة رجل الدين الباحث عن السلطة إن أراد استغلال هذه الأفكار بشكل خاطئ.تقوم عقيدة المذهب الشيعي على أحقية أهل البيت بتولي (الخلافة) و (عصمة الأئمة) مما يجعل كلام رجال الدين نصاً مقدساً يمكنهم من توجيه الجماهير بأي اتجاه يشاؤون. ثم يأتي الرافد الثاني, قضية (الخمس) التي تجعل من رجال الدين أو ما يسمى (المرجعية) أصحاب ثروات ضخمة وبالمقابل يتحدث رجل الدين ليقول بأنه : (ما جمع مال إلا من حرام أو بخل) لتبقى هذه الشعوب (المخدرة) تحت خط الفقر في دول نفطية كالعراق وإيران. ثم يأتي الرافد الثالث و الاكثر خطراً و هي قضية الثأر التاريخي المقدس لـ(آل البيت) ذلك الثأر الذي يزيد عن 1400 سنة. تلك المادة الدسمة لشحن الشعوب بالحقد و الكراهية و الرغبة في الإنتقام. و تنميتها من خلال القصص الإسطورية وما يعرف بالقصائد الحسينية (اللطميات) و زرع رغبة الثأر التاريخي المزعوم في اناس لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الثأر من أناس أيضاَ لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الثأر التاريخي المزعوم. إن الطقوس الدينية التي تؤدى في المناسبات الدينية كيوم العاشر من محرم من ضرب الصدور وضرب الرؤوس بالقامات حتى تسيل الدماء. هذا العنف في التعبد يعكس مدى رسوخ أيديولوجيا العنف. إن انعدام لغة الحوار الهادئ والعقلاني وعدم تقبل الرأي الآخر هي أول صفات هذا التيار. لأن الحوار الهادئ والعقلاني من شأنه ان يزيد الوعي الذي إن بدأ بالظهور سيسحب البساط من تحت أرجل طالبي السلطة من رجال الدين. ليس الامر بأفضل حالاً عند السنة فما تقوم به المتصوفة من ما يعرف بـ(الدروشة وضرب الشيش) لا يختلف كثيراً عن (اللطم والتطبير) عند الشيعة. والأخطر من ذلك الفكر الوهابي, الذي تسرب إلى العراق وبقي مكبوتاً في ظل حكم نظام البعث. ذلك الفكر الذي يلغي الرأي الآخر تماماً. وليس بعيداً عن الأذهان ما قام به الوهابيون مع بداية ظهورهم من استباحة الطائفة الشيعية الموجودة في الخليج العربي (السعودية والبحرين) وقمع الحريات الشخصية و الفكرية و سلب المرأة حقوقها، وزرع هذه الأفكار في المناهج الدراسية لتربية الجيل على عدم تقبل الرأي الآخر وكأن الدين يتلخص في (قتل المرتد) و(من رأى منكم منكراُ فليغيره بيده) و(اقتلوهم حيث ثقفتموهم) إن نظام الطالبان الذي كان قائماً في افغانستان خير دليل على فشل هذا التيار الفكري. ففي خلال فترة حكمهم لأفغانستان لم يعد في هذا البلد أي شيء يمت إلى القرن العشرين وحضارته سوى الأسلحة. وكان آخر ما انتجه هذا التيار هم الإرهابيون والاتتحاريون الذين قاموا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر والتفجيرات الأخيرة في اسبانيا وبريطانيا وفي مختلف أنحاء العالم و قد وجدوا لهم مرتعاً خصباً في العراق مع الفوضى وانعدام السلطة. إن هذه الأدمغة المغسولة والمسيرة من رجال الدين (الأدعياء) والتي لم يبقَ فيها ذرة عقل أو منطق. يظنون أن ارهاب المدنيين وقتل الأبرياء أمر إلهي جزاؤه الجنة وأنهار العسل والحور العين. لهذه الدرجة يرون حياتهم رخيصة. ألم يفكروا بأنه إن كان جزاء ما يقومون به من أعمال كهذه هي الجنة. كان بالأحرى أن يقوم من يحرضهم على هذه الأعمال بتفجير نفسه ليلقى جنته الموعودة. إنهم كتجار المخدرات يروجون لها ويبيعونها لكنهم لا يتعاطونها.
قد لفتت انتباهي قاعدة فقهية سمعتها من أحد متديني الشيعة، والقاعدة تقول (عمل العامي بدون تقليد باطل) ومدلول هذه القاعدة الفقهية أن عمل الإنسان بما فيه العبادة باطل وغير مقبول من الله إن لم يكن عن طريق تقليد وتبعية مباشرة لمرجع ديني معين حتى وإن كانت عبادته صحيحة ومطابقة لمواصفات وشروط المرجع الديني. هذه الجملة ليست مجرد مقولة أو قاعدة فقهية بل هي عقلية هذه الأمة للأسف. وهذا المفهوم ليس بالجديد بل يعود إلى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة, أي بعد ظهور الإسلام بمائة سنة حين بدأت عملية تسييس المتعالي أي إنزال المفاهيم الدينية السامية إلى مستوى الايدولوجية السياسية وكان من أول من روجوا لهذه الفكرة (الماوردي) في كتابه (الأحكام السلطانية). هذه الفكرة كانت العامل الأول الذي أوجد كل المشاكل الفكرية المتوارثة في مجتمعاتنا، فالدكتاتورية والإيمان بالبطولة الفردية المطلقة وتقديس الأشخاص كلها نتاج هذا الفكر. أضف إلى ذلك أن هذا النوع من القناعات كان سببا أساسياً للانقسامات التي حدثت في الدين وأدت إلى ظهور المذاهب المختلفة التي تشكل في واقعها اتجاهات سياسية أكثر من كونها تعاليم دينية وكل ذلك لخدمة مصالح شخصية باستغلال اسم الله. إن ما يجري عندنا في العراق على الساحة من أحداث خير شاهد على ذلك فبعد سقوط أعتى وأقسى الأنظمة الدكتاتورية ذات الفكر المتسلط و الرأي الفردي عاد الشعب من جديد لخلق شخصيات دكتاتورية وقيادات فردية تمثلت في بعض رجال الدين.
(سنجعل من العراق مثلاً للديمقراطية في الشرق الأوسط) كانت هذه كلمات الرئيس الأميركي جورج بوش بعد إعلانه انتهاء الحرب في العراق, ليشكلوا لنا بعد ذلك مجلس حكم مؤقت ليكون بين أعضائه الكثيرين من الذين ينتمون إلى هذه التيارات الدينية المتطرفة واستمروا بعد ذلك في الحكومة المؤقتة وما يزالون في تزايد و قد أتيح لهم الكثير من النفوذ و سمح لميلشياتهم العسكرية بالتواجد و من بقي منهم خارج اللعبة يدفع اتباعه للثورة لكي يحصل على جزء من الكعكة المتقاسمة.
فهنيئاً للعراقيين بحريتهم وديمقراطيتهم الموعودة التي سيلقونها على يد هؤلاء. إن كنا فعلاُ نطمح الى مجتمع ديمقراطي وليبرالي حر يجب أن نعترف بالمشكلة الحقيقية المسببة لا أن نتجاهلها فالفكر المسيطر على الشعب في العراق هو الذي خلق دكتاتورية صدام وسيستمر في خلق المزيد من الدكتاتوريات في المستقبل. ألم يحن الوقت ليتخلص العراقيون من هذه التبعية والطاعة العمياء للأفراد الذين يتاجرون بحياة الناس وباسم الله. هل سنبقى ننتظر (لوثر) جديداً يظهر في العراق؟ أم أن الثورة الفكرية ضد السلطة الدينية المسيطرة يجب أن تكون جماعية لنتخلى عن إيماننا بالبطولة الفردية ومبدأ الراعي والقطيع التي أصبحت من مخلفات التاريخ.