From : brahimhaj@hotmail.com
Sent : Saturday, October 1, 2005 10:00 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : مصالحة بوتفليقة
 

الجنرالات والشعب في لعبة بوتفليقة
بقلم: ياسين الحاج إبراهيم - باريس



مرة أخرى يفلح رئيس كل الجزائريين في إثارة فرقة وفتنة بين أبناء البلد الواحد من خلال طرحه مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة على استفتاء شعبي. هذا الحكم قد يبدو غريبا لأن المفروض والمعروف أن هذا الرئيس جاء يحمل لافتة كبيرة كُتب عليها "المصالحة الوطنية"، وهو نفسه يقول إنه رجل سلام ومهمته هي تحقيق السلم في بلد خائر بفعل حرب أهلية طاحنة لا تزال طواحينها تحصد المزيد من القتلى وتُخرّج آلاف اليائسين.

والآن يأتي مشروع السلم الجديد ليثير فتنة أخرى بين الجزائريين وأيضا داخل أوساط الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الحزب الإسلامي المحظور منذ تدخل الجيش لوقف المسار الديمقراطي في الجزائر قبل 14 سنة. كان المعروف عن قيادة جبهة الإنقاذ تمسكها، في أغلبها، بموقف واحد مستقل تجاه ما يجري في البلد وما كانت السلطة تقدمه من مبادرات لحل الأزمة الدموية هناك، ولم نشهد اختلافا وانشقاقا أكثر من الذي نشاهده اليوم بسبب ميثاق السلم والمصالحة في الجزائر. صارت القيادة التاريخية للجبهة الإسلامية للإنقاذ تتخبط ولم يعد من بقي من أتباعها يعرفون أي الطرق يسلكون بعد أن نجح بوتفليقة في اختراقها مستعملا في ذلك مهارات اكتسبها منذ ثورة التحرير ثم بعد الاستقلال عندما كانت حرب المواقع على أوجّها بين قادة الثورة من أجل الاستيلاء على الحكم.

هل كان بوتفليقة بحاجة إلى استفتاء جديد من أجل تحقيق السلم، وهو الذي يقول إن الشعب الجزائري انتخب عليه بالأغلبية من أجل برنامجه المرتكز على المصالحة الوطنية؟ لماذا يحتاج رئيس حصل على 85% من أصوات الناخبين إلى طلب رأي الشعب في مشروع يدّعي أنه يحقق السلم الشامل في الجزائر؟ ولماذا ينتظر 17 شهرا بعد إعادة انتخابه ليتقدّم بهذا المشروع في وقت لم يكن فيه البلد في حاجة إلى رؤية مزيد من الدماء تُراق؟

الأجوبة على هذه التساؤلات جاءت في التصريحات المتتالية لرجل السلم والمصالحة الذي نبّه بنفسه الناس إلى ضرورة أن لا يكتفوا بقراءة نص المشروع على ظاهره، بل عليهم أن يقرؤوا (أو بالأحرى أن يتكهنوا) أيضا بما هو مكتوب بحبر سري بين السطور. بوتفليقة يعترف بنفسه أن مشروعه منقوص لكن ليس بالإمكان أحسن مما كان، وقد نطق بعبارته الشهيرة "التوازنات الداخلية" وسارع الببغاوات من ورائه إلى ترديد كلامه وهم لا يعلمون ما يقولون. قال بوتفليقة إن التوازنات الوطنية الداخلية القائمة لا تسمح بتقديم خطوات أكثر من تلك الواردة في مشروع الميثاق المعروض على الاستفتاء"، ثم عاد ليقول إن هناك أناسا داخل السلطة يرفضون عودة السلم إلى البلد، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا ضدهم رغم أن عنوانه في الدستور هو "رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع". لا بدّ أن يكون هؤلاء الرافضون للسلم من القوة والنفوذ بمكان حتى يعجز رجل يحمل كل تلك الصفات والعناوين عن التصدي لهم أو على الأقل ذكر أسمائهم في تجمعاته الشعبية العريضة.

رغم تأكيداته في كل مرة أنه لا يخشى شيئا أو أحدا في سبيل تحقيق مخططاته، إلا أن الواقع أثبت أن "الرئيس القائد الوزير" يخاف فعلا وخوفه دفعه إلى الاعتراف بقوة طرف أو أطراف وتغلبها على إرادة شعب بكامله. بوتفليقة يدّعي أنه يتمتع بتزكية شعب كامل، لكنه يعترف أيضا أن هناك قوة خفية قادرة على مواجهة الرئيس وأغلبيته الشعبية، قوة هي التي تقرر متى وماذا يليق بهذا الشعب وماذا لا يليق به، بل تقرر أيضا ماذا ينبغي على الرئيس القائد الوزير أن يفعل وماذا عليه أن يجتنب.

من تكون هذه القوة يا تُرى؟ السؤال طبعا سخيف ولا مجال لطرحه لولا أن التذكير به واجب في ظل ما تتعرض له الجزائر من مغالطة كبرى تحمل عنوان "ميثاق السلم والمصالحة". لا أحد ينكر أن الرئيس بوتفليقة جاء محمولا على أكتاف الجنرالات ليحكم الجزائر، ثم عاد على أكتاف نفس الجنرالات ليحكم عهدة ثانية مع اختلاف في إخراج المهزلة الانتخابية بين العهدة الأولى والثانية. ولا شك أن الفوز المفروض بقوة عسكرية ترك في نفس الرجل أثرا سيئا وعقدة لا زال يسعى للتخلص منها تارة بقرارات انتقامية وتارة أخرى بتصريحات "نارية" لا يتعدى مفعولها مفعول الفقاعات المائية.

بوتفليقة يسعى الآن لكسب ورقة شعبية تساعده على التخلص من عقدته إزاء الجنرالات، أو هذا ما يوهم نفسه به، لكنه ينسى أن تلك الورقة هي نفسها مصنوعة في مختبرات الجنرالات، أي أنها ستكون قيدا آخر يلفّه. إنه لا يتورع عن شتم الشعب وتهديده ومصادرة أبسط حقوقه الدستورية في الحياة والعدالة والعمل السياسي إرضاء للتوازنات الداخلية، رغم أنه لو كان فعلا يريد حسم الموضوع بقوة الشعب لفعل، لكنه يعلم أن الشعب أو بالأحرى أولئك الذين يدّعون تمثيله هم أناس جبناء ولا يؤتمن جانبهم، لذلك فهو يلعب معهم ويحاول أن يقنع نفسه أنه يناور ضدهم بينما هو يزداد ارتماء بين أحضانهم وأحضان صانعيهم جميعا.

من أجل ذلك فإن الأزمة الجزائرية ستبقى قائمة، بل ستزداد تفاقما، كلما استمرت السلطة ومن يمثلها في الواجهة يبدعون حلولا زائفة ويحاولون فرضها على الشعب. نقول ذلك بمرارة، لكن لا مناص من ذلك. الأزمة ستستمر في الجزائر بعد الإعلان عن تصويت الأغلبية الساحقة للناخبين الجزائريين على مشروع ميثاق السلم والمصالحة، والجزائريون سيظلون متخبطين ومقهورين كلما ازدادت جرعات "الدواء" التي يعدهم بها رئيسهم. ربما سيظهر لهذا الأخير أنه حقق فوزا جديدا على الجنرالات من خلال ما يسميه أصوات الشعب، لكن الواقع هو عكس ذلك تماما والجزائريون لا يحصدون من هذا المناورات إلا مزيدا من الويلات. أم لكم رأي آخر؟!