From :  alnoorani@hotmail.com
Sent : Monday, October 24, 2005 2:50 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : زغلول النجار يجعل القرآن شاهد زور


حبيبنا زغلول النجار يجعل القرآن "شاهد زور"!!
دحض علمي لمنهج الهوى وأوهام مرضى النفوس
الدكتور حسن ميّ النوراني
Dr. Hasan mai alnoorani
مؤسس دعوة النورانية



لامست مشاعر من القلق المحب، قلوب نساء ورجال أحبوني وأحببتهم، لمّا خطر لهم أنني خالفت دعوة الحب التي دعوت إلى إطلاق ثورة عالمية تنادي بها وتنطلق من بلدي فلسطين... ونبهني أحبتي إلى أن حملتي ضد الشيخ الدكتور زغلول النجار، تبدو وكأنها تخرج عن مسار دعوة الحب التي أطلقتها والتي حلت في عقولهم وقلوب عقولهم حلول الضيف الجميل المنتظر على مؤمنين صادقين مخلصين بالحب الذي يؤمنون بأن فيه خلاصنا وأن فيه منهجا يفتح أمامنا حبا حقيقيا للحياة وللإنسانية وللوطن وللعالم كله، بمنهج نوراني منفتح عاقل حر من أوهام الجهالة وعصبيتها وظلاماتها.. منهج مقدام يمضي بعزم النبوة نحو هدفه السامي النبيل، طامحا لإبداع عالم جديد لنا كلنا يتأسس على العدل ويدافع بقوة عن كرامة الإنسان، ويعتق رؤوسنا من أسرها الطويل القامع والممجوج في دوائر تجاوزها الزمن الذي يموت فيه كل من لا يتحرك فيه، حركة نشطة مع تجديدات الحياة.. بقلب عقل محب شجاع صادق!!

أنا أكنّ الحب العميق لأخي الشيخ الدكتور زغلول النجار، كما أكنّه لبنات وأبناء أمي جميعا.. وللنبي الكريم وللقرآن وللتاريخ وللثقافة.. ولكنني أحب كما يحب نوراني منفتح لا يرضى أن نتمادى في السبات ولا تحت مخدرات من الأقوال المجردة من الأفعال أو الأقوال التي لا تقلى الأوهام والتي ابتلى الله بها أمتنا.. وإذا قسوت في ردودي على الشيخ النجار فإنما هي قسوة حرارة الشمس إذا ما عرضنا عليها مفاهيم لم تعد صالحة للزمان، أو أوهام نرجو لو أنها تزاحم الحقائق في عالم الوقائع، بيد أن عالم الوقائع لا يقيم وزنا لغير الحقائق.. فانبريت بحبي العميق للحقيقة وللحياة ولله وللرسول ولأمتي وللإنسانية.. انبريت للدفاع عن الحب الحقيقي الذي ينطلق من الحقيقة ويتعالى عن التلفيق أو الترقيع الذي يبتلي الله به كثيرين منا.. فلنواجه الحقيقة! ولكن.. بالحب الصادق فلنواجه الحقيقة!! ولن تنهض أمتنا طالما ظللنا جبناء مترددين أمام الحقائق.. وطالما ظللنا نسلم قياد التفكير لأصحاب الهوى منا.. قد تكون نواياهم سليمة.. لكن هذا لن يشفع لهم ولن يشفع لنا قبولنا بهم، إذا ما وقفنا أ/ام امتحان صارم في محكمة الواقع والحقيقة.. هم نواياهم سليمة.. وأنا والمؤمنين معي بالنورانية وبالحب الفاعل نمتلك سلامة النوايا أيضا.. لكننا نمتلك معها الشجاعة في التفكير والشجاعة في التعبير.. كل ذلك لأننا نحبكن ونحبكم أيتها الأخوات وأيها الأخوة..

ودعوني الآن أبين لكم، كيف أخطأ الشيخ زغلول النجار، وهو يداعب نفوسنا المهزومة في معركة الحاضر، فيقول إن الإسلام، قرآنا وسنة نبوية، سبق العلم المعاصر بمئات السنين، فاكتشف (القرآن والسنة) حقائق علمية، بدعوى الشيخ، تأخر العلم الإنساني الغربي في اكتشافها إلى أيامنا الراهنة..

أضرب مثلا: في العصر الذي لا نزال ننتمي له، اقترح بعض العلماء تفسيرا لنشوء الكون أطلقوا عليه: "نظرية الانفجار الكبير"، وملخصها أن الكون الذي نعيش فيه، ابتدأ بانفجار جسم صغير غاية الصغر وأقل من حجم نواة الذرة بمرات تبلغ ملايين الملايين.. ومن هذا الانفجار الذي وقع في (أو) للجسم المضغوط عالي الكثافة، تكونت السماوات والأرض وكل الكون الذي نعيش فيه..

وفي برنامج تلفزيوني بثه التلفزيون المصري بتاريخ 6/12/2000 هو "نور على نور" الذي كان يقدنه الإذاعي أحمد فراج، قال ضيف البرنامج، الدكتور الشيخ زغلول النجار، إن القرآن الكريم، سبق اكتشاف نظرية الانفجار العظيم، وما تبعها من نظرية أخرى، تنتج عنها، هي نظرية انتهاء الكون التي يتنبأ به مؤيدو نظرية الانفجار العظيم.. ويؤمن به المتدينون بأديان موسى وعيسى ومحمد، كمقدمة للتحول إلى عالم آخر هو عالم الجنة والنار الأبديتين.

استند الدكتور النجار إلى الآية القرآنية: "أوَلَمْ يرَ الذينَ كفرُوا أنَّ السماواتِ والأرضَ كانتا رَتْـقاً ففتقناهُما وجعلْنا مِنَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ أفَـلا يؤمنونَ‏ "(الأنبياء : ‏30‏).

وجزم أن الآية هذه، تثبت قضية الإعجاز العلمي في القرآن، التي تجد مخالفين كثيرين لها من بين المفكرين المسلمين. ويدافع كل القائلين بأن في القرآن والسنة أعجازا علميا بالقول إن النبي محمد لم يكن قادرا على أن يكشف "الحقائق العلمية" التي كشفها العلم المعاصر، لولا أنه كان يتلقى الوحي من الله رب العالمين، العالم بكل شيء من حقائق الكون ومن عالم الشهادة وعالم الغيب!!

وأكد الدكتور النجار في البرنامج التلفزيوني على الموقف هذا، بالقول إن نظرية الانفجار العظيم، تثبتُ أن آيةَ 30 من سورة الأنبياء، هي آية في الإعجاز العلمي للقرآن، الذي أوحى الله به تعالي لنبيه محمد، وأن من المستحيل على محمد عليه السلام ، أن يكشف عما فيها من الحقيقة، من غير وحي الله المتنزل عليه!!

سيدي الفاضل الدكتور النجار.. أيتها السيدات والسادة جميعا: ماذا يمكن لنا أن نقول، إذا اكتشفنا أن نظرية الانفجار العظيم، ليست محل اتفاق علماء الطبيعة المعاصرين، وأن منهم من يرفض التسليم بأنها تفسر ظواهر الكون ونشأته تفسيرا شاملا سليما، وأن منهم من يعلن بوضوح وقوة، أن الانفجار العظيم حادثة من إبداع الوهم العلمي وأنها لم تحدث مطلقا؟؟!!

إليكم إشارة إلى نماذج محددة من مواقف علماء معاصرين، يشككون في مصداقية نظرية الانفجار العظيم، ويعلنون أن الانفجار الذي تتحدث عنه الفرضية لم يحدث مطلقا، أو أنهم لا يرون فيها أكثر من "فرضية" لا تزال غير ثابتة علميا، أو أنها عاجزة عن تفسير ظواهر الكون كله:

The Big Bang Never Happened"" هذا عنوان كتاب من 466 صفحة (الطبعة الثانية عام 1992) كتبه الباحث في علوم الكون إيرك ليرنر Eric J. Lerner :

ترجمة العنوان باللغة العربية هي: "الانفجار العظيم لم يحدث مطلقا"!! وفي كتابه الضخم، يسرد ليرنر، حقائق علمية تؤكد أن نظرية الانفجار العظيم لا ترقى إلى مستوى النظرية العلمية، ويقول معلق على الكتاب:

Lerner lays bare some painful and embarrassing features of the Big Bang Theory

وترجمته بالعربية: يضع ليرنر في كتابه، بعض العلامات المؤلمة والحرجة على نظرية الانفجار العظيم"!!

وفي بحث علمي بعنوان: Why the Big Bang is Wrong?

وترجمته: "لماذا نظرية الانفجار العظيم خاطئة؟" يقدم الباحث العلميJohn Kierein الأدلة العلمية على فساد نظرية الانفجار العظيم!!

ولمن يرغب في مطالعة البحث فهو موجود على الرابط التالي:http://www.angelfire.com/az/BIGBANGisWRONG/

قد لا ترقى الآراء المخالفة لرأي المدافعين عن مصداقية نظرية الانفجار العظيم إلى مستوى الحقيقة، لكنها تشكك في مصداقية النظرية، وتتركها في ساحة القضاء العلمي، لتواجه الأدلة على بطلانها، أو على عجزها عن إشباع شهوة العلم في تفسير ظواهر الكون من كل جهة!!

أفليس من العجلة إذن، أن يقف شيخ مسلم/ عالم في مجال تخصصه العلمي، مجال علوم الجيولوجيا، فيعلن بصوت جهوري واثق، أن نظرية الانفجار العظيم ، نظرية علمية صادقة قررها القرآن قبل 15 قرنا؟!

حسنا.. ها نحن نشك في مصداقية نظرية الانفجار العظيم.. فهل من حقنا أيضا، أن نشك في مصداقية القرآن العلمية؟!

أي قاضٍ عادل، سيمنحنا الحق في الشك في القرآن الذي ربطه السيد الدكتور النجار بفرضية علمية لم ترق لمستوى الحقيقة العلمية إلا لديه:

قال:

يُعتَبر مجال الخلق‏،‏ وإفنائه‏،‏ وإعادة خلقه‏،‏ من المجالات الغيبية التي لا يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح بغير هداية ربانية‏،‏ ومن هنا فإن العلوم التجريبية لا يمكن لها أن تتجاوز في تلك المجالات مرحلة التنظير بمعنى وضع نظرية من النظريات أو اقتراح فرض من الفروض‏.‏

أضاف:وتتعدد الفروض والنظريات بتعدد خلفية واضعيها العقدية والثقافية والتربوية والنفسية‏،‏ ويبقى للمسلم في هذا المجال نور من الله الخالق في آية من كتابه الكريم‏،‏ أو في حديث مروي بسند صحيح عن خاتم أنبيائه ورسله،‏ صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين‏،‏ يمكن أن يعينه على الارتقاء بإحدى تلك النظريات العلمية إلي مقام الحقيقة لمجرد ورود إشارة لها في أي من هذين المصدرين من مصادر وحي السماء اللذين حفظا بحفظ الله باللغة نفسها التي نزل الوحي بها‏ اللغة العربية على مدى أربعة عشر قرنا ـ أو يزيد ـ دون نقص أو زيادة‏،‏ ونكون في هذه الحالة قد انتصرنا للعلم بالوحي الثابت من كتاب الله المحفوظ بحفظه‏،‏ أو بسنة رسوله‏، صلى الله عليه وسلم‏، وهي من الوحي‏،‏ ولم ننتصر لهما بالعلم المكتسب لأنهما فوق ذلك وأعظم وأجل‏ّ..!!‏".

تابع الدكتور النجار: إذا عدنا بهذا الاتساع الكوني الراهن إلى الوراء مع الزمن فإن كافة ما في الكون من صور المادة والطاقة والمكان والزمان لا بد أن تلتقي في جرم واحد‏،‏ متناه في ضآلة الحجم إلى ما يقترب من الصفر أو العدم‏،‏ فيتلاشى كل من المكان والزمان‏،‏ ومتناه في ضخامة الكتلة والحرارة إلى الحد الذي تتوقف عنده قوانين الفيزياء النظرية‏،‏ وهذا الجرم الابتدائي انفجر بأمر من الله تعالى.

أضاف وهو يدافع وباسم القرآن والنبي محمد عن نظرية الانفجار العظيم: فنشر مختلف صور الطاقة‏،‏ والمادة الأولية‏،‏ للكون في كل اتجاه‏،‏ وتخلقت من تلك الطاقة المادة الأولية‏،‏ ومن المواد الأولية تخلقت العناصر علي مراحل متتالية‏،‏ وبدأ الكون في الاتساع‏،‏ ومع اتساعه تعاظم كل من المكان والزمان‏،‏ وتحولت مادة الكون إلى سحابة من الدخان الذي خلقت منه الأرض وكل أجرام السماء‏،‏ وما يملأ المسافات بينها من مختلف صور المادة والطاقة‏،‏ وظل الكون في التمدد والتوسع منذ لحظة الانفجار العظيم إلي يومنا الراهن‏،‏ وإلى أن يشاء الله‏ تعالى.

وذكر ما اعتبره "شواهد علمية على صحة نظرية الانفجار العظيم فقال إن منها: "التوسع الحالي للكون المشاهد‏".

هاتوا نتوقف قليلا عند هذا الشاهد العلمي: يقر العلماء بواقعية توسع الكون، كما يتسع بالون إذا نفخه نافخ، ولكن هذا التوسع، الذي يعتبره الدكتور النجار، دليلا علميا على مصداقية نظرية الانفجار العظيم، هو في حقيقته، شاهد على خلل كامن في بنية النظرية..

وفقا للنظرية، فإن حرارة الكون تتناقص عن الدرجة التي كانت عليها عند بدء الانفجار.. ومن هذه النقطة، يتنبأ المتنبئون، بأن الكون يسير نحو الانكماش.. والدكتور النجار استنتج من نظرية انكماش الكون ما يؤيد إيمانه وإيمان المسلمين بعقيدة القيامة، واستدعى آية من آيات القرآن تتحدث عن أن الله سيطوي السماوات "كطيّ السجل للكتب" عندما تقوم الساعة.. ووظفها كالعادة، ليردد من جديد، أن القرآن سبق العلم في تقرير حقائق الكون!!

برودة الكون التي يقول بها العلماء، تتناقض مع تمدد الكون الذي تؤكده فرضية الانفجار العظيم! هذا التناقض الداخلي، يقدم دليلا عقليا على تهافت فرضية الانفجار العظيم.. فوفقا لعلم المنطق، وقواعده المحكمة، فإن التناسق الداخلي لقضية منطقية، هو شرط ضروري لثبات مصداقيتها..

أخي الدكتور النجار، شأنه شأن المتدينين غير المهتدين بعقلية نورانية، لا يقيم وزنا لقواعد المنطق والتي هي قواعد التفكير السليم.. لماذا؟ لأن منطقه هو منطق القفز من مستوى الواقعة إلى مستوى "الهوى النفسي" أو "المرغوب فيه"!! الدكتور النجار، وكل من يقبلون دفاعاته عن علمية القرآن، بمعايير العصر الراهن، لا بمعايير عصره القديم، يرغبون، لدوافع نفسية مرضية، بأن نكون نحن المسلمين قد سبقنا الحضارة العلمية المعاصرة، باعتبارنا "خير أمه أخرجت للناس" وباعتبارنا الأمة الوسط "الشهداء على الناس" كما يقول القرآن.. لكننا لأننا مصابون بعقدة النقص الحضارية وتحت تأثيرات تخلفنا الراهن، وتحت تأثير تاريخنا العظيم، ودعاوانا الأعظم بأننا نملك الحقيقة المطلقة، ونملك تفسير ما حدث وما يمكن أن يحدث في الكون، تحت هذه التأثيرات، وقعنا في حالة المرض النفسي الحضاري الذي يجسده الدكتور النجار، وكل من ينخدع بالأوهام التي يوزعها بمثابرة، وبلباس يدعي العلمية، لكنه في الحقيقة، لا ينفع الناس، ولا يخدم الدين، ولا يخدم العلم.. إلا كنفع كذبة ساذجة، لا تلبث أن تؤكد من جديد، ما تقرره حكمة المقولة الشعبية: "حبل الكذب قصير!!"..

كيف يعالج العلم تناقضا ما في فرضية علمية؟ لا يفعل العلماء ذلك، بالتغاضي عن الحقائق الواقعية التي تدل على تناقض فرضية ما.. فالواقع في كل الأخوال، هو المحكمة التي تمثل أمامها النظريات العلمية، ذلك أن وظيفة أية نظرية علمية، هي تفسير ظواهر واقعية، بصيغة عقلية، نسميها فرضية في الابتداء، وقد ترقى لمستوى النظرية، وقد ترقى لمستوى القانون، إذا أيدتها البراهين وشهدت لها بالمصداقية.. ولكن العلماء يشككون في صلاحية فرضية الانفجار العظيم وهم يواجهون بها ظواهر طبيعية تتعاطى الفرضية معها، لكنها تعجز عن تفسيرها..

أمام نظرية أو فرضية الانفجار العظيم، نحن أماما تناقض: إنها تستدعي أن الكون يبرد.. ولكنه في الوقت ذاته يتمدد.. المفروض أنه ينكمش، بحكم أن حرارته تنخفض كلما تقدمنا في الزمن.. فالأجسام الطبيعية، ومنها الكون باعتباره جسما طبيعيا كبيرا، تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة.. فلماذا الكون يتمدد رغم أنه يبرد حقبة بعد حقبة؟!

الرد العلمي هو أن نظرية الانفجار العظيم، ليست نظرية صالحة لتفسير نشأة الكون وتطوره.. ولأنها ليست صالحة في نظر العلماء، فلا بد من وضع فرضية أخرى.. فماهي؟

تقول نظرية أو فرضية أخرى، بأن الانفجار الكبير لو كان حدث بالفعل، فهو لا ينطبق على الكون المطلق، الذي هو، بفرض الفرضية الجديدة، لا بد أن يكون أكبر من كوننا هذا الذي يعتقد البعض منا انه بدأ بحادثة الانفجار العظيم المتخيلة!!

وهكذا.. يمضي أصحاب فرضية الكون الأكبر من كوننا، أو الكون متعدد الأكوان، الذي منه كوننا، فيقولون أن تمدد الكون المتناقض مع برودته، إنما يقع تحت تأثير قوة الجاذبية التي تصدر عن كون أوسع من كوننا.. هذه الجاذبية للكون الأوسع، هي التي تواجه برودة كوننا وتمنعها من أن تقوم بالعمل على انكماش كوننا كما تقتضي ظاهرة البرودة التي تكتنفه!!

هكذا إذن نجد أنفسنا، علميا، أمام فرضية جديدة لنشأة الكون، تحاول التخلص من خلل نظرية الانفجار العظيم.. وتفترض النظرة الجديدة أن نظرية الانفجار العظيم، وإن صحت، فهي لا تفسر نشأة الكون التي يفسرها القرآن، والدكتور زغلول، بعملية "فتق الرتق"!! فالفرضية العلمية الجديدة، تقترح التسليم بوجود أكوان أخرى، أو وجود كون أكبر من كوننا وسابق عليه في الوجود!!

الفرضية الجديدة، تدعمها اكتشافات علمية جديدة، لوجود أجسام طبيعية، كونية، أو نجوم، عمرها يقارب أو أكبر من العمر المفترض لكوننا الذي سعت فرضية الانفجار العظيم لتفسير نشأته، والتي افترضت أنه بدأ ما قبل 10 إلى 20 بليون سنة!! فكيف نقبل بمصداقية نظرية تريد أن تقنعنا أن الابن يمكن أن يكون قد سبق أبيه في الميلاد؟! هل يستطيع الدكتور النجار أن يقنعنا أن الأبناء ولدوا قبل آبائهم وأمهاتهم؟! إذا استطاع ذلك، فأنا أول من سيقتنع بدعواه أن القرآن الكريم (الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكلام الله المحكم المنزه عن الخطأ؛ كما يقول المتدينون غير النورانيين) يدعم ويؤيد ويبارك نظرية الانفجار العظيم التي تتسع للقول أن الأبناء أكبر من آبائهم وأمهاتهم أو يساوونهم في العمر على أقل تقدير!!

يقول الدكتور النجار مدافعا عن فرضية الانفجار العظيم:

"نرقى بهذه النظرية إلى مقام الحقيقة الكونية لورود ما يدعمها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين يخبرنا بقول الخالق‏ سبحانه وتعالى: "أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" .

يعني الدكتور النجار باختصار وبحسم: النظرية صحيحة لأن القرآن قرر صدقها!!

فماذا نقول في القرآن إذا كان القرآن "شاهد زور" في محكمة لم يحكم قضاتها بصدق نظرية (فرضية) الانفجار العظيم؟! الدكتور النجار بوضوح، يستنطق القرآن كما يستنطق محامي المتهم، شاهد زور، لتأييد متهم لا يمتلك أدلة البراءة.. فهل بعد ذلك، يبقى أمامنا مجال لتصديق ما يردده الدكتور النجار وأشباهه من دعاوى تنحو نحو تأكيد الإعجاز العلمي للقرآن، وسبقه للعلوم العصرية وتفوقه عليها؟! هل التزوير أو الحكم بمنطق الهوى، يخدم الدين ويخدم أتباعه، في معركة تخوضها الأمة ضد حضارة نشأت على المعرفة العملية وتواصل صعودها بالمنهج العلمي السليم؟!

هل اتضح لكنّ ولكم أيتها الأخوات والإخوة، لماذا بدوت "ناريا" وأنا أواجه أخي الدكتور زغلول النجار؟! فعلت ذلك لأني أحب الحقيقة وأنحاز لها وأحترم كرامة العقل الإنساني وأحب أمتي وأنحاز لها.. وأدافع عن القرآن بما تعكسه حقيقته لا بما تمليه أهواء وأمراض النفوس الضعيفة!!

ها أنا أضيف أشياء أخرى لما قلته:

القرآن يتحدث عن رتق وفتق ولا يتحدث عن "انفجار".. والقرآن نزل بلغة العرب ولم تعرف العرب أن "الانفجار" من مرادفات الفتق والرتق".. فراجعوا إن شئتم، بل يجب أن تفعلوا إذا كنتم تحبون الحقيقة وتحبون الأمة كما أحبهما أنا.. راجعوا تفسيرات القرآن التي أنجزها علماء دين أقرب لفهم الدين من متخصص في علوم الجيولوجيا، يحيا في عصر انحطاط أمتنا العلمي والأخلاقي.. ويعاني كما تعاني أمتنا في مجملها من عقدة النقص ومن عقدة التشتت بين تاريخ عظيم وحاضر مشين.. وأنا أوافق أننا لا ينبغي لنا أن نحبس عقولنا في تفسيرات الأقدمين التي قد لا تقوى على الصمود في وجه تغيرات المعرفة.. ولكننا لا ينبغي لنا أن نصعد من هذا المطلب فنطلب في النصوص ما ليس منها!!

وبدعواي.. فإن القرآن سجل معارف عصره، ومعارف ما قبل عصره، التي كان الناس في زمن البعثة المحمدية يألفونها.. ومن ثقافة عصر النبي محمد، ما كان يردده "أهل الكتاب" مما دوَّنه أجدادهم في كتبهم الدينية ومنها التوراة:

يبدأ العهد القديم (توراة اليهود) من الكتاب المقدس، مستهلا "سفر التكوين" الذي يتناول وجهة نظر مدوني التوراة، في مسالة بدء الخلق، بالقول:

"في البدء خلق الله السموات والأرض.. و (كان) روح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن جَلـَد في وسط المياه. وليكن فاصل بين مياه ومياه. فعمل الله الجَلـَد وفصل بين المياه التي تحت الجَلـَد والمياه التي فوق الجَلـَد. وكان كذلك. ودعا الله الجَلـَد سماءً. وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضا ومجتمع المياه دعاه بحارا.."..

فلو استخدمنا لغة القرآن، فيمكن لنا أن نعيد صياغة المفهوم التوراتي لنشأة الكون، كما صاغها القرآن، فنقول إن أصل الكون (=الماء) كان جسدا واحدا (=رتقا)، وأن الله قسمه إلى جزئين (=فتقهما)، فنشأت السماوات من الجَلـَد (= السماء الدنيا) والماء الذي فوقها (=بقية السماوات السبع)، ونشأت الأرض (اليابسة والبحار) تحت الجَلـَد أو السماء الدنيا بلغة القرآن!! لنلاحظ أن الجَلـَد (السماء) كان ملتصقا بالأرض (كانتا رتقا).. ولنلاحظ أيضا أن مجمل الماء قبل عملية التفريق بين أجزائه (الفتق) كان متصلا أيضا (رتقا), ولنلاحظ أن الآية القرآنية تتضمن الإشارة النصية إلى أن الله جعل من الماء كل شيء حي.. وكأن الماء فرض نفسه في النص القرآني ليشير إلى أن المناخ التأسيسي للنص القرآني (آية 30: سورة الأنبياء) هو مناخ مائي برز بوضوح في النصوص التوراتية!!

لنلاحظ أيضا، أن الآية 30 من سورة الأنبياء التي استخدمها الدكتور النجار ليبارك بها نظرية أو فرضية الانفجار العظيم، بدأت بسؤال توبيخي للكفار: "أو لم ير (= يعلم) الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا..." فالنص القرآني هنا يخاطب الكفار الذين كان القرآن يواجههم في عصر النبي محمد، وهم اليهود والنصارى الذي يسميهم القرآن "كفارا".. الذين يعرفون ما ورد في كتابهم (التوراة كتاب لليهود والنصارى معا).. والقرآن أراد محاججتهم بما يؤمنون به: من فمك أدينك!! ففي سؤاله التوبيخي، يكرر القرآن عرض جوهر المفهوم اليهودي التوراتي ولكن بصياغة القرآن الخاصة به.. وهذا منهج اتبعه القرآن وهو يجدد صياغة المفاهيم المعاصرة لزمن النبي أو السابقة عليه!!

فإذا أخلص أحدنا للقرآن وللناس، وأخلص للحقيقة، فلا بد أنه سيكتشف وجه الشبه بين الصياغة القرآنية لنظرية بدء الكون وبين الصياغة التوراتية.. ولكنه لن يعثر على وجه الشبه بين المفهوم الديني (القرآني والتوراتي) والمفهوم العلمي غير المقرر نهائيا حتى الآن، حول مسالة نشأة الكون.

اقترح العلماء تفسير نشأة الكون بفرضية الانفجار العظيم، لكنها فشلت في مهمتها، فنحا العلماء منحى آخر فاقترحوا فرضية أخرى صاغوها في سؤال : لماذا نفترض أن الكون واحد فقط، وليس أكوانا متعددة؟!

وقال الباحث العلمي بول ديفيز، في مقال تحت عنوان: "الانفجار الكبير"، وترجمته ليلى نشواني، ونشره موقع "معابرنا Maaberuna" على الانترنت في عدد شهر أغسطس عام 2005 ، (مع ملاحظة أن الباحث يدافع عن نظرية الانفجار الكبير) ما يلي:

لقد تمَّ إحراز تقدم كبير في السنوات العشرين الأخيرة؛ وذلك أيضًا بفضل النظرية الكوانتية للحقول. هذه النظريات أوحت لبعضهم بسيناريو أكثر تفصيلاً، يقول إن المنطقة التي نطلق عليها تقليديًّا اسم "كون" ليست سوى "فقاعة" صغيرة من المكان داخل تجمُّع كبير لمناطق متمدِّدة، مرارًا ما تتجمَّع تحت اسم "الكون المتعدِّد". وهناك نظرية جديدة جدًّا تُعرَف باسم "النموذج الإيكپيروتي" ذهبت إلى تفسير ولادة الكون على أنها نتيجة اصطدام كونين يفصل بينهما "بُعد خامس". ولكن هذه النظريات تصيبنا بالذهول!! انتهى كلام الباحث، ووضع الصورة التالية والتعليق عليها الذي يدعم ما قاله أعلاه:


باتت فكرة وجود "كون متعدد" مقبولة اليوم في الكوسمولوجيا الكوانتية. ثلاثة أكوان متصل بعضها ببعض بواسطة "ثقوب دودية" (النموذج السكوني).

وهكذا يتحدث العلماء في الحقبة الحاضرة، عن نظرية الكون الأعظم Cosmoc Suprem متجاوزين نظرية او فرضية الانفجار العظيم. ولا يزل الحديث العلمي الجديد في علم أصول الكون Cosmogenesis خواطر تراود العلماء، لم ترق إلى مستوى النظرية المسلم بصحتها، ولكنها تفتح الباب على مصراعيه لأسئلة كثيرة، تنطلق مما يبدو أنه ميل للإيمان بعالم متعدد الأكوان، لا تتسع فرضية الانفجار الكبير لاستيعابه، فهي فرضية كانت تخمن أن العالم كون واحد، لكن الوقائع دحضت ما خمنته النظرية القديمة، التي لم تجد من يسلم بها تسليما مطلقا، من نوع ودرجة التسليم الديني، سوى أولئك الذين دفعتهم العاطفة الدينية، التي لا تحتكم لمنطق العقل المستنير، المتمثلين في ظاهرة عامة، يجسدها الشيخ النجار، ويؤيدها المخدوعون بالوهم وبه.. وبالهوى الذي يخدر الوعي، رأي الشيح الدكتور زغلول النجار، أن الفتق بعد الرتق الذي تحدثت عنه آية قرآنيه، هو الانفجار العظيم لجسم مادي متناه في الصغير.. لكنه ـ بمقتضى الفرضية ـ ليس أول الكون ولكنه صورة من صور تحولاته.. لم يكن أول الكون لأنه لم يكن "خام مطلقا" كما يقول العلماء في فرضيتهم، بل اجتمعت فيه مكونات الكون من مادة لها كتلة ومن طاقة ومن قوى الطبيعة الأساسية المتعددة.. لكن المسألة برمتها لا تخرج من دائرة الفرضيات.. ولكن العقل لا يرى وجع شبه بينها وبين نظرية "الرتق والفتق القرآنية"..

كما أشرنا إليها، أو كما فسرها مفسرو القرآن الكبار..

ولمن يرغب في معرفة تفسيرات كبار المفسرين للآية التي تضمنت نظرية الفتق بعد الرتق نعرض ما يلي، نقلا حرفيا عن أربعة من التفاسير ذات الشهرة لدى المسلمين من عامتهم وخاصتهم، ثم نترك لضمير القارئ أن يقرر رأيه فيما دافعنا عنه هنا، بدافع الحب للحقيقة وللناس المؤمنين بالدين وغير المؤمنين، ولأخي الشيخ زغلول النجار.. لعله يرشد فيهتدي للحق، ومعه الأحبة أجمعين من بنات وأبناء أمي، بدعوة النورانية:

تفسير ابن كثير

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ يَقُول تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَته التَّامَّة وَسُلْطَانه الْعَظِيم فِي خَلْقه الْأَشْيَاء وَقَهْره لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَات فَقَالَ " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ الْجَاحِدُونَ لِإِلَهِيَّتِهِ الْعَابِدُونَ مَعَهُ غَيْره أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه هُوَ الْمُسْتَقِلّ بِالْخَلْقِ الْمُسْتَبِدّ بِالتَّدْبِيرِ فَكَيْف يَلِيق أَنْ يُعْبَد مَعَهُ غَيْره أَوْ يُشْرَك بِهِ مَا سِوَاهُ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا أَيْ كَانَ الْجَمِيع مُتَّصِلًا بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَلَاصِق مُتَرَاكِم بَعْضه فَوْق بَعْض فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَجَعَلَ السَّمَوَات سَبْعًا وَالْأَرْض سَبْعًا وَفَصَلَ بَيْن السَّمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض بِالْهَوَاءِ فَأَمْطَرَتْ السَّمَاء وَأَنْبَتَتْ الْأَرْض وَلِهَذَا قَالَ " وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْمَخْلُوقَات تَحْدُث شَيْئًا فَشَيْئًا عِيَانًا وَذَلِكَ كُلّه دَلِيل عَلَى وُجُود الصَّانِع الْفَاعِل الْمُخْتَار الْقَادِر عَلَى مَا يَشَاء . فَفِي كُلّ شَيْء لَهُ آيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِد قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس : اللَّيْل كَانَ قَبْل أَوْ النَّهَار ؟ فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ السَّمَوَات وَالْأَرْض حِين كَانَتَا رَتْقًا هَلْ كَانَ بَيْنهمَا إِلَّا ظُلْمَة ؟ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْل قَبْل النَّهَار . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن أَبِي حَمْزَة حَدَّثَنَا حَاتِم عَنْ حَمْزَة بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْأَلهُ عَنْ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا . قَالَ اِذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخ فَاسْأَلْهُ . ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَك قَالَ فَذَهَبَ إِلَى اِبْن عَبَّاس فَسَأَلَهُ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس نَعَمْ كَانَتْ السَّمَوَات رَتْقًا لَا تُمْطِر وَكَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا لَا تُنْبِت فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ فَرَجَعَ الرَّجُل إِلَى اِبْن عُمَر فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ اِبْن عُمَر الْآن قَدْ عَلِمْت أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآن عِلْمًا صَدَقَ هَكَذَا كَانَتْ قَالَ اِبْن عُمَر قَدْ كُنْت أَقُول مَا يُعْجِبنِي جَرَاءَة اِبْن عَبَّاس عَلَى تَفْسِير الْقُرْآن فَالْآن عَلِمْت أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآن عِلْمًا وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ كَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُمْطِر فَأَمْطَرَتْ وَكَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُنْبِت فَأَنْبَتَتْ وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد سَأَلْت أَبَا صَالِح الْحَنَفِيّ عَنْ قَوْله " أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " قَالَ كَانَتْ السَّمَاء وَاحِدَة فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْع سَمَوَات وَكَانَتْ الْأَرْض وَاحِدَة فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْع أَرْضِينَ وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَزَادَ وَلَمْ تَكُنْ السَّمَاء وَالْأَرْض مُتَمَاسَّتَيْنِ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر بَلْ كَانَتْ السَّمَاء وَالْأَرْض مُلْتَزِقَتَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاء وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْض كَانَ ذَلِكَ فَتْقهمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة كَانَتَا جَمِيعًا فَفَصَلَ بَيْنهمَا بِهَذَا الْهَوَاء وَقَوْله " وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ " أَيْ أَصْل كُلّ الْأَحْيَاء . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْجُمَاهِر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن بَشِير حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ أَبِي مَيْمُونَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ يَا نَبِيّ اللَّه إِذَا رَأَيْتُك قَرَّتْ عَيْنِي وَطَابَتْ نَفْسِي فَأَخْبِرْنَا عَنْ كُلّ شَيْء قَالَ " كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ مَاء " . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَزِيد حَدَّثَنَا هَمَّام عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي مَيْمُونَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي إِذَا رَأَيْتُك طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء قَالَ " كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ مَاء " قَالَ قُلْت أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْر إِذَا عَمِلْت بِهِ دَخَلْت الْجَنَّة قَالَ " أَفْشِ السَّلَام وَأَطْعِمْ الطَّعَام وَصِلْ الْأَرْحَام وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نِيَام ثُمَّ اُدْخُلْ الْجَنَّة بِسَلَامٍ" وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْد الصَّمَد وَعَفَّان وَبَهْز عَنْ هَمَّام تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرْط الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا أَنَّ أَبَا مَيْمُونَة مِنْ رِجَال السُّنَن وَاسْمه سُلَيْم وَالتِّرْمِذِيّ يَصِحّ لَهُ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة مُرْسَلًا وَاَللَّه أَعْلَم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَنْظُر هَؤُلَاءِ الَّذِي كَفَرُوا بِاَللَّهِ بِأَبْصَارِ قُلُوبهمْ , فَيَرَوْا بِهَا , وَيَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا : يَقُول : لَيْسَ فِيهِمَا ثُقْب , بَلْ كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ ; يُقَال مِنْهُ : رَتَقَ فُلَان الْفَتْق : إِذْ شَدَّهُ , فَهُوَ يَرْتُقهُ رَتْقًا وَرُتُوقًا ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَرْجهَا مُلْتَحِم : رَتْقَاء . وَوَحَّدَ الرَّتْق , وَهُوَ مِنْ صِفَة السَّمَاء وَالْأَرْض , وَقَدْ جَاءَ بَعْد قَوْله : { كَانَتَا } لِأَنَّهُ مَصْدَر , مِثْل قَوْل الزُّور وَالصَّوْم وَالْفِطْر . وَقَوْله : { فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول : فَصَدَّعْنَاهُمَا وَفَرَّجْنَاهُمَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالرَّتْقِ , وَكَيْف كَانَ الرَّتْق , وَبِأَيِّ مَعْنًى فُتِقَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18531 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا } يَقُول : مُلْتَصِقَتَيْنِ . 18532 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . . . الْآيَة , يَقُول : كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ , فَرَفَعَ السَّمَاء وَوَضَعَ الْأَرْض . 18533 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : كَانَتَا مُلْتَزِقَتَيْنِ , فَفَتَقَهُمَا اللَّه . 18534 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن وَقَتَادَة يَقُولَانِ : كَانَتَا جَمِيعًا , فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِهَذَا الْهَوَاء وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة , فَفَتَقَهَا اللَّه فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات وَكَذَلِكَ الْأَرْض كَانَتْ كَذَلِكَ مُرْتَتِقَة , فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع أَرَضِينَ ذِكْر مَنْ قَالَ : ذَلِكَ : 18535 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } مِنْ الْأَرْض سِتّ أَرَضِينَ مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع أَرَضِينَ مَعَهَا , وَمِنْ السَّمَاء سِتّ سَمَاوَات مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع سَمَاوَات مَعَهَا . قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْض وَالسَّمَاء مُتَمَاسَّتَيْنِ . 18536 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : فَتَقَهُنَّ سَبْع سَمَاوَات بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , وَسَبْع أَرَضِينَ بَعْضهنَّ تَحْت بَعْض . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . 18537 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , قَالَ : سَأَلْت أَبَا صَالِح عَنْ قَوْله : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا وَالسَّمَاوَات رَتْقًا , فَفَتَقَ مِنْ السَّمَاء سَبْع سَمَاوَات , وَمِنْ الْأَرْض سَبْع أَرَضِينَ . 18538 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة ثُمَّ فَتَقَهَا , فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ , فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام } 7 54 يَقُول : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض كَذَلِكَ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18539 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتَا رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهُمَا شَيْء , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْله : { وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع } . 86 11 : 12 18540 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْفُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ وَجَعَلَ مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ , أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ؟ 18541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاوَات رَتْقًا لَا يَنْزِل مِنْهَا مَطَر , وَكَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهَا نَبَات , فَفَتَقَهُمَا اللَّه , فَأَنْزَلَ مَطَر السَّمَاء , وَشَقَّ الْأَرْض فَأَخْرَجَ نَبَاتهَا . وَقَرَأَ : { فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ { فَفَتَقْنَاهُمَا } لِأَنَّ اللَّيْل كَانَ قَبْل النَّهَار , فَفَتَقَ النَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18542 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : خُلِقَ اللَّيْل قَبْل النَّهَار . ثُمَّ قَالَ : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِي كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات , فَفَتَقْنَا السَّمَاء بِالْغَيْثِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَقِّب ذَلِكَ بِوَصْفِ الْمَاء بِهَذِهِ الصِّفَة إِلَّا وَاَلَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْر أَسْبَابه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَكَيْف قِيلَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا , وَالْغَيْث إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَف فِيهِ , قَدْ قَالَ قَوْم : إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ السَّمَاء الرَّابِعَة , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا , لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } دَلِيل عَلَى خِلَاف مَا قُلْنَا , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُقَال " السَّمَاوَات " وَالْمُرَاد مِنْهَا وَاحِدَة فَتُجْمَع , لِأَنَّ كُلّ قِطْعَة مِنْهَا سَمَاء , كَمَا يُقَال : ثَوْب أَخْلَاق , وَقَمِيص أَسْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا , فَالسَّمَاوَات جَمْع , وَحُكْم جَمْع الْإِنَاث أَنْ يُقَال فِي قَلِيلَة كُنَّ , وَفِي كَثِيره كَانَتْ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا . صِنْفَانِ , فَالسَّمَاوَات نَوْع , وَالْأَرْض آخَر ; وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْأَسْوَد بْن يَعْفَر : إِنَّ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف كِلَاهُمَا تُوفِي الْمَخَارِم يَرْقُبَانِ سَوَادِي فَقَالَ : " كِلَاهُمَا " , وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف لِمَا وُصِفَتْ مِنْ أَنَّهُ عَنَى النَّوْعَيْنِ . وَقَدْ أُخْبِرْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : أَنْشَدَنِي غَالِب النُّفَيْلِيّ لِلْقُطَامِيّ : أَلَمْ يَحْزُنك أَنَّ حِبَال قَيْس وَتَغْلِب قَدْ تَبَايَنَتَا اِنْقِطَاعًا فَجَعَلَ حِبَال قَيْس وَهِيَ جَمْع وَحِبَال تَغْلِب وَهِيَ جَمْع اِثْنَيْنِ .

وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحْيَيْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي نُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء كُلّ شَيْء . كَمَا : 18543 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } قَالَا : كُلّ شَيْء حَيّ خُلِقَ مِنْ الْمَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف خَصَّ كُلّ شَيْء حَيّ بِأَنَّهُ جُعِلَ مِنْ الْمَاء دُون سَائِر الْأَشْيَاء غَيْره , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَحْيَا بِالْمَاءِ الزُّرُوع وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا حَيَاة لَهُ , وَلَا يُقَال لَهُ حَيّ وَلَا مَيِّت ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاة وَمَوْت , وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَات الْأَرْوَاح فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاح فِيهِنَّ وَأَنَّ فِي ذَوَات الْأَرْوَاح أَرْوَاحًا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } .

وَقَوْله : { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ , وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ ؟

تفسير القرطبي

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا

قِرَاءَة الْعَامَّة " أَوَ لَمْ " بِالْوَاوِ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَشِبْل بْن عَبَّاد " أَلَمْ تَرَ " بِغَيْرِ وَاو وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَف مَكَّة . " أَوَ لَمْ يَرَ " بِمَعْنَى يَعْلَم . " الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا " قَالَ الْأَخْفَش : " كَانَتَا " لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ , كَمَا تَقُول الْعَرَب : هُمَا لِقَاحَانِ أَسْوَدَانِ , وَكَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا " [ فَاطِر : 41 ] قَالَ أَبُو إِسْحَاق : " كَانَتَا " لِأَنَّهُ يُعَبَّر عَنْ السَّمَوَات بِلَفْظِ الْوَاحِد بِسَمَاءٍ ; وَلِأَنَّ السَّمَوَات كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ . وَقَالَ : " رَتْقًا " وَلَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر ; وَالْمَعْنَى كَانَتَا ذَوَاتَيْ رَتْق . وَقَرَأَ الْحَسَن " رَتَقًا " بِفَتْحِ التَّاء . قَالَ عِيسَى بْن عُمَر : هُوَ صَوَاب وَهِيَ لُغَة . وَالرَّتْق السَّدّ ضِدّ الْفَتْق , وَقَدْ رَتَقْت الْفَتْق أَرْتُقهُ فَارْتَتَقَ أَيْ اِلْتَأَمَ , وَمِنْهُ الرَّتْقَاء لِلْمُنْضَمَّةِ الْفَرْج . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة : يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ شَيْئًا وَاحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . وَكَذَلِكَ قَالَ كَعْب : خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بَعْضهَا عَلَى بَعْض ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا بِوَسَطِهَا فَفَتَحَهَا بِهَا , وَجَعَلَ السَّمَوَات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا . وَقَوْل ثَانٍ قَالَهُ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ وَأَبُو صَالِح : كَانَتْ السَّمَوَات مُؤْتَلِفَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَوَات , وَكَذَلِكَ الْأَرَضِينَ كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعًا . وَحَكَاهُ الْقُتَبِيّ فِي عُيُون الْأَخْبَار لَهُ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء مَخْلُوقَة وَحْدهَا وَالْأَرْض مَخْلُوقَة وَحْدهَا , فَفَتَقَ مِنْ هَذِهِ سَبْع سَمَوَات , وَمِنْ هَذِهِ سَبْع أَرَضِينَ ; خَلَقَ الْأَرْض الْعُلْيَا فَجَعَلَ سُكَّانهَا الْجِنّ وَالْإِنْس , وَشَقَّ فِيهَا الْأَنْهَار وَأَنْبَتَ فِيهَا الْأَثْمَار , وَجَعَلَ فِيهَا الْبِحَار وَسَمَّاهَا رِعَاء , مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام ; ثُمَّ خَلَقَ الثَّانِيَة مِثْلهَا فِي الْعَرْض وَالْغِلَظ وَجَعَلَ فِيهَا أَقْوَامًا , أَفْوَاههمْ كَأَفْوَاهِ الْكِلَاب وَأَيْدِيهمْ أَيْدِي النَّاس ; وَآذَانهمْ آذَان الْبَقَر وَشُعُورهمْ شُعُور الْغَنَم , فَإِذَا كَانَ عِنْد اِقْتِرَاب السَّاعَة أَلْقَتْهُمْ الْأَرْض إِلَى يَأْجُوج وَمَأْجُوج , وَاسْم تِلْكَ الْأَرْض الدَّكْمَاء , ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْض الثَّالِثَة غِلَظهَا مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَمِنْهَا هَوَاء إِلَى الْأَرْض . الرَّابِعَة خَلَقَ فِيهَا ظُلْمَة وَعَقَارِب لِأَهْلِ النَّار مِثْل الْبِغَال السُّود , وَلَهَا أَذْنَاب مِثْل أَذْنَاب الْخَيْل الطِّوَال , يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا فَتُسَلَّط عَلَى بَنِي آدَم . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْخَامِسَة [ مِثْلهَا ] فِي الْغِلَظ وَالطُّول وَالْعَرْض فِيهَا سَلَاسِل وَأَغْلَال وَقُيُود لِأَهْلِ النَّار . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّادِسَة وَاسْمهَا مَاد , فِيهَا حِجَارَة سُود بُهْم , وَمِنْهَا خُلِقَتْ تُرْبَة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , تُبْعَث تِلْكَ الْحِجَارَة يَوْم الْقِيَامَة وَكُلّ حَجَر مِنْهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيم , وَهِيَ مِنْ كِبْرِيت تُعَلَّق فِي أَعْنَاق الْكُفَّار فَتَشْتَعِل حَتَّى تُحْرِق وُجُوههمْ وَأَيْدِيهمْ , فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة " [ الْبَقَرَة : 24 ] ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّابِعَة وَاسْمهَا عَرَبِيَّة وَفِيهَا جَهَنَّم , فِيهَا بَابَانِ اِسْم الْوَاحِد سِجِّين وَالْآخَر الْغَلْق , فَأَمَّا سِجِّين فَهُوَ مَفْتُوح وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي كِتَاب الْكُفَّار , وَعَلَيْهِ يُعْرَض أَصْحَاب الْمَائِدَة وَقَوْم فِرْعَوْن , وَأَمَّا الْغَلْق فَهُوَ مُغْلَق لَا يُفْتَح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَنَّهَا سَبْع أَرَضِينَ بَيْن كُلّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَسَيَأْتِي لَهُ فِي آخِر " الطَّلَاق " زِيَادَة بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ عِكْرِمَة وَعَطِيَّة وَابْن زَيْد وَابْن عَبَّاس أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ : إِنَّ السَّمَوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر , وَالْأَرْض كَانَتْ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ , وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ ; نَظِيره قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع . وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع " [ الطَّارِق : 11 - 12 ] . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الطَّبَرِيّ ; لِأَنَّ بَعْده : " وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " . قُلْت : وَبِهِ يَقَع الِاعْتِبَار مُشَاهَدَة وَمُعَايَنَة ; وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي غَيْر مَا آيَة ; لِيَدُلّ عَلَى كَمَال قُدْرَته , وَعَلَى الْبَعْث وَالْجَزَاء . وَقِيلَ : يَهُون عَلَيْهِمْ إِذَا يَغْضَبُو نَ سَخَط الْعُدَاة وَإِرْغَامهَا وَرَتْق الْفُتُوق وَفَتْق الرُّتُو قِ وَنَقْضِ الْأُمُور وَإِبْرَامهَا

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ

ثَلَاث تَأْوِيلَات : أَحَدهَا : أَنَّهُ خَلَقَ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَاء ; قَالَهُ قَتَادَة الثَّانِي : حِفْظ حَيَاة كُلّ شَيْء بِالْمَاءِ . الثَّالِث : وَجَعَلْنَا مِنْ مَاء الصُّلْب كُلّ شَيْء حَيّ ; قَالَهُ قُطْرُب . " وَجَعَلْنَا " بِمَعْنَى خَلَقْنَا . وَرَوَى أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِذَا رَأَيْتُك طَابَتْ نَفْسِي , وَقَرَّتْ عَيْنِي , أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء ; قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) الْحَدِيث ; قَالَ أَبُو حَاتِم قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : " أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء " أَرَادَ بِهِ عَنْ كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا جَوَاب الْمُصْطَفَى إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا . وَهَذَا اِحْتِجَاج آخَر سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْن السَّمَوَات وَالْأَرْض رَتْقًا . وَقِيلَ : الْكُلّ قَدْ يُذْكَر بِمَعْنَى الْبَعْض كَقَوْلِ : " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء " [ النَّمْل : 23 ] وَقَوْله : " تُدَمِّر كُلّ شَيْء " [ الْأَحْقَاف : 25 ] وَالصَّحِيح الْعُمُوم ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَاَللَّه أَعْلَم .

أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

" أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ , بَلْ لِمُكَوِّنٍ كَوَّنَهُ , وَمُدَبِّر أَوْجَدَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْمُكَوِّن مُحْدَثًا .

تفسير الجلالين

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

"أَوَلَمْ" بِوَاوٍ وَتَرْكهَا "يَرَ" يَعْلَم "الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا" سَدًّا بِمَعْنَى مَسْدُودَة "فَفَتَقْنَاهُمَا" جَعَلْنَا السَّمَاء سَبْعًا وَالْأَرْض سَبْعًا أَوْ فَتَقَ السَّمَاء أَنْ كَانَتْ لَا تُمْطِر فَأَمْطَرَتْ وَفَتَقَ الْأَرْض أَنْ كَانَتْ لَا تُنْبِت فَأَنْبَتَتْ "وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء" النَّازِل مِنْ السَّمَاء وَالنَّابِع مِنْ الْأَرْض "كُلّ شَيْء حَيّ" مِنْ نَبَات وَغَيْره أَيْ فَالْمَاء سَبَب لِحَيَاتِهِ "أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" بِتَوْحِيدِي

alnoorani@hotmail.com


غزة 24/10/2