From : mfalhy2002@yahoo.com
Sent : Thursday, October 20, 2005 9:01 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : مقالة من محمد فلحي
 

صدام في قفص الاتهام: ما معنى رفض التوبة والاعتذار؟!
بقلم: د. محمد فلحي


لم يتردد الكثير من المراقبين عن إبداء دهشتهم، إن لم أقل إعجابهم، بطريقة مواجهة صدام لهيئة المحكمة ، ومظاهر التحدي التي كان يتقمصها في إجاباته على أسئلة القاضي رزكار أمين، وهو السلوك الذي وصفته رغد بنت صدام بالبطولة، بيد أن ذلك لم يشكل أية مفاجأة لكل من يعرف شخصية صدام ويفهم سلوكياته، طوال أكثر من ثلاثين عاماً، فقد كان الرجل يسير في طريق ذي اتجاه واحد، ويجر وراءه شعبا بأكمله، نحو الهاوية.


في مسيرة صدام السياسية محطات بارزة كان يمكنه أن يتوقف عندها أو يتراجع عنها، لو توفر لديه أي نوع من العقلانية والرغبة في الاعتذار أو الندم أو التسامح أو العفو، وتلك من صفات النفوس الكبيرة، والأرواح المؤمنة، التي لم ولن تعرفها شخصية صدام المريضة بأوهام السلطة. أما التكبر والغرور والصلف وحب الشهوات وبناء القصور  والانغماس في ملذات الدنيا والرغبة في التسلط فقد كانت الدين الوحيد الذي يؤمن به جميع الطغاة، ومن بينهم صدام، الذي كان يقف في قفص الاتهام، أمام شعبه والعالم كله، ويستمع لمرافعة الادعاء العام، التي تتضمن نموذجاً صغيراً من قائمة طويلة من الجرائم الرهيبة، وينصت لتلك الاتهامات بسخرية واستخفاف ولا مبالاة، وكأنه يستمع لقصيدة سخيفة يلقيها على مسامعه أحد صبيانه الشعراء، أمثال لؤي حقي أو رعد بندر.


ما زال صدام يتوهم أن كرسي السلطة، الذي اغتصبه بالرصاص والدم والغدر، سيظل شاغراً حتى عودته من جديد على ظهور دبابات حزب العودة ( البعث سابقاً!)، وتحت ظلال سيوف الزرقاوي، وما زال يرفض رؤية حقيقة ما جرى ويجري، بعد سقوطه وهزيمته الأخيرة، وإخراجه من عمق حفرته الحقيرة، فقد تعود على تصوير الهزائم والكوارث بأنها انتصارات ومنجزات تاريخية.


ليس ثمة شك أن صدام يمثل شخصية استثنائية، في نظر الأعداء والأصدقاء، بيد أن كل منهم يرى فيها جانبا مختلفاً تماماً، فهناك الكثير من العرب يرون في حاكم بغداد المخلوع بطلاً أسطورياً لأنه وقف ضد الأميركان  والصهاينة، وهم يعتمدون في هذه النظرة على تلك الصورة الإعلامية والبيانات الكلامية التي كان صدام بارعاً في تسويقها إلى الرأي العام العربي والعالمي!


في حين ينظر أغلب العراقيين إلى الجانب الآخر الحقيقي، من هذه الشخصية العجيبة المعقدة، حيث يتذكرون بمرارة أفعال الرجل وليس أقواله، ومن ثم تبرز لديهم سلسلة لا تنتهي من الجرائم والمظالم، لعل قضية إبادة قرية الدجيل ليست سوى مثال بسيط عليها!


وفي الظهور الأخير لصدام أمام المحكمة، وجد فيه أتباعه ومريديه صلابة وتحدياً وشموخاً،يستحق الفخر، فوصفوه، كما تقول (رغد)، بالسبع والأسد والنمر والذئب، ومن المؤسف أن هذه الأسماء كلها تعود لحيوانات متوحشة مفترسة، يمكن أن تجد لها مكانا في غابة معزولة، وليس في مدينة عريقة مثل بغداد!


أما آلاف الضحايا المقهورين أو المطمورين في المقابر الجماعية فقد كان صوتهم عالياً، في داخل المحكمة وخارجها، من خلال الوثائق والصور والشهود، ومن العجيب أن صدام ما زال يعتبر نفسه بريئاً ومظلوماً، ويبدو أنه لم يستيقظ من أوهامه المرضية، لينظر إلى الحقيقة الدامغة، ويعترف بالخطيئة، ويعبر عن الندم والتوبة، قبل أن يلتف حبل المشنقة على عنقه.


إن سقوط نظام صدام وتدمير وتشريد عائلته معجزة إلهية وليس رغبة أميركية، ولم يكن بوش مخطئاً عندما صرح، ذات مرة، أن الإرادة الإلهية دفعته لإسقاط صدام، وكان ينبغي على كل عاقل ومؤمن أن ينظر إلى الأمر من هذه الزاوية،وكان يتعين على صدام، لو كان عاقلاً، أن يذعن لإرادة الله ويتوب، وكان ينبغي على أتباعه المجرمين أن يعودوا إلى طريق الصواب،ويتخذوا من مصير فرعونهم عبرة ودرساً، بدلاً من مواصلة قتل وذبح الأبرياء.. فحكم الله في الظالمين واضح، يخزيهم في الدنيا ويعذبهم في الآخرة، أليس الله بأحكم الحاكمين؟!


يقول أحد قضاة المحكمة العليا: إن قضية صدام من أسهل القضايا، كما أن صدام من أضعف المتهمين، لأنه يرد على الاتهامات القانوية الموثقة بخطب سياسية فارغة، ويتلفظ بكلمات يمكن أن تدينه أكثر مما تبرأه. وفي السياق ذاته يمكن القول أن أكثُر المحامين غباءً هم الذين ورطوا أنفسهم بالدفاع عن صدام وزمرته، وقد ضحكت بمرارة عندما سمعت أحدهم في الجلسة الأولى ينفي تهمة القتل عن صدام بالقول أن من ارتكب تصفية نحو ستة وأربعين شاباً من أهل الدجيل، وقتلهم تحت التعذيب، قبل المحاكمة الصورية، هم المحققون وليس صدام نفسه؟!.. وكأن ذلك المحامي لا يعلم أن المحققين كانوا من بين ضباط المخابرات، الذين يقودهم صدام وشقيقه برزان مباشرة، وقد أمر بتكريمهم بعد إنجاز هذه المهمة البطولية! حياة صدام الشقية وسياساته لم تكن سوى سلسلة من الأخطاء الكارثية، بسبب الجهل والتكبر والتجبر، رغم أن بعضهم يراه موهوباً في القدرة على البقاء على قيد الحياة حتى اليوم، ولعل آخر وأكثر الأخطاء جسامة التي يمكن أن يرتكبها هذا الرجل، أن يغادر الحياة الدنيا، دون أي كلمة اعتذار لشعبه المظلوم ولضحاياه الكثيرين.. دون توبة أو ندم ماذا سيكون مصيره سوى جهنم؟!