|
هل يجوز للسياسي ان
يكون إنتهازيا ؟؟
قراءة في موقف العقيدة والإنتماء المصلحي
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
المشرف العام لشبكة أخبار العراق
نائب رئيس تحرير المغترب العربي – كندا
للوهلة الأولى عندما نتحدث عن السياسة والذين يعملون بها ، نجد أنفسنا أمام
مقدسات لا يمكن التجاوز عليها ولا يمكن الصمت عما يخدشها ، ولذلك كانت الأمة
العربية تنحني إجلالا أمام العقيدة الإسلامية لأنها كانت مقدسة وقدسيتها ليس
لأنها جاءت من رب العالمين فحسب ولكن إحترامها لما يجب ان تكون عليه من أجل
البشرية كلها ، ونكران للذات عند المعتقدين الذي قادهم الرسول صلى الله عليه
وسلم ، جعلها تفرض قدسيتها ، فهم وبقيادة رسول الله كانوا أفضل ما يقومون به هو
أنهم يفضلون الغير على أنفسهم ويحاسبون أنفسهم قبل حساب غيرهم .
هذه العقيدة ، دفعت بالعرب وهم حملة راية الإسلام الى تلقف الأفكار الجديدة في
ظل التطور البشري والحضاري الذي شهده العالم مع نهايات القرن التاسع عشر ومطلع
القرن العشرين ، فلذلك كان إيمان العرب ولا زالوا بالأفكار السياسية يفوق ما هو
عليه عند غيرهم ، فكان الفكر السياسي الأممي والقومي والوطني ، كلها وجدت من هم
أوفياء لها ، ولكن نجد مع أقل الهفوات عند البعض ينقلب الفكر رأسا على عقب
ويتنازل الكثيرون عما هم عليه وهذه الظاهرة تميز بها الفكر القومي ربما حصرا
اكثر من غيره ,.. فيا ترى مــا هي الدوافع وراء ذلك ؟
لا نريد ان نلقي اللوم على فرد أو على فكر بحد ذاته ولكن ومن خلال التجربة نجد
ان الأمة العربية لم تحافظ في الثلاثين سنة الماضية على ثوابت كثيرة ، فقد سهلت
لنفسها عملية فصل الروح عن الجسد ، أي التفريق ما بين العروبة والإسلام ،
ونعتقد هنا ان ذلك ربما يعد أحد أهم الأسباب في النكوص والتنازل عن المباديء .
وهنا لا أريد أن أنظر في قضية قومية وقضية وطنية بقدر ما أريد ان أتعرض لظاهرة
سادت بعض من الساحات السياسية المعاصرة ، والتي منها ربما نستلهم قدرا كافيا من
القدرة على تناول موضوع من هذا الوزن الذي أستميح فيه المفكرين عذرا ان تجاوزت
حدود المنطق السياسي والفكري ، فأنا لست ضليعا بالسياسة أو لم أكن من المفكرين
فيها ، ولكن وبحكم معايشتي للواقع ربما أسمح لنفسي أن أخوض في هكذا مضمار .
فالفكر القومي وهو ما يهمنا هنا ، والقضية العراقية على وجه الخصوص ربما
يدفعاني للخوض هنا في قضية المترادفات اللفظية التي طرحتها في مطلع هذا المقال
البسيط .. فالتلون السياسي أي التبدل ربما بالمواقف سببه هو الحاجة الى اشباع
الرغبات الذاتية والطموح الفردي غير محددة بحدود ، ولكن أليس من الأجدر بالفرد
ان يتمسك بالثوابت من اجل أن ينهض في اللحظة المناسبة عندما يتهدد الأمة ما هو
أسوأ من التنازل عن المباديء ، وكلا الحالتين تصبح الأمة وجوهرها في خطر .
قضية المواطنة والإلتزام بها والدفاع عنها لا يحتاج الى فكر قومي او فكر سياسي
، فالمواطنة يجب ان لا تهتز ، والسبب أنها لا بد ان تكون جزء من حياة الفرد لأن
المواطنة شيء ذاتي وموضوعي في الوقت نفسه ، فالمواطنة جزء من الإنتماء للبيت
وللعائلة وللحي وللمدينة ومن ثم تاتي المسميات الأخرى ، فليس هناك طائفة أثمن
من المواطنة وليس هناك فكر سياسي أفضل من المواطنة ، ولكن عندما تهتز هذه
الحالة وتبدأ المواطنة بالضمور في النفس الفردية ، فهذا يرجع الى عوامل لا بد
ان نشهد ان أهمها ربما العامل السياسي الذي نجح في التقليل من دافعية الفرد
الوطنية وغلب عليها الإنتماء السياسي . فالأمة عندما تصاب بهكذا داء تبدأ
النتوءات المرضية بالبروز والنمو ، وهنا تبرز الفردية أولا ويبرز معها الإنتماء
الطائفي او العرقي ويعملان على تفكك العقيدة الوطنية ، والتي هي المدى الأول في
البعد القومي أو العقائدي .
لقد كان الفكر القومي ناصعا ليس في عيون الأتباع او القادة ، ولكن في عيون
العامة ، والسبب يعود إما الى صفاء التنظير دون وجود تطبيق فتبقى الأفكار صافية
وهذا يسهم في بلورتها اكثر ، ولكن في التطبيق تدخل عناصر عديدة ربما تشوه
العملية كلها ، وأهم العوامل هو الإنتهازية الفردية والمصلحية التي تغلب الجانب
الفردي على الجانب الوطني او القومي ، وهذا ربما نجده اكثر في مراحل الأمة
العربية وانتماءاتها القومية مع عبد الناصر ومع عفلق وغيرهم من منظري الفكر
القومي ، فقد كانت الأفكار القومية غاية في النضوج ربما من وجهة نظر الكثيرين
إلا أنها مع الإحتكاك المباشر بعملية التطبيق ، أصبحت الأفكار القومية غير
قادرة على أن تفي لنفسها بالحفاظ على أتباعها لأن المحك الرئيس للأفكار أنتج
عكس التنظير .
ولكي لا نطيل الكلام ولا نريد ان ننظر ، فالبعث الذي حكم في أكثر من بلد عربي ،
او شارك في العمل السياسي القومي والوطني ، كان يجذب الطبقة المثقفة والشباب
لكن مع الأستمرار في العمل السياسي والوصول الى السلطة تغيرت مفاهيم كثيرة كان
أهمها البحث عن المواطنة في التنظيم الحزبي للبعث ، وهنا تم قتل المواطنة ،
وشوه الصورة الإيجابية للفكر القومي .
فالبعثيون الذين جاءوا مع ثورة 17 تموز 1968 ربما يتوفر لديهم قدرة في إدارة
العمل السياسي أكثر من الإدارة السلطوية ، وهنا تم الإعتماد على البعض ممن
لديهم قدرة بهلوانية ربما لتمشية الأمور السياسية والإدارية في آن واحد ، وهذا
ما سمح للكثير من الإنتهازيين من الوصول الى مراكز السلطة ، فقد قاد الإعلام
العراقي أناس تخلوا عن الفكر القومي والسياسي للبعث مقابل مصالحهم الفردية وهنا
دفعهم الى تأليه صدام حسين والبحث في ثنايا الدين والسياسة عما يوصل صدام الى
مستوى الأنبياء ومن قام بذلك هم الانتهازيون الذين أصبحوا في مرحلة لاحقة إما
معارضين بسبب تغييبهم عن المنصب او لأنهم وبسبب انتماءاتهم المزدوجة تغلبت
عليهم الصفة الإنتهازية مع غياب المنهج العقائدي والوطني لهم وهذا ما بدأ يشكل
مرحلة من مراحل الحياة الإنتهازية في العمل السياسي .
هذا الواقع أستمر وترعرع اكثر في حضن الضعف في الإنتماء الوطني مع بروز
الإنتماء الحزبي وصعود الطبقة الإنتهازية غير المثقفة وغير الواعية ، وساهمت
قضايا الفكر الطائفي الضيقة في تنمية العملية الإنتهازية داخل الجهازين السياسي
والإداري ، وهذا ما تتم ملاحظته بشكل واضح من بروز طبقة المطبلين في الإعلام
على وجه التحديد وتحويل المؤسسة الإعلامية على سبيل المثال من مؤسسة توعية
وإتصال إجتماعي الى مؤسسة تهريج وتمجيد للقائد ومنحه الأسماء والصفات غير
الموجودة على أرض الواقع .
في الجانب الآخر حيث الفكر العنصري يتنامى لدى السلطة غير العقائدية ، كان
يتنامى المد الإنتهازي ، ففي كردستان حيث الثورة المسلحة من اجل مستقبل قومي
للشعب الكردي كانت الإنتهازية تنمو من أجل الملايين التي تهدرها السلطة على نفر
من الأميين والمتاجرين بأرواح الشعب الكردي ،، هذه الإنتهازية المقيتة منحت
السلطة الفردية القدرة على تفتيت الروح الوطنية وتنمية الروح الحزبية والعرقية
والطائفية مجتمعة رغم أننا نجد البعض الآن يتباكى على عدد كبير من الذين كانوا
ضحايا النظام وهم شركاء في قتل الآلاف وربما تدمير الكثير ، فالكل يعلم ان هناك
من تعاون مع النظام لتنمية الروح الطائفية وهم طائفيون أيضا والروح العنصرية
وهم عنصريون ، ولكنهم في النهاية هم الانتهازيون حقا لأنهم المستفيدين اكثر من
غيرهم من التعامل مع النظام .
إذن البعث من حيث هو نظرية قومية يحمل صفاء فكريا متميزا ، لكن التطبيق
الإنتهازية قد أسهما في جعل الفكر القومي غير مقبولا بشكل واسع لكنه بات وسيلة
للكسب غير المشروع والتزلف للسلطة .
لقد سقط النظام الفردي ، وهذا ما جعل الإنتهازيين يميلون اكثر الى الظهور مرة
ثانية ، فهناك كم هائل من أعضاء البعث ومن الإنتهازيين الذين عملوا مع البعث في
مؤسسات حساسة ومهمة الآن هم في واجهة مؤسسات الإحتلال ومؤسسات الإنتهازية
الجديدة التي تتخذ من المظلومية القومية والمظلومية الطائفية غطاء كذلك من اجل
الكسب ومن اجل الإيغال أكثر في الإنتهازية الجديدة.
فالحديث عن الديمقراطية الان لا يقل أهمية عن الحديث عن القومية والوحدة
والحرية والإشتراكية ، وكلاهما يأخذ ذات الإتجاه في التزلف سواء للمحتل او
للسلطة القوية التي يجد هؤلاء أنفسهم منقادين لها وكذلك للإحتلال ، فقد تأكد
وبما لا يقبل الشك ان أجتثاث البعث ربما يكون انتقائيا وليس مبدئيا ، فهو يأخذ
بالحسبان القضية الطائفية على طائفة معينة ، ويتجاهل طائفة أخرى ، فالسياسة
العراقية شهدت العديد من الأسماء الذين برزوا الآن للوجود وهم اكثر ثورية من
صدام ولكن المنهج الإنتهازي لهم دفعهم للتخلي عن صدام والبحث عن الغاية التي
بررت لهم الوسيلة وهي التزلف والإنتهازية .
البعثيون الآن كثر ممن يعملون في مؤسسات الإحتلال وممن يعملون في السلطة
المتعددة الأعراق والطوائف ، وكل يتجاوز المهمة الوطنية للتركيز على المصالح
التي تحدد لهم المسار الإنتهازي الذي يجب أن يسيروا فيه .
فهل هناك الآن حقا عقيدة طائفية سنية او شيعية ، وهل هناك حقا عقيدة قومية ،
دون وجود عقيدة او مصلحة وطنية ؟؟
الحقيقة ان قراءة بسيطة الآن ربما تبريء المحتل من أفعاله إذا نظرنا الى ما
يجري عليه ووراءه الكل ، وبخاصة البعثيون الذين يسيرون وراء مصالحهم التي من
خلالها يحددون مسارهم في التحرك ، والحقيقة الأخرى ان الذي يريدون إجتثاث البعث
هم البعثيون الذي أسهموا في تأليه صدام ، ومن يريد التخلي عن المواطنة من أجل
قضية قومية ، هم من أسهم في كشف حقيقة التوجه لإستخدام قوة صدام لتحقيق ثباتهم
في مرحلة من المراحل حتى بات الوضع تفوح منه رائحة الدماء الوطنية والقومية
والطائفية .. فهناك من الطائفة الشيعية ممن قتل الشيعة وهناك من السنة من قتل
السنة وهناك أكراد ذبحوا الأكراد من اجل إكرام صدام والتزلف له ، وهم الآن
يريدون السير بذات الطريق وهو الإنتهازية والمصالح الفردية ، فهناك من هو شيعي
ويرفض ان يكون أعضاء البعث الشيعة هم من الشيعة ، وهناك من هو كردي ويرفض ان
يكون هناك من هو بعثي كردي ، وهناك الآن سنة يجرون وراء مصالحهم الفردية
ويبيعون الوفاء للوطن من اجل المشاركة في الفساد المالي والإداري .
هذه الحقائق تجعل قراءة الواقع العراقي الجديد لا يختلف كليا عن الواقع في
نهاية السبعينات عندما كان رئيس تحرير مجلة يؤله صدام ويرفع من شأنه ليصل الى
مستوى الأنبياء ، وقائد عسكري يقدم المشورة في قتل أبناء طائفته او أبناء
قوميته من اجل صدام ليس أكثر .
هنا يجب ان نصمت قليلا لكي نعرف ما معنى ان يتم إجتثاث البعث وما معنى ان يتخلى
الكل عن المواطنة وتبقى الرموز غير الثابتة في العمل السياسي لتقود الأغلبية
نحو مصلحهم الفردية الضيقة .
|