مطلوب جراح سياسي.... للفلتان !!!
د. طلال الشريف
19 اكتوبر 2005


كل فروع وتخصصات الطب تعود في الأصل إلي قسمين رئيسيين هما: الجراحة والباطنة في الجراحة يكون التعامل مع الجسم بطريقة مباشرة, حيث يلمس الجراح مكان المرض, فمثلاً في أمراض الجراحة الرئوية, فإن الجراح يمسك بالرئة, ويعمل فيها مبضعه, ويقوم بالقطع, والقص والربط, والتغريز. ومن ثم يغلق مكان العملية, بعد أن يكون قد قدر الوضع العام, والنتائج إلي حد كبير ويشعر المريض بالنتيجة بعد وقت قصير.

أما في العلاج الباطني (الدوائي), فتكون القصة مختلفة تماماً. حيث يتعامل طبيب الباطنة مع المرض بالتحاليل, والعلاج الدوائي عن بعد, ودون أن يلمس مثلاً العضو المصاب كما في أمراض الجراحة. وقد يغير الطبيب الدواء أكثر من مرة, وهو طوال المحاولة للعلاج لا يري مايراه الجراح بعينيه.

هذه الممارسات الحسية والمرئية تنعكس حتى علي شخصيات هؤلاء الأطباء كل حسب تخصصه بعد مدة من ممارسة المهنة, وكذلك تؤثر في علاقاتهم, وإدارة المهمات لديهم.

فتجد الجراحين أكثر ميلاً للحلول الجذرية, والاستئصال, ولديهم القدرة علي اتخاذ القرار لأن نتائج عملهم مشجعة, وتظهر سريعا,ً وعلي المكان في الغالب.

وتجد أطباء الباطنة أكثر ميلاً للمرونة, والمحاولة, وأغلب قراراتهم نسبية, لأن النتائج تكون بطيئة وغير مشجعة, ولأنهم يتعاملون مع المرض لمدد طويلة.

ولا يعترف أغلب الجراحين(كما أطباء الباطنة) بأن السياسة هي فن الممكن في العلاج, بل يتعاملون علي أن هناك ممكن في كل الفنون الجراحية.

أما في السياسة, فالمعروف في المجتمعات المدنية, والدول القائمة والمستقرة, ومنذ القدم أن السياسة تحتاج إلي صبر, وحيلة, وخلطات, وكمائن من مختلف العقاقير, وهذه هي صفات الطبيب الباطني. أما في الأحوال المتقلبة, والمراحل الانتقالية والمنعطفات الطارئة, والتي لم يصل فيها المجتمع, أي مجتمع ومؤسساته إلي الثبات, فهذا لا يحتاج لأطباء الباطنة لعلاج المشاكل السياسية المؤسساتية, لينتظر الوقت الطويل للمحاولات والمسكنات وخاصة والكمائن والخلطات, وبالتخصيص في فساد أنظمة الحكم, والاحتكار أو الفساد العام أو فقدان الأمن والأمان( الفلتان), أو تغييب القانون بأيدي المجرمين والخارجين عنه, لأن ما لحق وما يلحق بنا من مآسي, ونكبات, وانفلات, وضياع الحقوق هو ناتج في الأصل عن ترك قضايا الناس ومشاكل المجتمع للحلول ( الباطنية)الدوائية المؤقتة, والتي ثبت انتهاء تاريخ صلاحيتها وما عادت حتى تفيد التسكين, مما يفاقم من المرض, هذا في الوقت الذي كانت ولا زالت هي أمراض جراحية تحتاج للجراحة والحلول الجذرية.

أنا شخصياً لا أعترف بطريقة العلاج الباطني السياسي علي المستوي الأمني, وترويع الناس وأخذ القانون باليد. لذلك علينا منذ إدراك جسامة الأخطاء, وخطورة الظاهرة, أن نتصدى لها جميعا, فمن حق كل مواطن أن يكون له موقف من كل شيء سلبي, والتصدي له وأن يكون دائماً في صف القانون, ولا يجوز أن يكون المواطن رقم, أو عدد لا قيمة له.

فالمواطن الواعي والشجاع لن يتنازل عن حقه, في الحفاظ علي السلم الأهلي, والنقد البناء, وقول الحق, ومحاربة الفاسدين والخارجين عن القانون, كما أن من حقه أن لا يترك المجال للأفاقين, والفالتين, والمتغطرسين الذين يدمرون روح شعبهم دون أن يدروا, أو من أجل مزاج غير متزن, أو مصالح ضيقة, بتغييبهم الأمن, والأمان, ولذلك نحن بحاجة لجراحة عاجلة لإجتثاث العادات, والسلوكيات المدمرة, والمفاهيم الخاطئة عن رخص حياة البشر وكأنه لا يوجد سائل أو مسئول. مطلوب وقفة جادة في مواجهة مرض "الفلتان العام".

مطلوب من السلطة أولاً, ومن الآخرين ثانياً, أن يثبتوا أنهم علي قدر المسئولية, وأن أرواح الناس ليست لعبة في يد كل من هب ودب. فنحن لا نعيش في غابة تحكمها عسكرتا ريا منفلتة أو قبائل الزولو, وعصابات الكويكة.
نحن شعب محترم قد تربينا من النخاع, وعيب علينا أن نسمح كشعب لمجموعات المنفلتين أن تقرر أمننا, ومصير أولادنا.

والعمل المطلوب, والناجح, هو العمل الجراحي, والمبكر لكي لا تزرع هذه السرطانات مضاعفاتها من عفن, ووهن, وانحراف في العقول, والسلوك, فنحتاج بعد الجراحة إلي الكيماوي, مثالها مثل السرطان تماما, والتي لن يصح الجسم أبداً بعد ذلك.
مرض الفلتان مرض جراحي, يحتاج لتدخل سريع من كل المخلصين, والحريصين علي مصلحة الوطن, والمواطن, وأولهم السلطة في الضرب بيد من حديد علي كل من تسول له نفسه أخذ القانون باليد, وهو ليس بمرض باطني مثل السكر أو الضغط يحتاج لعشرات السنيين للسيطرة عليه دون شفاء تام.