|
بسم الله الرحمن الرحيم
الشرق الأوسط الكبير مرورا بالعراق
د. محمد الغزي
15 اكتوبر 2005
لم تصمد الأكاذيب التي اتخذها بوش وحلفاؤه مبررا لاحتلال العراق أمام
الحقيقة، ولم يعد بوسع بوش ونائبه دك تشيني إلا اللجوء إلى فصل جديد من
الأكاذيب التي تصنعها آلة الكذب الأمريكية، فقد صرح بوش أن أوروبا وبلاد
آسيوية مهددة بقيام إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من إندونيسيا شرقا
إلى إسبانيا غربا، وقد صرح تشيني أن العراق أصبح بؤرة للإرهابيين –على حد
افترائه– يتوافدون إليها من كل حدب وصوب لمحاربة العالم (المتحضر)، في
إشارة إلى أيديولوجية «صِدام الحضارات» التي ابتدعها صمويل هنتنجتون،
مبررا بذلك استمرار احتلال مرتزقته للعراق والانطلاق منها نحو ما يسمونه
«الشرق الأوسط الكبير».
وفي خطاب له أمام الجيش الأمريكي في 5 أكتوبر 2005 كشف تشيني عن
استراتيجية بلاده للعقود القادمة لتغيير منطقة الشرق الأوسط وما وراءه
مستهلا بأفغانستان والعراق، حيث تنوي الإدارة الأمريكية جعل العراق
نموذجا لما تريد أن تقوم به في المنطقة من تجزيء للبلاد العربية وتحويلها
إلى مناطق جغرافية، منزوعة من السياق الوطني والديني، تقطنها تجمعات
سكانية تقوم على أساس عدم الانتماء إلى دين أو ثقافة أو وطن، وإعطائها
صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة لإضعاف سلطة الدولة الناشئة وذلك طبقا
إلى وصفة فوكوياما لإنشاء نظام عالمي بالمفهوم الأمريكي.
والولايات المتحدة تعلم جيدا أن احتلالها لبلادنا لا بد أن يسبقه احتلالا
لعقول طائفة من شعوبنا لتكوين جيشا من العملاء والموالين لها، وتكوين
جيشا آخر من الانتهازيين والمنتفعين واستعمالهم أدوات لتثبيط الشعوب
وإلهائها عن القضايا المصيرية، ثم تستخدم نظرية الكذبة الكبرى والدعاية
السوداء لتضليل الشعوب العربية والإسلامية وتحييد جزء منها عن الصراع
وكسب الباقي إلى صفها ليقوموا بالتشويش على المقاومة والتشكيك في جدواها
وبث الأفكار الانهزامية المحبطة، ولولا فئة العملاء والمنتفعين لما
استطاعت الولايات المتحدة أن تتقدم خطوة واحدة، فهي تستغل خلافاتنا
وتشرذمنا وتطلع بعضنا إلى أموالها لاستعبادنا واحتلال أرضنا.
وللتغطية على عدائها لشعوبنا وسعيها المتواصل للهيمنة على بلادنا بدأت
الإدارة الأمريكية كعادتها فصلا جديدا من الأكاذيب التي تنتجها مصانع
الكذب الأمريكية، لتنشرها أدوات الهيمنة الأمريكية الإعلامية في كل أرجاء
العالم، وليقوم تشيني بتلقينها لقادة جيشه المرتزقة ويدعمها بالقصص
المختلقة.
تستند استراتيجية الولايات المتحدة القادمة على ثلاث أكاذيب كبرى هي سلب
الشعب العراقي حقه في تقرير مصيره والدفاع عن وطنه وذلك بتجاهل مقاومته
المشروعة ضد الاحتلال، والادعاء بأن العراق أصبح تحت سيطرة تنظيم القاعدة
لجعله مصدرا لعدم الاستقرار في المنطقة ولتهديد مصالح وأصدقاء الولايات
المتحدة، وتقديم الوعود الكاذبة للعراقيين وللشعوب العربية والإسلامية
بجلب الديمقراطية والرفاهية والسلام لمنطقتنا.
أما بالنسبة للكذبة الأولى فتؤكد الإدارة الأمريكية دائما في أقوال
قادتها وأفعال جيشها ودعايتها السوداء على تهميش الشعب العراقي بتصويره
في بداية احتلال العراق على أنه شعب غير متحضر يسرق ويحرق ويقتل ويعتز
بالوجود الأمريكي، ثم تصويره بعد ذلك على أنه يقف إلى جانب الاحتلال
الأمريكي ويحتمي به لمواجهة إرهابيين جاءوا من خارج العراق ليعيثوا فيه
فسادا وقتلا وخرابا، وقد أكد هذه الكذبة الكبرى تشيني في خطابه الجديد
بهدف تغييب الشعب العراقي تماما وإنكار وتهميش مقاومته المشروعة.
ولتمرير هذه الكذبة الكبرى لا بد للإدارة الأمريكية من اختلاق القصص
والافتراءات ومنها الزعم بأن تنظيم القاعدة يهيئ نفسه لاستلام العراق بعد
انهيار الاحتلال الأمريكي وذلك في رسالة وجهها أيمن الظواهري إلى
الزرقاوي يدعي الأمريكيون بهتانا وزورا أنهم اعترضوها، والأدهى من ذلك أن
متحدثا من دبي باسم القيادة المركزية لجيش الاحتلال يدعي أن الرسالة
احتوت على أمور سرية كثيرة احتفظ بها الأمريكيون لاستخدامها فيما بعد
لترهيب العراقيين وللتدليل على مصداقية الأكاذيب الأمريكية المكشوفة،
والذي يقرأ تلك الرسالة يتضح له دون لبس أنها من صناعة آلة الكذب
الأمريكية حيث احتوت الرسالة ذات المضمون الأمريكي على أخطاء نحوية كثيرة
ومفاهيم مغلوطة.
وتهدف الإدارة الأمريكية من وراء الكذبة الكبرى الثانية إلى اتخاذ العراق
منطلقا للحرب على ما يسمى بالإرهاب وصولا إلى هيمنة تامة على المنطقة
وإنشاء ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير الذي ما هو إلا «إسرائيل الكبرى»
الممتدة من النيل إلى الفرات ولكن باسم آخر، وكأن العراق أصبح ساحة صراع
بين الولايات المتحدة التي تدعم الديمقراطية والحرية والتحضر وبين
إرهابيين جاءوا من خارج العراق لا صلة لهم بالعراق وأهله ويرغبون في شن
الهجمات على الولايات المتحدة عبر البحار والمحيطات!!! والعجيب أن أبواق
الإدارة الأمريكية في المنطقة صمَّت آذاننا بالحديث عن الزرقاوي والقاعدة
ولم تذكر ولو لمرة واحدة أي خبر عن المجاهدين والمقاومين العراقيين ولم
تكلف مراسليها بإجراء أي لقاء مع المقاومة العراقية.
وبهذا الصدد يدعي تشيني والإدارة الأمريكية أن ما يصفهم بالإرهابيين
يعتبرون العراق الجبهة المركزية لحربهم ضد العالم المتحضر، وأنهم يعملون
على قلب الحكومة (الديمقراطية) في العراق ويسعون إلى إرجاع العراق إلى
الاستبداد لجعلها مصدر عدم استقرار في الشرق الأوسط،، ليس هذا فقط وإنما
ينوون السيطرة على العراق للانطلاق منه والقيام بهجمات ضد الولايات
المتحدة والأمم المتحضرة الأخرى وهو يقصد بذلك (إسرائيل) ودول غرب
أوروبا، ولم يشر تشيني إلى الفصل السابق من الأكاذيب التي ساقتها بلاده
لتبرير عدوانها على العراق مثل أسلحة الدمار الشامل!!!
ويزعم تشيني والإدارة الأمريكية أن ما يسميهم بالإرهابيين يهدفون إلى
إنشاء شرق أوسط حسب رؤيتهم لممارسة الاستبداد والاضطهاد وذلك بقلب
الحكومات الصديقة للولايات المتحدة وإجبار الجيش الأمريكي على الخروج من
المنطقة وتصدير الإرهاب إلى العالم انطلاقا من العراق، وإمعانا في تبرير
استمرار احتلال قواته الغاشمة للعراق يقول بوش: "إن الطريق الوحيد
لانتصار الإرهابيين هي أن نفقد أعصابنا ونتخلى عن حملتنا"، مشيرا إلى
المعاناة المريرة التي يجدها جيشه الغاشم في العراق ومحذرا شعبه وجيشه من
مغبة الاستسلام للمقاومة العراقية، وقول بوش يؤكد أن فشل حملته الصليبية
الصهيونية مرهون بنجاح المقاومة العراقية لأن بوش يؤمن بأن الطريق إلى
الشرق الأوسط الكبير لابد أن تمر ببغداد.
أما بالنسبة للكذبة الكبرى الثالثة فهي نشر الديمقراطية في العراق وفي
البلاد العربية، ويفتخر تشيني بأن بلاده قد حققت إنجازات عظيمة في هذا
المجال بإجراء انتخابات في أفغانستان لأول مرة منذ نحو 5000 سنة وأن
العراق تحكمه الآن حكومة ديمقراطية، لكنه لم يذكر أن الانتخابات في كلا
البلدين المحتلين قد تمت تحت أفواه المدافع الأمريكية وأنها لم تؤد إلا
إلى استيلاء عملائها على الحكم والسلطة، وطالما سمعنا عن افتخار الإدارة
الأمريكية بحدوث تحول مهم في الانتخابات المصرية رغم أن تلك الانتخابات
أدت إلى تكريس حكم مستبد وفاسد استمر لنحو عقدين ونصف، أما في فلسطين حيث
ستحقق حماس فوزا كبيرا في انتخابات المجلس التشريعي فإن إدارة بوش تخشى
هذه الانتخابات وتضغط بغباء وخيبة على السلطة الفلسطينية لتعطيلها.
وقد أعد تشيني وصفة للقضاء على ما يسميه بالعنف المصاحب لعملية احتلاله
لبلادنا وهيمنته على المنطقة بأكملها بتشجيع الأسواق الحرة والديمقراطية
مدعيا أن هذه الأفكار كفيلة بإقناع الشعوب بمفهوم السلام الأمريكي، وهو
يعتمد في ذلك على آلة الكذب وأدوات نشرها في عالمنا العربي والإسلامي،
وكأن الشعوب العربية ليس لها إرادة ولا عقول ولا قلوب وتسعى إلى الرفاهية
والمتعة بثمن باهظ جدا وهو التخلي عن الوطن والدين، وقد رمي تشيني
المقاومة العراقية الشريفة بالبربرية والدموية والقتل العشوائي ليبرئ
جيشه ومرتزقته من الوحشية والهمجية والدموية حيث قال: "نحن نتعامل مع
أعداء لا يعترفون بأي قواعد للحرب ولا يقبلون أي معاير أخلاقية"!!!
لكن تشيني اعترف بالصعوبة الكبيرة التي يواجهها جيشه الغاشم في العراق
نتيجة للمقاومة الأسطورية عندما قال أن الجيش الأمريكي المحتل يقوم
بعمليات للقضاء على المقاومة في مدن عراقية ثم لا يلبث أن يتركها
للمليشيات العميلة لتتولى أمر احتلال تلك المدن، وقال أنه عندما تعود
المقاومة لتسيطر على تلك المدن العراقية وتنهار المليشيات العميلة أمام
سطوة المقاومة العراقية فإن الجيش الأمريكي المحتل يعاود الكرة مرة أخرى
للسيطرة على المدن، وتستمر هذه السلسلة من عمليات الكر والفر إلى أن يلوذ
الجيش الأمريكي المحتل بالفرار إلى مناطق معزولة ومحصنة بعيدا عن
الاحتكاك بالشعب العراقي، وهذا هو الدور المرتقب لقوات الاحتلال (في كل
المنطقة العربية) بحسب رؤية تشيني حيث يعجز الجيش المحتل عن المواجهة
الحقيقية ويعتمد على عملائه في السيطرة على البلاد.
وهذا ما يؤكد أن المرور عبر العراق إلى الشرق الأوسط الكبير ليس ممكنا في
ظل المقاومة العراقية الباسلة، رغم التفوق الكبير للجيش المحتل على
المقاومة بما يمتلكه من تكنولوجيا وعتاد عسكري هائل وأموال طائلة وتواطؤ
عربي رسمي وخيانة من أطرف عراقية باعت دينها ووطنها بثمن بخس، وبإذن الله
جل وعلا ستصبح العراق المستنقع الذي لن تخرج منه الجيوش المحتلة سالمة
أبدا والثقب الأسود الذي سوف يبتلع القوة العسكرية الاقتصادية الأمريكية
ويحولها إلى رماد يحثه الأمريكيون في وجوه زعمائهم بعد هزيمتهم الحتمية
إن شاء الله عز وجل.
|