From : moussaelmoussaoui@yahoo.es
Sent : Thursday, October 13, 2005 11:20 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الصحراء الغربية قضية أبقتها حرب المصالح معلقة
 

الصحراء الغربية قضية أبقتها حرب المصالح معلقة
الموساوى موس ولد لولاد
 



شكلت الصحراء الغربية منذ أن تحددت بنيتها الجيولوجية والسكانية على ما هي عليه عالما غامضا بالنسبة لغير أبنائها وكانت بذلك عنصر إغراء وهاجس خوف للجيران. ففضلا عما أتاحته هذه المنطقة من إمكانيات للتبادل التجاري (مثلت تجارة القوافل والتجارة الأطلسية على الشواطئ الصحراوية أوج قوته) فقد كانت مصدرا للمفاجآت السياسية وملاذا للخارجين على النظم ممن وجدوا فيها مأمنا من مطاردة الأعداء وأفقا لتحقيق الأحلام بما تتيحه من مخزون بشري يتمتع أفراده بما عهد عن البدو من شجاعة وقوة بأس.
وإذا كانت جدلية الخوف والإغراء نتيجة لذلك قد طبعت علاقات الصحراويين بالسلطة والنظم القريبة إليهم (حكام الدول المركزية شمال وجنوب الصحراء) فإنها قد هيمنت على جيران ما وراء الحدود المائية بنفس القوة. فمن المخزون البشري لهذه الصحراء أتى الفاتح الإسلامي طارق بن زياد من الشاطئ المغربي ليطيح بمملكة لزريق ويقيم على أنقاضها نظاما إسلاميا في شبه الجزيرة الإيبيرية، ومن هذه الصحراء أتى القائد المرابطي يوسف بن تاشفين لينقذ سلطة المعتمد بن عباد ويؤجل سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس بأزيد من أربعة قرون. لذلك فليس غريبا أن ينظر الإسبان إلى حدودهم الجنوبية (بما فيها الشواطئ الصحراوية المقابلة للكناري) بتوجس دائم عكسه، منذ اللحظة الأولى لاستعادة الحكم المسيحي في شبه الجزيرة الإيبيرية، العمل -وفقا لوصية ملكتهم إيزابيلا الكاثوليكية- على الاحتفاظ بموطئ قدم على الشواطئ العربية درءا لأي خطر محتمل.

الاستعمار والمقاومة

ظلت الصحراء إذن بفعل عواملها الذاتية منطقة عصية عجز الجيران عن إخضاعها وإن استطاعوا أن ينشؤوا معها علاقات تبادل حميمة حينا وعنيفة أحيانا حسب تقلبات الطقس السياسي وطبيعة العلاقة مع قبائلها. ومع بروز ظاهرة الاستعمار استطاعت الإمبراطورية الإسبانية العتيقة أن تستعيد موقعها على الشواطئ المقابلة لجزر الكناري بمنطقة الصحراء الغربية في خضم صراع أوروبي محموم على اقتسام المنطقة.

ففي مؤتمر برلين (1884-1885) أقرت الدول الأوروبية بسيادة إسبانيا على منطقة الصحراء الغربية التي ستعلنها مدريد في وقت لاحق محافظة إسبانية لتقيم بها سلطة محلية.

غير أن الإسبان اكتفوا في البداية بالتحصن داخل مراكز معزولة على الشواطئ في مناطق "طرفاية" و"الداخلة" و"لكويرة" تاركين العمق الصحراوي مجالا لسيادة القبائل الصحراوية كما كان من قبل، الأمر الذي سيشكل متنفسا لحركة المقاومة على كامل الامتداد الصحراوي في المغرب وموريتانيا والجزائر وبالذات المقاومة الموريتانية التي حولت ثقل عملياتها المسلحة إلى المناطق الشمالية في الصحراء بتنسيق مع الشيخ ماء العينين في مدينة السمارة بعد أن ضيق الفرنسيون الزاحفون من الجنوب عليها الخناق.

ولم يخف الفرنسيون انزعاجهم من الوضع الأمني المتفاقم في الصحراء وعجز الإسبان عن مواجهته فكثفوا ضغوطهم على الحكومة الإسبانية من أجل تشديد قبضتها على السكان.وعلى الرغم من إلحاح فرنسا على أن تضطلع السلطات الإسبانية "بمسؤولياتها" داخل مجالها الأمني, واتهاماتها المبطنة لها أحيانا بالتغاضي عن "المشاغبين الصحراويين"، فإن إسبانيا ظلت عاجزة عن شل حركة المقاومة في أرض ثابتها الوحيد هو الحركة: حركة الرمال والسكان والعمليات العسكرية.

وتحت تأثير الضربات التي كانت تفاجئ جيشيْ الاحتلال من كل فجاج الصحراء وبفعل عمليات المطاردة التي تنظمها فرنسا بعد كل غارة قادمة من الشمال داخل مجال السيادة الإسباني، فقد ربطت المستعمريْن علاقة اتسمت بالتوتر والصدام أحيانا رغم مصلحتهما المشتركة في التصدي للمقاومة ورغم اعتراف فرنسا منذ 1900 بسيادة إسبانيا على الصحراء الغربية في مفاوضات التسوية بينهما, واتفاقهما سنة 1932 على ضم مناطق الساقية الحمراء ووادي الذهب أي (منطقة الصحراء الغربية) إلى التراب الإسباني.

ولعل إسبانيا كانت على حق في مخاوفها من التوغل داخل أعماق الصحراء وهي التي خبرت أكثر من أي أوروبي آخر شدة سكان الصحراء وإتقانهم لعبة الكر في صحراء لا ترحم الغرباء، فقد اضطر جيش الاحتلال الإسباني -تحت تأثير الهجمات التي شملت تقريبا كامل التراب الصحراوي ابتداء من خمسينيات القرن المنصرم- إلى الانكماش داخل مدينتي العيون والداخلة رغم تمسك الإسبان القوي بهذا الإقليم الذي رأت فيه فرنسا مجالا لخلخلة أمنها وقسما مقتطعا على حساب موريتانيا الكبرى التي حلم كزافيى كبولاني (الوالي الفرنسي على موريتانيا) بإقامتها كضمان وحيد لتثبيت أقدام الفرنسيين في المنطقة؛ بينما نظرت إسبانيا إلى ما اكتشف فيه من ثروات طبيعية على أنها "هبة العناية الإلهية لإسبانيا" في منطقة هي "سوق المستقبل" حسب عبارات وزير الخارجية الإسباني الأسبق ألبرتو مارتين أرتاخو.

ولم يستطع الصديقان العدوان (إسبانيا وفرنسا) تطويق التوتر الناجم عن تداخل مجالات السيادة ورسم الحدود في الصحراء إلا سنة 1958 في اتفاق بئر "أم قرين" بالشمال الموريتاني الذي استهدف التنسيق بين الجيشين الإسباني والفرنسي لقمع الانتفاضة الشعبية والقضاء على جيش التحرير، أي بعد أن بدأت مسارات الاستقلال في المغرب وموريتانيا.

تصفية الاستعمار ومطامع الجيران

مع تلاحق الاستقلالات في المنطقة حاولت إسبانيا التي كانت قد فقدت مستعمراتها في العالم الجديد- أن تتشبث بوجود معزول في الصحراء الغربية عزز أملها فيه نجاح الجيشين الاستعماريين المتحالفين (الفرنسي والإسباني) في القضاء على جيش التحرير في الصحراء سنة 1958 وخفوت العمليات العسكرية في العشرية الموالية.

وكان الإسبان قد أخضعوا المنطقة الصحراوية لعدة تقسيمات إدارية استهدفت عزل الإقليم الصحراوي عن امتداداته في المغرب وموريتانيا والجزائر، بالإضافة إلى تقطيعه إلى مناطق منفصلة عن بعضها تخضع كل منها لسلطة مستقلة عن الأخرى.

غير أن عوامل التاريخ والجغرافيا كانت ضد المشروع الإسباني في الصحراء. فقد تقوى مطلب الاستقلال في الصحراء بفعل عوامل أهمها استقلال المستعمرتين الفرنسيتين الجارتين: المغرب وموريتانيا وانتصارات الثورة الجزائرية على المستوى الإقليمي، وخسارة الحركة الاستعمارية لمواقعها لصالح حركات التحرر على المستوى العالمي، فضلا عن الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها دول الجوار على مستوى الهيئات الدولية ومساعي هذه الأخيرة إلى تصفية الاستعمار بفعل انقسام العالم وقتها إلى معسكرين اشتراكي ورأسمالي يدعم أولهما تحرر الشعوب انسجاما مع شعاراته وأطروحاته الأيديولوجية، ويشجع ثانيهما أعضاءه على التنازل عن الشكل المسلح للاستعمار سعيا إلى الإبقاء على ما أمكن من علاقات التبعية الاقتصادية والثقافية.

ولعل الأقوى من كل هذه العوامل ما عرفه المجتمع الصحراوي من تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية ستعزز مطلب الاستقلال وستشكل دفعا جديدا للمقاومة المسلحة التي كانت قد خبت عقب هزيمة جيش التحرير في نهاية الخمسينيات. فقد اجتاح الصحراء خلال الستينيات جفاف أتى على الاقتصاد الرعوي، فاضطر السكان إلى الهجرة نحو المراكز الحضرية -التي كانت إلى ذلك الوقت عبارة عن مراكز صغيرة-حيث أصبحوا يتعايشون وجها لوجه مع جنود الاحتلال وموظفيه الإداريين. وقد أدى الاحتكاك داخل المدن التي كانت أقرب إلى حاميات عسكرية إلى الوعي أكثر بوضعية الصحراء كبلد محتل يحكمه الأجانب بالحديد والنار، فبدأ التحرك من داخل المدن الصحراوية لأول مرة.

وتعد انتفاضة "الزملة" سنة 1970 في مدينة العيون عاصمة الإقليم ضد أسبنة الصحراء الأبلغ في التعبير عن هذا الوعي الجديد. وكانت هذه الانتفاضة التي رفع المشاركون فيها الشعارات المطالبة بالاستقلال والتي انتهت بقتل واعتقال العديد من الصحراويين إيذانا ببدء مرحلة جديدة من الكفاح ضد المستعمر الإسباني.

وفي العاشر من مايو/أيار سنة 1973 تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) لتبدأ العمل العسكري بعد عشرة أيام من تأسيسها, مما دفع الإسبان إلى الإعلان في السنة الموالية عن عزمهم على تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 1975.

وبالفعل فقد شرعت مدريد في ترتيب البيت الصحراوي ما بعد إسبانيا من خلال المفاوضات مع مختلف الأطراف بهدف التوصل إلى اتفاقات ثنائية تضمن مصالح الإسبان من جهة، وتبقي على فتيل قابل للاشتعال متى ما استدعت ملفات إسبانيا العالقة في المنطقة ذلك. وفي هذا الإطار أجرت الحكومة الإسبانية لقاءات في سبتمبر/أيلول 1975 مع البوليساريو كان موضوعها الاستقلال ومستقبل العلاقات، لتعقد في الشهر التالي مباشرة اتفاق مدريد مع المغرب وموريتانيا والذي تتخلى بموجبه عن إدارة الصحراء لصالح البلدين.

وفي هذه الأثناء كانت الأطراف المطالبة بالصحراء تستعد لاقتطاف الثمرة اليانعة كل بطريقته، فالبوليساريو تكثف نضالاتها بنسف وتدمير محطات الحزام الناقل للفوسفات وتأجيج المظاهرات المطالبة بالاستقلال لتعم المدن الصحراوية، بينما اتجهت المغرب وموريتانيا إلى محكمة العدل الدولية التي أعطت في أكتوبر/تشرين الأول 1975 رأيا استشاريا حول طبيعة روابط البلدين مع المجموعة الصحراوية فسره كل طرف لصالحه.

غير أن المغرب بادر بالإعلان عن تنظيم مسيرة خضراء إلى الصحراء في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975 أي في نفس اليوم الذي صدر فيه رأي محكمة لاهاي، الشيء الذي سرع بإتمام إسبانيا لانسحابها خلال يناير/كانون الثاني 1976 شهر الإعلان عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية بمباركة ودعم من الجزائر التي أعلنت رفضها لاتفاق مدريد.

وهكذا تحولت تصفية الاستعمار في الصحراء من حل لمشكلة الإقليم إلى تفجير لصراع محتدم بين الجيران الأشقاء.

أقطاب النزاع وعوامل استمرار الأزمة

لقد خرجت إسبانيا من الصحراء إذن، لكن بعد أن زرعتها ألغاما وخلافات تغذيها صراعات الأمس ومصالح اليوم ومطامح المستقبل.

فالمغرب -الذي ورث عن الاستعمار حدودا يعتبرها " تآمرية " على أرض المملكة التاريخية "باقتطاع " تيندوف وكل أراضي موريتانيا- لا يمكن أن يفرط في هذا الإقليم الذي يمكنه من امتلاك 600 كم على واحد من أكثر السواحل ثروة سمكية في العالم، واحتلال الرتبة الأولى عالميا في إنتاج الفوسفات، وثروات باطنية متنوعة قد تشمل الغاز والنفط، فضلا عن التموقع في منطقة إستراتيجية لأمن أوروبا مما يمنحه إمكانيات أكبر للمناورة.

والجزائر ذات النظام الجمهوري والتوجه الثوري انذاك ترى في ضم إقليم الصحراء إلى المغرب -والتي سبق أن خاضت معها معارك "حرب الرمال" على السيادة في منطقة تيندوف بعد استقلالها بعام واحد- تشجيعا مطامعها ودعما لموقعها الإستراتيجي على حساب الجزائر منافستها على زعامة المنطقة. لذلك فإن خيارها الأفضل هو التشبث بمبدأ استقلال الصحراء.

أما موريتانيا التي أعلنت على لسان أول رئيس لها المطالبة بالصحراء الغربية سنة 1957 أي قبل أن تحصل على الاستقلال فإنها رأت في ضم نصيبها من الصحراء (وادي الذهب) تحقيقا لبعض مطالبها بتوحيد المجموعة البيظانية وإبعادا لخطر احتمال عودة المغرب إلى مطالبه القديمة بضمها، وإن كانت ستخسر صداقة الجزائر حليفها الأسبق الذي قدم لها الدعم الاقتصادي والسياسي.

وبالنسبة للبوليساريو فإن الصحراء ليست أرضا بلا مالك كما كانت تزعم إسبانيا أيام الاحتلال، بل إن الصحراويين شعب له هويته الخاصة وإرادته التي يجب احترامها. والصحراويون الذين أخرجوا الإسبان بقوة السلاح قادرون على مواصلة الكفاح المسلح ضد "أي طرف يحتل أرضهم أو أطراف تقتسمها حتى التحرير وإقامة الدولة المستقلة" كما في بيانات ووثائق الحركة.

وكانت تغذي هذه التناقضات مصالح القوى الاستعمارية التقليدية (إسبانيا وفرنسا) وصراعات الحرب الباردة. وهكذا فبدخول القوات المغربية والموريتانية أرض الصحراء دوت المدافع بين مقاتلي البوليساريو من جهة والقوات المغربية والموريتانية من جهة ثانية، مؤذنة باندلاع صراع ِمزمن اشتعل طويلا وما يزال قابلا للاشتعال في أية لحظة