From : abumos3b33@hotmail.com
Sent : Thursday, October 13, 2005 1:53 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

ملف مبعدي كنيسة المهد
محمود أبو عواد



في أواخر شهر سبتمبر من العام 2000 انطلقت شرارة الانتفاضة الفلسطينية لتندلع في أنحاء فلسطين المحتلة معلنة الثورة على المحتل الذي لم تكن لديه وسيلة قتل وتدمير إلا واستخدمها في حربه ضد أبناء شعبنا الفلسطيني.

انتفاضة الأقصى شهدت أحداث مهمة للغاية غيرت المسار الفلسطيني الذي لم ترهبه اعتداءات الاحتلال الصهيوني فكان استشهاد الشهيد ياسر عرفات بعد سمه بطريقة أو أخرى وتأكيدات رسمية بمسئولية الاحتلال عن ذلك أو استشهاد الشيخ احمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي أو اغتيال طائرات الحقد الصهيوني لأبو على مصطفي بالإضافة لعدد من قادة المقاومة الفلسطينية مثل إسماعيل أبو شنب وإبراهيم المقادمة وبشير الدبش وعدنان الغول ومقلد حميد وجهاد العمارين وآخرين قدموا أنفسهم من أجل فلسطين، وعملية الاندحار الصهيوني عن غزة، ولا ننسى كذلك عملية محاصرة كنيسة المهد في بيت لحم والتي سنفتح من خلالها كيف تمت المحاصرة للكنيسة وما دار فيها من اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية ومن يتحمل ما يعانوه المبعدين من فراق الأهل وتراب الوطن الذي ما زالت البشرية الحاقدة من بني صهيون تطوف به ولا تعرف تنام إلا ومزيد من الجرائم ومزيد من الإبعاد ومزيد من الأسر بحق أبناء هذا الوطن.

بداية الحصار
في الثاني من أبريل لعام 2002م قامت قوات الاحتلال الصهيوني بمحاصرة كنيسة المهد في مدينة بيت لحم والتي كانت تعيش تحت الحصار والمزيد من الاحتياجات ضمن حملة السور الواقي التي أطلقها النازي "ارئيل شارون"، حيث تقدم ما يزيد عن مائتين فلسطيني ما بين مقاتلين ومواطنين وما بين رهبان من المسيحيين، فلم يكن أمام المقاتلين والمواطنين غير كنيسة المهد ليحتموا بها في ظل حصار للمحافظة ومنطقة السوق القديم وصعوبة المقاتلين الخروج خارج المحافظة.

فلم تكن بيت لحم الوحيدة تحت الحصار فنابلس ورام الله وجنين والخليل وكل مكان من أراضي الضفة الغربية كانت تعيش الحالة ذاتها، اطلاق نار من هنا وإطلاق صواريخ من هناك ودمار في كل مكان، والهدف من ذلك هو القضاء علي المقاومة الفلسطينية، حيث يعتبر بأنه أشرس اجتياح صهيوني للضفة الغربية منذ اتفاقيات أوسلو.

مع اشتداد الحصار علي المحافظة وعلي البلدة القديمة في بيت لحم ومع مزيد من سقوط الشهداء والجرحى دون تقديم أي إسعافات لهم، حيث تم حصار البلدة القديمة والتي لا تقل عن 500 متر مربع،لم يكن أمام المقاتلين إلا كنيسة المهد فقاموا بفتح أبواب الكنيسة وأمنوا الطريق لبعضهم البعض حتى تمكن الجميع من الدخول إلي الكنيسة.

وبعد ساعتين من المعاناة تمكن المقاومين من الدخول للكنيسة، حيث كان عدد من المقاومين الفلسطينيين جرحى، واعتبر بعضهم ومن كانت أصابته في القدم كالمبعد جهاد جعارة أن يتخلي عن قدمه حتى لا يقوم جيش الاحتلال باعتقاله.

المبعدون جميعهم الآن داخل الكنيسة ولم يبقى أحداً في الخارج من المقاومين الفلسطينيين الذين كانوا قرب البلدة القديمة والتي حاصرها الاحتلال بالكامل لتزيد المعاناة يوماً عن يوم، لا دواء، لا إسعافات للجرحى، لا طعام، لا شراب، لا شيء متواجد لديهم، كل مقومات الحياة الطبيعية انقطعت عن الكنيسة والتي تقدر مساحتها ألف متر مربع.

حصار حانق ومحاولات صهيونية لاقتحام الكنيسة

وأصبحت الحالة سوءً أكثر في ظل تشويه إعلام صهيوني للمبعدين وطريقة دخولهم علي اعتبار إنهم يقومون باحتجاز الرهبان كرهائن، في ظل نفى من رهبان الكنيسة الذين اعتبروا أنفسهم رهائن السلام وليس رهائن لدي المقاومين، متمنيين أن يتم إنهاء الحصار خلال ساعة أو ساعتين، لكن الواقع كان صحاب الكلمة الأولي والأخيرة.

اليوم الثاني شهد محاولة صهيونية لاقتحام الكنيسة أدي لاستشهاد قارع الأجراس في الكنيسة سمير سلمان علي يد قناص صهيوني وكانت أول عملية اغتيال نفذت خلال عملية الحصار كاملة، أما اليوم الثالث شهد تقهقراً صهيونياً حيث طلب جيش الاحتلال من جهاد جعارة الاستسلام وتقديمهم العلاج له فكان الجواب: الموت بكرامة ولا الاستسلام، كما طلب بعض قادة السلطة الفلسطينية محاولة التفاوض علي إنهاء الحصار في ظل رفض صهيوني علي التفاوض، بعد ذلك ومع بدايات اليوم الرابع أصبح المقاومين بداخل الكنيسة يأخذون مواقعهم احتياطاً لاقتحام قوات الاحتلال الكنيسة بأكثر من طريقة في آن واحد فبدأوا بالحراسات علي فترات وذلك بأمر من الرئيس ياسر عرفات محذرهم من إطلاق النار إحتراماً للمكان المقدس المتواجدين داخله، حيث كان بإمكان المقاومين قتل العديد من الجنود الصهاينة بأسلحتهم الرشاشة والقناصة التي كانوا يحملونها داخل الكنيسة حماية لأنفسهم.

توالت محاولات جيش الاحتلال اقتحام الكنيسة وكانت تسمع من وقت لآخر صوت الانفجارات واشتباكات مع المقاومين الفلسطينيون حيث قام عدد من المقاومين بالاستيلاء علي بعض الذخيرة والقنابل اليدوية وسترات واقية حيث كانت القنابل من صنع أمريكي في عام 2002م، وكان لهذا المشهد أثراً بالغاً في نفوس قادة الجيش الصهيوني الذين أمروا بإضرام النار داخل الكنيسة لتندلع النيران في ثلاث غرف للرهبان وأثناء محاولة المواطنين المحتجزين مع المقاومين داخل الكنيسة بإطفاء النار داخل الغرف، قام قناص صهيوني باستهداف أحد أفراد الشرطة بطلقة نارية في وجهه استشهد علي أثرها فوراً، ليبقي الشهيد داخل الكنيسة في احد الصناديق التي قام بصناعتها الرهبان، حيث كانت تستخدم قوات الاحتلال قذائف الانيرجا والرصاص المتفجر ضد كل من يتحرك داخل الكنيسة للبحث عن الطعم أو جمع أوراق الليمون.

استياء مسيحي ودولي من عملية الحصار

الوضع يوماً عن آخر يزداد سوءً في ظل تعنت (إسرائيلي) لإجراء المفاوضات وقيام بعض شبكات الإعلام بإصدار أشرطة فيديو وثائقية تشوه سمعة الفلسطينيين داخل الكنيسة وتقوم إذاعات التلفزة الأمريكية والأجنبية ببثها علي اعتبار بأن المقاومين الفلسطينيين يحتجزون الرهبان ويقومون بإلقاء القنابل وإطلاق النار داخل الكنيسة، والرهبان مستاءون من هذه الدعاية (الإسرائيلية)

زاد التأثر المسيحي بالقضية في ظل هبوط سياسي فلسطيني وصهيوني لإنهاء الحصار، فلم يكن إلا من رجال السلام الأجانب التحرك ومحاولة الدخول للكنيسة لمساعدة الفلسطينيين إلا أن احد جنود الاحتلال قام بإطلاق النار عليهم فأصيب منهم عدد.

حلول فاشلة

الرئيس الفلسطيني تحت الحصار، كولن باول وزير الخارجية الأمريكية في ذاك الوقت كان يزور المنطقة ويجتمع مع عدد من رؤساء الكنائس بالقدس لحل قضية الكنيسة، وقام باول بمتابعة أمر حصار الرئيس ياسر عرفات وما يحدث في رام الله من قتل وتدمير للمنازل، اهتمام أمريكي بما يحصل في المقاطعة، حصار الكنيسة أصبح أمراً جانبياً للعالم.

قوات الاحتلال المتواجدة حول الكنيسة بدأت تأخذ جانباً آخر من اتهاء الحصار، وذلك عبر محاولاتها الاتفاق مباشرة مع المبعدين، حيث قام الحاكم العسكري الصهيوني لمدينة بيت لحم بالاتصال في المبعد "إبراهيم عبيات" إلا أنا عبيات رفض وأغلق الهاتف في وجهه، فلم يكن أمام الاحتلال إلا إن يأتوا بأمه وأخيه وأخته وذلك في دباباتهم ورغماً عن أنفوهم، وذلك للضغط علي إبراهيم في تسليم نفسه وتسليم جميع من معه من المقاومين فرفضت أم إبراهيم عبيات إن تطلب ذلك من فلذة كبدها، مقسمة با الله لن تفعل ذلك الأمر لو قاموا بقتلها، كما قاموا بجلب أهل بعض المقاومين المتواجدين بالداخل إلا أنه كان الموقف ذاته وكانت الضربة القاسية في وجه الاحتلال.

الفاتيكان بدأ يتحسس موقفه الصعب وبدأ بالتوسط لدي ( الإسرائيليين) والفلسطينيين لإنهاء الحصار في أقرب وقت ممكن، المبعدين رفضوا أن يكون أي شخص من قيادة السلطة الفلسطينية مفاوضاً عنهم سوي الختيار الرئيس أبو عمار، بدأ الأمريكيون والبريطانيين والمفاوضين من جانب الفاتيكان بالدخول في المفاوضات ما بين شارون والرئيس عرفات، إلا أن بعض قادة السلطة أخذوا مهام الرئيس الفلسطيني للتفاوض مع أطراف المفاوضات وذلك بموافقة (الإسرائيليين).

بدأت المفاوضات بين المفاوضين وكان أول طلب "إسرائيلي" قائمة بأسماء المطلوبين داخل الكنيسة، فرفض الفلسطينيين طلب طاقم المفاوضات الصهيوني، فكان الرد (الإسرائيلي) لا نريد مفاوضات وسنفرض قوتنا لإنهاء العملية.

قوات الاحتلال زادت من حصارها علي الكنيسة وأصبحت تقوم في كل ليلة بتحليق مكثف لطائراتها فوق الكنيسة وجلب كلاب مدربة للنباح مع إطلاق نار، وبعد يومين من هذه العملية استشهد عصام جبابرة أحد المطلوبين لقوات الاحتلال ومن قادة الأقصى في العملية.

حلول جديدة

في اليوم الرابع والعشرين من الحصار شهد تقدماً طفيفاً لعملية الحصار حيث جلس المتفاوضون مرة أخرى، وكان للجانب (الإسرائيلي) شرطاً بإخراج جثتين وتسعة صبية إي خارج الكنيسة، وتمت الصفقة الأولي لكن قوات الاحتلال قامت باعتقال احد الصبية بتهمة شبهات أمنية فكان احتجاج من المفاوضين الفلسطينيين لكن دون جدوى.

المفاوضات بدأت تسير مرة أخرى في ظل تجاوب (إسرائيلي) وتقهقر داخلي لحل الحصار بأسرع ما يمكن، المفاوضين الصهاينة أصدروا قائمة بسبعة أسماء اعتبرتهم من أخطر المطلوبين لديها، فكان رفض فلسطيني لتسليم أي شخص أو إبعادهم إلا لغزة علي اعتبار غزة هي من حدود الوطن الفلسطيني.

هذه الأمور كلها كانت في ظل غياب عما يحدث مع المبعدين في الداخل، لا ماء، لا شراب، لا طعام، ماذا يفعلون وكيف يصمدون يقول أحد المبعدين: لقد كنا نلتقط الحشيش الأخضر وكنا نطبخه زى الشوربة بس شوربة مع ملح مع الحشيش الأخضر هذه الوجبة كنا نأكلها كل أربعة وعشرين كاسة واحد لكل شخص، عندما أكله بعض المحاصرين قالوا بأنه علقم وقرروا بعدم الأكل بتاتاً، كما كان الماء منقطاً وأي شخص يتوجه لجلب الماء يعود شهيد أو جريح بقناص الجنود المتمركزين حول الكنيسة.

صفقة جديدة لإنهاء الحصار

الغذاء مقابل الرؤوس، وقائمة بأسماء المحاصرين، صفقة (إسرائيلية) جديدة في ظل رفض فلسطيني لها، كان الهدف من ورائها معرفة من خارج الكنيسة من المطلوبين.

نعود للمقاطعة وبداية الحلول لإنهاء حصار الرئيس الفلسطيني بعد رعاية أمريكية وبريطانية لاتفاق مع الجانب (الإسرائيلي) والفلسطيني لحل قضية المطلوبين داخل المقاطعة، الكنيسة والمقاطعة، آمران متناسقان لم يكن لقضية تنحل دون الأخرى في الحسابات الفلسطينية.

بعد حل جزئي لقضية المقاطعة وانسحاب قوات الاحتلال إلي خارج مقر المقاطعة رفض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن يتكلم بما حدث داخل الكنيسة قائلاً: ما بديش أتكلم عن الانفجارات والحرايق اللي حصلت عندي هنا لأنه مش مهم اللي عندي أنا مهم عندي كنيسة المهد.. أنا آسف.

استقالة طاقم المفاوضات الفلسطيني

المفاوضين الفلسطينيين الذين كلفوا من الرئيس الفلسطيني بالمفاوضات توجهوا بالغذاء والدواء للاستعداد دخول الكنيسة إلا أن مسئول المخابرات الصهيونية في الضفة الغربية رفض ذلك بعد رفض فلسطيني بالدخول دون طعام وتسليم قائمة بالأسماء الموجودة داخل الكنيسة، وعند رفض الفلسطينيين لذلك أعطي رئيس المخابرات الصهيونية في الضفة صفعة للمفاوضيين عندما قال لهم بأن محمد رشيد يقوم في هذه اللحظات بالاجتماع مع الجانب (الإسرائيلي) والأمريكي لحل قضية الكنيسة، مما آثار غضب طاقم المفاوضات الفلسطيني وتقديم الاستقالة.

بعد استقالة المفاوضيين بدأ الرئيس الفلسطيني بالاتصال مع عدد من القادة العرب والفلسطينيين لاستكمال المفاوضات والجواب رفض الاقتراح.

تهديدات للمبعدين بحل القضية أو تحمل مسئولياتهم اتجاه موقفهم

بعد ساعات هدد عدد من قادة رجال الشرطة والأمريكيين إبراهيم عبيات بإنهاء مسألة الحصار حتى لو تم تسليم أنفسهم لجيش الاحتلال، معللين ذلك بأنه مشكلتهم وبأنهم هم المطلوبين وعليهم أن ينهوا القصة بأسرع وقت.

شارون يستعد لزيارة واشنطن، واشنطن تزيد من قنواتها السرية للتفاوض وحل القضية قبل زيارة شارون وكان ضغط أمريكي علي (الإسرائيليين) بذلك، بدأت القضية تأخذ جانب الحل وبدأ محمد رشيد يقوم بمفاوضات مع الجانب الصهيوني وبدأت أولي الخطوات بتسليم قائمة بأسماء المتواجدين داخل الكنيسة بعد استلام عماد النتشة للقائمة سراً من باب الكنيسة.

القائمة أصبحت في أيدي الأمريكيين والأوربيين و(الإسرائيليين) وكان محمد رشيد يمثل الجانب الفلسطيني بدأت المفاوضات تأخذ مسارها بقوة، توجه العقيد ربحي عرفات مع ميغيل موراتينوس إلي بيت لحم والقدس لاستكمال المفاوضات بجانب محمد رشيد وذلك بأمر من ياسر عرفات.

بدأت المفاوضات مع المبعدين علي إبعاد سبعة منهم، فقد استشهد احد السبعة وبقي ستة آخرون، لكن المفاجأة كانت بأن 39 فلسطينياً هم من أصبحوا تحت خطر الإبعاد، بموافقة رسمية منهم بناءً على طلب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي لاقى ضغوطات دولية للتدخل في المفاوضات بعد اختفاء زعيم المفاوضات محمد رشيد والذي اقترح إبعادهم وقدم لائحة أسمائهم.

صلاح التعمري احد كبار المفاوضين في هذه العملية اتهم محمد رشيد بالمسئولية الأولي والأخيرة عن عملية إبعاد المقاومين، مؤكداً أنه لم يعلم ما يجري علي صعيد المفاوضات في القدس.

أصبح المطلب الأول والأخير في القضية بأن يقوم المبعدين بتوديع أهلهم وذويهم، لكن الرفض الإسرائيلي كان الجواب.

لحظات الإبعاد

بدأ الجميع يخرج من الكنيسة ويقبّل الأرض ويرفع يدي العزة والشموخ مودعاً أهله وذويه الذين لم يبعدوا سوى مئات الأمتار وهم يقفون يشاهدون أبنائهم يخرجون بعزة النفس والكرامة مسافرين إلي غزة وبلاد متفرقة أخرى علي موعد أن يعودوا بعد عام لبيت لحم التي احتضنتهم منذ الوهلة الأولي إلا أن قضيتهم أصبحت كقضية اللاجئين تأخذ منعطف النسيان لدي الفلسطينيين ولدي ( الإسرائيليين)، والآن مضي أكثر من ثلاث أعوام وحنين الشوق لوطنهم ولأرضهم ما زال عنوانهم الأكبر.