From : abuhashem50@hotmail.com
Sent : Friday, October 14, 2005 7:17 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : من : عبد اللطيف زكي أبو هاشم - فلسطين
 

بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة في مجلة عرب تايمز
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد
أرجو نشر هذه المقالة ولكم الشكر
أخوكم
عبد اللطيف زكي أبو هاشم
مدير دائرة التوثيق والمخطوطات والآثار - وزراةالأوقاف - فلسطين

 

نظرية النباهة والاستحمار
عرض ونقد: عبد اللطيف أبو هاشم
 



قد لا يفكر الأستاذ أو الفيزيائي أو الفيلسوف أو الأديب، أو المؤرخ ،أنه يمكن أن يكون لا شيء من الناحية الفكرية وأنه في مستوى أقل العوام شعوراً
كنت قبل شهر ونصف تقريباً قد كتبت مقالة في دنيا الوطن ، بعنوان " ماذا جنى علينا الدكاترة " العلاقة الجدلية بين أمية الأكاديمي ولا أكاديمية المثقف " وقرأت عدة تعليقات ، كان مجملها كأن من كتبها يريد فقط أن يدفع عن نفسه تهمة أن ليس أمياً على الرغم من أنه يحمل شهادة علمية ، ثم إنني دهشت للمستوى العلمي والأخلاقي للتعليقات والردود ، وكأن تلك المقالة قد أقضت مضاجع من يستترون وراء الكرتونة ووراء الشهادة ، حتى لقد أصبحت الشهادة في الأونة الأخيرة من مهمات المنصب والمحافظة عليه ، هرع الكثير من أصحاب المناصب العالية وبعلاقاتهم الشخصية التي هي من محصلة المنصب التراكمية ، إلى اللحوق بقافلة الدكاترة والآكاديميين .
وكلما كبر المنصب كبرت الوساطات والعلاقات إلى درجة أن تلقي بالتعاليم الأكاديمية المتعارف عليها عرض الحائط .
كنت أود أن أقول لمن رد على مقا لتي
من زاوية شخصية ودافع مستميتاً عن " دكتورهات السودان " وحملة الشهادات العلمية من جامعاته ، أننا مع احترامنا وتقديرنا لتعاطف هذا البلد الطيب معنا ، إلا أنه كان على حساب الكثير من القيم والأعراف الآكاديمية المتعارف عليها ، حيث تؤخذ الشهادة دون تعب ودون ملاقاة للعلماء ومشافهتهم ، حتى وجدنا الكثير منهم لا يعرف أبجديات العلم ، وأقول للأخ الذي انتقدني إلى درجة تنم عن حقد لا أعرف مصدره ، أن من الخريجين من السودان بالذات ينبغي أن يعاد النظر في شهاداتهم بدليل أن الجامعات المحترمة اليوم لا تقبل شهاداتهم ونسأل الله تعالى صلاح حالهم ، ومن منطلق العلاقة الجدلية بين العلم الثقافة وبين التخصص والموسوعية أحببت أن أقدم للقراء الأحباء نظرية حول العلم والثقافة للمفكر الشهيد الدكتور علي شريعي رحمه الله مفجر الثورة الإسلامية في إيران ، وهو في رأيي أهم من جميع رجال الدين وعلى رأسهم الإمام الخميني ، فشريعتي أهم منهم جميعاً . ولنورد ملخصاً لنظريته من خلال كتابه الذي نعرضه .

الكتاب هو من تأليف الشهيد الدكتور علي شريعتي رحمه الله وصدر في بيروت: الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع ، 1984وهو من الحجم المتوسط ويحتوي على ستة فصول مع خلاصة في نهاية الفصل الأخير. هذا الكتاب هو أساس نظرية الدكتور شريعتي في "الاستحمار" فلقد كشف النقاب عن أسس هذا العلم الذي ابتكره المستعمر ليتم له عن طريق استحمار الشعوب الأخرى: شرقية وعربية وإسلامية..الخ
وفي هذا الكتاب يبين لنا الدكتور شريعتي أساليب "المستعمر" في تطبيق الاستحمار وكيف يتم هذا التطبيق وما هي أسسه ومبادئه.
ففي الفصل الأول يشخص د. شريعتي الداء لتلك الأمة التي طبق عليها "علم الاستحمار".
يقول د. شريعتي في الفصل الأول ص17: "إن الحالة الخاصة التي نعيشها تفرض علينا أن نقول كلمتنا الأخيرة أولاً، وأن نقرأ الكتاب من آخره، ومن هنا فإن الموضوع قد يبدو مملاً للذين لم يتعرفوا بعد على الظروف الفكرية للقضايا التي سأعرضها، وقد يحتاجون لمزيد من التأمل والدقة ، ومهما يكن، فإني أعرض في هذه الجلسة، أفكاراً يحتاج الجلسات عدة، لكن لعدم توفر الفرض سأقول في أول كلمتي، ما كان ينبغي أن أقوله في آخرها، وهذا مما يزيد في إبهام الموضوع، خصوصاً أن الكلام يدور حول مسائل فكرية وليس علمية. وينطلق شريعيتي إلى تشريح البنية الثقافية للمجتمع أي مجتمع كان بمختلف علمائه ومثقفيه ويبقى على هؤلاء أنهم قد يكونوا ممن يتم استحما رهم أو تم بالفعل فيقول: "قد لا يفكر الأستاذ أو الفيزيائي أو الفيلسوف أو الأديب، أو المؤرخ، أنه يمكن أن يكون لا شيء من الناحية الفكرية وأنه في مستوى أقل العوام شعوراً وحتى الأمي الذي لا يحسن الخط مثلاً، قد يكون أرقى في الدراية الشخصية وفي معرفة الزمان والمجتمع.
إن بقاء المتعلم جاهلاً، والمثقف فاقد الشعور، وإعطاء كل منهما ألقاباً بارزة، كالدكتور والمهندس والبروفيسور لحالة مؤلمة جداً، فيما لو استمر أي منهم عدم الفهم والنباهة، والشعور، بالمسؤولية فإن حركة التاريخ التي تأخذه معها، هو ومجتمعه في هذا الزمان.
"إن خطر بقاء المتعلم جاهلاً، وأخرس ، وأعمى، ولا شيء لخطر كبير جداً، لأن الإنسان إذا أشبع بالعلم، لم يعد يشعر بالجوع الفكري، حيث أن المتعلمين في هذه الأيام ينظرون إلى قضايا العلم منفصلة عن قضايا الفكر". ص9
ويعلل شريعتي قوة الغرب وضعف الشرق بقوله: "إن امتلاك الغرب للميراث العلمي واحتفاظه بجميع الذخائر في الفروع العلمية كافة، سواء منها تلك التي ابتدعها هو، أو تلك التي أخذها عن غيره ضلع بها ذروة التكامل العلمي والفلسفي والتكنولوجي، لا يمنعه من الخضوع أمام مجتمعات لا تملك أي نوع من أنواع الأسلحة، وقد يكون أفرادها حفاة، ولا يمتلكون حتى آلة للدفاع عن حياتهم، وحياة أسرهم، فمن هما طرفا الجدال والقتال في هذا العصر إذاً؟
ويجيب شريعتي على تساؤله موضحاً بالشرح والتبيان أهمية هذه القدرات (الفكرية وليست الصناعية) تقابل ، جماعة تفتقد الصنعة والعلم، ومصير هذا القتال بعد عدة أشهر سيكون لصالح أولئك الحفاة في هذه الدنيا، سيكون بلا شك لصالح أولئك الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، وستخسر تلك القدرات التي حازت الذخائر العلمية و الغنية طيلة تاريخ البشر فمن يقتتل مع من؟؟
العلم في معركة مع الفكر هذا الحافي الجائع الذي قضي عليه أن يبقى فقيراً مريضاً، تسلح بالإيمان والعقيدة، واستطاع بنباهته من التغلب على ذاك الذي جمع القدرات العلمية والصناعية والفلسفية البشرية؟ وادخر ثروة العالم رغم كونه أمياً، إذاً هناك شيء آخر غير الثروة والقدرة والعلم والفلسفة والتكنولوجيا، شيء لو صرفنا النظر "عن وجوده" لهزمنا أمام حفاة الدهر، وإن كانوا عبيداً مظلومين، لأننا ننهار من الداخل ، حتى لو بلغنا ذروة التكامل، كما بلغ الغرب المتحول اليوم شرط أن نبلغ لكننا لا نبلغ.
ومن هنا تقف المجتمعات التي تريد أن "تختار" أمام طريقتين: طريق العلم والرأسمالية والقدرة والصنعة وطريق الفكر والعقيدة ، ومن المسلم به أن المجتمع الذي يرتبط بهدف عال، وبعقيدة وإيمان، يتفوق على كل قدرة ، حتى ولو كانت القوة التي تسيطر على "المنظومة الشمسية" وإن مجتمعاً كهذا، سيكون له بعد عشر سنين، أو خمس عشرة سنة حضارة، لما سيكون صناعته، وسينتج على مستوى عالمي أيضاً وهناك نماذج كثيرة في الزمن الماضي وفي وقتنا الحاضر أما إذا كان المجتمع فاقداً لنموذج يهدف إليه فاقداً للإيمان وللوعي الشخصي والاجتماعي وليس همه إلا الصناعة والرأسمالية أو ما يسمى اليوم التقدم العلمي والصناعي فإن وفق لنيل ما يروم ، ولن يوفق فإنه سيبقى مستهلكاً وإن ظن أنه متبع وهذه هي الخديعة الكبرى التي وقعت فيها جميع البلاد المتأخرة فحسب ذلك الشيء الذي يهب الرفيق العجوز المحروم قدرة تزلزل العجائب وهكذا، فإذا كنا أصحاب عقيدة فإنه متى وفقنا أن نجتاز مرحلة الإيمان بنجاح فإنا سنكون صانعين لأجبر حضارة أما إذا لم نشعر بنقص فكري ولن تنكشف لنا قضية الإيمان والعقيدة ولم تتضح طريقنا، فإنا سنبقى محتاجين أرقاء للمنتجين، نعتمد على حضارتهم أو نستهلك إنتاجهم.
وللمجتمعات المتأخرة، كما يقول فانون( ) نصيب مشابه، وله حاجات واحدة، لأنها تواجه خبرات متشابهة في زمن مشترك واحد، وعليها أن نختار بين الفكر والحضارة من غير فكر، ونعني بالحضارة ما يخرجه المتحضرون لنا ومن هنا أزمة المثقف اليوم في البلاد المتأخرة، في الشرق الأدنى والشرق الأقصى أو أمريكا اللاتينية ولا فرق في ذلك.
ولقد كشفت التجارب في الخمسين سنة الماضية ، أن المجتمعات التي بدأت من نقطة عقائدية وتركت بعد تحقق وعيها الفردي والاجتماعي وقفت اليوم في صف القدرات التي تصنع الحضارات العالمية لكن المجتمعات التي اقتدت بالحضارة الغربية دون وعي اجتماعي أو شعور إنساني بالوعي الفردي، ودون عقيدة بل بمجرد نهضة كاذبة، قد ظلت مستعمرة للحضارة الغربية، مستهلكة على الدوام وخاضعة للذل والعبودية تحت سيطرة الغرب، والأمثلة على ذلك كثيرة. (ص13)

الفصل الثاني
في هذا الفصل يقسم شريعتي النباهة إلى قسمين:
أولاً: النباهة الفردية وهي: النباهة النفسية تلك التي تدفع الفرد لأن يرى نفسه كل حين.
ثانياً: النباهة الاجتماعية وهي الوعي الجماعي لدى الشعوب وإحساسها بمصيرها وحضارتها وتاريخها وتملكها له لاستشراف المستقبل (انظر العودة إلى الذات)، وهي تلك التي اختص بها الأنبياء في التاريخ.
ص30: يقول شريعتي: إن قيمة كل واحد منا على قدر إيمانه بنفسه ولو نظرنا إلى أنظمتنا التربوية والاجتماعية لرأينا مأساتها بوضح فكم حقرونا في هذا المجال!‍؟
لقد أذلونا إلى حد، بتنا معه لا نؤمن بقابليات قدراتنا ذاتها، أصبحنا نرى أنفسنا في عجز تأبه حتى فراخ الحيوانات!!
فنحن عاجزون عن الانتقاد، عن الاستفسار، وحتى عن الكلام أصبحنا لا نجرؤ أن نتصور أننا قادرون على أي عمل صغير نعم بلغنا هذا المستوى من الضعف وعدم الثقة بالنفس ! ولا شك أن الجيل الذي يستحقر نفسه بنفسه يكون حقيراً أيضاً ، فسياسة الاستعباد حتى يظن هذا الأخير نفسه من أسرة منحطة بطبقة دنيا فيسهل عليه عند إذن تقبل المذلة بصدر رحب ويلجأ مستسلماً حضن الرق والعبودية .
ص132 أن الإيمان بالنفس ، يوفر للإنسان شيئاً واحداً هو الوعي النفسي ، هو أن يعرف في الدرجة الأولى لأي عرق وأصل ينتسب ، ولأي أمة يرتبط ولأي تاريخ وحضارة وأي فترة زمنية وأي أدب ينتمي ولأي مجدٍ قديم يمت !! هذه عودة الوعي النفسي ، وفوق هذا إلى ( الوعي الوجودي ) الوعي الذي يجعلني أشعر بنفسي كموجود إنساني في الذروة وهكذا عندما أجد نفسي بتلك المظاهر ، أعرفها تماماً وآنس بها ، ولا أعود أتخلى عنها بأي ثمن ، ولا يعود ممكناً المساواة على جزءٍ من لحظات وجودي ، وخصوصاً أن عرفت من ( أنا ) هذه ( الأنا ) تكون عظيمة بعظمة الكائنات ، إن هي اكتشفت نفسها قليلاً (وعيها النفسي)
ص38: "إن الوعي النفسي "النباهة" يمكن أن تشعر الإنسان بما فات منه، هذا الإنسان الذي تجاوز الاقتداء والاستهلاك لكل ما يقدم له!
ويمكن أيضاً للوعي الاجتماعي أن يشعر كيف تجري أمور مجتمعة في الحضارة!
نعم إن الدرايتين النفسية والاجتماعية هي الشيء الوحيد الذي باستطاعته أن ينجي الإنسان من هذه البلاهة المتطورة الحديثة المغرية، حقاً، ونحن نسمي الدراية النفسية نباهة فردية، والدراية الاجتماعية نباهة اجتماعية.
يوضح شريعتي سبل الطريق إلى نهضة الأمة فيقول ص 39: إن الشيء الذي ينحي الإنسان والأمة من شؤم الاستشراق الفكري في طريقته القديمة والحديثة، هو النباهة الإنسانية، التي يتحدث عنها الدين الراقي الذي تجاوز العلم، والدراية الاجتماعية التي تتحدث عنها الرسالة العقائدية النبوية، وينبغي أن تكون الدرايتان مقياساً لكل إنسان، وبالأخص للعالم الثالث وفي المجتمعات الشرقية والإسلامية، وهؤلاء جميعاً سيخسرون إذا ما نظروا للمسائل بغير هذا المقياس.

الفصل الثالث: الاستحمار
ص43: يعرف شريعتي الاستحمار فيقول: "الاستحمار هو: تسخير الإنسان للانصراف عن الإنسانية والاستقلال والحرية، وهذا التحذير وهذا الانصراف هما تسخير للإنسان كما يسخر الحمار، ومن هنا أطلق على هذا العمل اسم "الاستحمار".
ويقول شريعتي: "أن الاستحمار في هذا الزمان قد بلغ درجة من القوة والشيوع لم يسبق لها نظير على مر التاريخ، ويعلل ذلك بقوله: "كان الاستحمار في الماضي وقفاً على نبوغ المستحمرين وتجاربهم، أما اليوم، فقد اصبح معززاً بالعلم، بالإذاعة والتلفزيون، بالتربية والتعليم، وبجميع وسائل الإعلام، بالمعارض وبعلم النفس الحديث، بعلم الاجتماع، وبعلم النفس التربوي، صار فناً دقيقاً مجهزاً بالعلم، ومن هنا تصعب معرفته لصعوبته ودقته.
ويخلص شريعتي إلى معنى آخر للاستحمار فيقول: "فمعنى الاستحمار إذاً هو: "تزييف ذهن الإنسان، ونباهته وشعوره"، ويعتبر مسيرة عن النباهة الإنسانية، والنباهة الاجتماعية، وأي دافع، لتحريف الفرد أو الجماعة عن هاتين النباهتين، أو أبعد منهما، هو دافع استحمار وإن كان من أثر الدوافع قدسية، وما البعد عن هاتين كذلك إلا وقوع في العبودية، والذهاب ضحية لقوة العدو، والاستحمار المطلق.
ص45: "إن المستعمرين قد لا يدعونك دائماً إلى ما تشاء منه، حتى لا يثيروا انتباهك، فتفر منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه بل هم يختارون دعوتك حسب حاجتهم، فيدعونك أحياناً إلى ما يعتقده أمراً من أجل القضاء على حق كثير، حق إنسان أو مجتمع، وقد تدعى تستغل عن حق آخر، فيقضون هم على حق محق آخر. يضرب لنا شريعتي مثالاً من التاريخ، على هذه القضية حيث يقول ص 4: "اتخذ بنو العباس سياسة غريبة في تاريخ الإسلام ، فقط كان المسلمون قبل خلافتهم، إذا أحسوا بخطر يتهددهم، أو رأوا ظلماً من الخليفة أو قرابته، عطلوا أشغالهم، وتركوا الأسواق وهرعوا إلى المساجد، ويصيحون ويستغيثون ويدعون الخليفة للمحاكمة والعدل ، كان هذا شعور المسلمين الاجتماعي، زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر وعمر وعلي -رضي الله عنهم أجمعين- وحتى على عهد بنو أمية ومن الواضح أنه لا يمكن حكم أناس كهؤلاء بالسهل والدعة، حيث يصعب الظلم والسيطرة عليهم مع هذه الجرأة والجسارة، لقد كانوا أهل دراية اجتماعية وإنسانية، لماذا لأنهم مسلمون بشدة وحرص، إذا سمعوا الآذان هرعوا إلى الصلاة، ليحاسبوا أنفسهم، ويفكروا في مصيرهم، وحينما رأوا الخليفة عمر، ذلك الإمبراطور الذي فتح لهم مصر وإيران وبلاد الروم، يرتدي ثوباً، من الغنائم الحربية، وهو أطول من أثوابهم بقليل، علت أصواتهم المعارضة لتقسيم الغنائم بالمساواة، لقد صاحوا، لأي شيء ثوبك أطول من ثيابنا، وهم لا فرق عندهم بين عمر أميرهم، إمبراطور الشرق والغرب، وبين جندي من الجنود، لقد أجبروه على المحاكمة لأول مرة، وبدلاً من الثناء عليه، وإحلاله لفتح إيران والروم، طالبوه بالعدالة.
انظر إلى شعور تلك الأمة، وإلى اهتمامهم والتزامهم عصرهم وهم يستطيعون أن يرفعوا إيران المتحضرة في العهد الساساني بأطراف أصابعهم، ويلقون بها أينما شاؤوا، وفعلاً قلعوها، ولا يعلم أين ذهبت، ولهذا كانوا قادرين على فتح بلاد الروم كلها، ولقد استطاعوا فتح مصر، وإخضاعها بثلاثة آلاف رجل.
أناس يغيرون مجرى التاريخ، ويهتمون بمصيرهم بدقة وولع، لقد أجبروا عمر على الحضور إلى المسجد، يجيب الناس بنفسه من غير ممثل أو ناطق عنه، ومن ثم، يأتي ابنه عبد الله شاهداً معه، ليخاطب الناس ويقول: إن سهمي من القماش لم يكفني ثوباً لطول قامتي، وقد أعطاني ابني عبد الله سهمه من القماش، فأضفته لصنع ثوبي هذا وباستطاعتكم أن تفتشوا، وتبعثوا وكلاء منكم، لتحققوا كيفما شئتم، فإن عبد الله ليس عنده من هذه القيمة، وهكذا رأوا عمر بعد التحقيق واضح إذاً أنه لا يمكن حكم هؤلاء بسهولة، ولابد من استنزافهم تلك الدراية السياسية التي يذكرها أفلاطون، وسلبهم تلك الدراية الاجتماعية، وإذا سلبت هذه لا يبقى بعد شيء ذو خطر، وإن شاؤوا أن يكونوا علماء أو فلاسفة، حيث نصفهم كأبي علي ابن سينا، والنصف الآخر كالحلاج وجميعهم ، ليسوا سوى خدم للخليفة، وهل كان ابن سينا، الرجل الذي بلغت شهرته الآفاق، غير قلم كاتب "لجلالة الخاقان" واضح أنه لو لم يكن ذا شعور لكان أفضل، نعم هذا يفيد الإنسان إذا لم يكن له هدف ولا يفيده علمه ولا فنه ولا مكانته. ص49
وماذا عن كبار علماء الفنون الجميلة، وأهل الصنعة؟ أتراهم يصنعون "عالي قابو"، ويصنعون "ألف ليلة وليلة"، في دار الخلافة في بغداد، طبيعي أنه لو لم يكن لنا لكان أفضل إذ ما هي فائدة هذا الفن وهذا العلم؟!
وبعد يأتي زمان بني العباس، ويتزوج جعفر البرمكي العباسة، وتعمل وليمة الزفاف، لقد طبخوا من الطعام، وأخرج باقية من بغداد بعد عدة أيام، فإذا هو جبل من الطعام، وبعد أن تغدت الطيور والحيوانات أياماً، تعفن باقيه في المدينة، وأخذ يهدد صحة الناس وسلامتهم، مما اضطرهم لاستئجار جماعة لإبعاده عن المدينة، ولم يظهر رجل واحد من المسلمين في كل المجتمع الإسلامي يقول لهم: هذا الطعام الكثير إسراف في الدين، نعم لم يقل ذلك أحد، لا عالم ولا فقيه، ولا شاعر ولا نبيه، لماذا؟ لأن "الدراية الاجتماعية" لم تكن عندهم.
وهؤلاء الناس الذين لم يبدوا اهتماماً لذلك، كانوا يجتمعون معاً ويتحدثون، ويتسامرون، لأنهم اكتشفوا قاعدة نحوية للغة العربية، أو عثروا على كتاب في الطب والأدوية، يريدون أن يترجموه ليحصلوا على وزنه ذهباً‍ وهكذا بلغت الأبحاث الفلسفية والعلمية في زمن بني العباس، غير أن هؤلاء لم يبق لهم شعور بالنسبة لمصيرهم الاجتماعي، فكانت النتيجة أنه يوم دخول المغول واكتشافهم هذه الديار لم يبق لهم حضارة ولا اقتدار ولا علوم لأن "الدراية الاجتماعية" كانت عديمة، وهكذا نجد أن دافع الاستحمار في زمن بني العباس كان العلم والحضارة الفن والأدب، التحقيق العلمي والفني والأدبي واللاأدبي.

الفصل الرابع
أنواع الاستحمار
يقسم شريعتي الاستحمار إلى نوعان في (ص53-54)
الأول: استحمار عتيق واستحمار حديث، وهو كالاستعمار تماماً، منه عتيق، ومنه حديث.
والاستحمار في رأي شريعتي هو أهم دافع للانحراف وطلمسة الذهن وإلهائه عن "الدراية الإنسانية" والدراية الاجتماعية، وانشغاله بحق أو بباطل، مقدس أو غير مقدسن وهذا تعريف جامع للاستحمار.
كان الدين دافعاً قوياً للاستحمار القديم، بينما الدافع للاستحمار الحديث هو كل تشاجر، وتحارب أيها في كاذب.

الفصل الخامس: أشكال الاستحمار
للاستحمار شكلان: مباشر وغير مباشر، والمباشر منه عبارة عن تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوقها إلى الضلال والانحراف.
أما غير المباشر، فهو عبارة عن إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية، البسيطة اللافورية، لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة والفورية. ص69
ص70: "فأداة الاستحمار إذاً تنتخب حسب نوع الفرد، الذي يراد استحماره وبعدها، يحرك (المستحمرون) الفرد نحو ميوله، وأخيراً، يصبح عندنا جماعته تنشغل بالرياضة وفريق منشغل بالفن، وآخر بالعلم، وبعضهم بالتحقيق وبعضهم الآخر بالزهد وكل بما لديهم فرحون، فكل شيء إذاً يشغلني "أنا كإنسان، أو عن المجتمع عن الدراية الإنسانية والدراية الاجتماعية هو أداة استحمار. ص71
حينما يقع اصطدام في مجتمع ما، ما ينبغي أن ينظر إليه من زاوية ارتباطه بالدارية الإنسانية والدراية الاجتماعية وكم من مسائل فكرية وفقهية، دينية وغير دينية، فلسفية وعلمية تفرض الآن عن الأذهان بشكل كاذب ومنحرف وكم من محاورات ونزاعات. (ص277)

الفصل السادس: التخصص
ص81: في رأي شريعتي أن التخصص يسبب انغماس الإنسان في إطار محدود وصغير جداً، مجرداً عن المجتمع، بصورة يصعب فيها لمسه كقسم واحد شامل وعلى هذا فالتخصص يعدم الدراية الاجتماعية، كما يسلب الفرد إمكان شعوره بنفسه كإنسان وأهم في شتى وجود الحياة. والسبب في ذلك، كون التخصص يعمل على نحو الفرد من جهة واحدة، ويعطله من سائر الجهات، ص81
ص82: والعلم من أجل العلم أداة انحراف، وضلال عن النباهة الإنسانية والنباهة الاجتماعية ولقد صدق هيدجر أكبر فلاسفة عصره وأستاذه سارتر عندما قال: إنما العلم والحضارة ثمرة ظروف متراكمة عديدة، أصبح الإنسان فيها غريباً عن نفسه أي أنه راح ضحية للتحقيق والعلم والفن والحضارة.
نحن عندما ينشغل بمطالعة كتاب، أو كشف أو اختراع، فإنا نكون غريبين عن أنفسنا أن نعدم النباهة النفسية فلا نشعر حيث تقع آلة بيد العمل ومن أجله، وقد حصلت الحضارة والصنعة والعلم من مجموع تلك الحالات، إن حصولها كان في حالة ابتعاد الإنسان عن نفسه، وعن التأمل فيها، والاستغراق في شيء آخر لأن عمل الإنسان كآلة ينتج عنه شيء آخر، وفي مثل هذه اللحظات ظهرت الصنعة والعلم والحضارة، ومن هنا يضر العلم بالنباهة الإنسانية والنباهة الاجتماعية. (ص83)
الحريات الفردية: (ص88)
الحرية الفردية أداة تخدير كبرى لإغفال الحرية الاجتماعية، حيث النباهة الاجتماعية القضية ذات الأهمية الكبرى، حيث يرى الإنسان نفسه حراً من الناحية الفردية، في غذائه وشهواته كقفص فيه طير، وقد وضع في صالة مغلقة تماماً، ثم فتح باب القفص إنه شعور كاذب بالحرية.
الجنس والاستحمار: (ص79)
ومن أساليب الاستحمار أيضاً حرية الجنس وهو الِأسلوب الذي يقدمه الغرب هدية للشرق واسمه حرية الجنس بدلاً لما ينهيه ويسلبه من المواد الخام، ولذا يسمح للشرقيين بأن يكونوا أحراراً من الناحية الجنسية، بلا قيد ولا مانع، وبقد ذلك تأتي أجهزة الدعاية، والمواصلات الجماعية في الشرق لتؤكد وتدعو إلى الحرية الجنسية بلا قيد ولا مانع، وهكذا رأى الغربيون أنه من الأحرى إفساح المجال أما هذا الجيل في حرية الجنس ليعدموا منه الشعور بالحاجة إلى الحرية الاجتماعية الزائدة، أجل بإمكانهم أن يلهوا خمس سنوات أو ست، أي طيلة الأزمة الجنسية، التي تضغط عليه حتى ينشغل عن الحرية الاجتماعية، فيتلهى بأهوائه ونزواته، إلى حد يفقد معه شعوره، وبعد انقضاء هذه المدة يرتفع الخط. ص90
من أساليب الاستحمار
حرية المرأة: وذلك بإثارة الحرب التمويهية من أجل الإثارة، وفتح باب الجدل والاختلاف بين الرجل والمرأة وإلهائها عن الأساسيات من القضايا العادلة، عن حقوقهما، عن مشكلة الشرق والغرب، عن مشكلة المستعمرين الخاضعين للاستعمار.
ومن الاساليب أيضاً: ص91
التقليد والتبعية: حيث يكون للمرأة السهم الأوفر والدور الكبير في نشر وإشاعة الحضارة الاستهلاكية وتطور الأنواع، والفرق والجماعات، والعلاقات العائلية والروابط الاجتماعية والسياسية في الثلاثين سنة الأخيرة. ص91
الخلاصة:
يخلص شريعتي إلى نتيجة وهي أن الاستعمار يعمل على إشغال الشعوب إلهائها عن النباهة الإنسانية والنباهة الاجتماعية لإنشاء جيل مطابق لمقاييسه وحساباته.
هذا جيل، لا يتحمل أي مسؤولية أما الاستحمار الجديد فمن أجل أن يسلب النباهة الإنسانية، والنباهة الاجتماعية.
يقرر شريعيتي أن الاستحمار بات يرصد كل واحد منا، نرفضه من ناحية فيخرج لنا من ناحية أخرى، نقع في حبائله في مكان آخر، ننتبه إلى جانب منه، فيشغلنا في جانب آخر، نكتشف حرباً إيهامية، فيوقعنا في حرب إيهامية أخرى وهكذا دائماً.
وعلى هذا فإن جيلنا أسير في أيدي تلك القدرات إلى حد يمكنها أن نصنعه كيفما شاءت، وطبقاً لمقاييس معينة، تنتجه كما تنتج من مادة البلاستيك، أنواع الأواني والسلع، أنهم أهل علم وصنعة ولديهم تلفزيون وصحف ومعارض، ومسرحيات وفنون، وإلى جانب هذا كله، استخدموا الترجمة والعلوم، وعلم الاجتماع، كما أن وحدة القياس العالمي لهم أيضاً، فكيف تطمئن إذا إلى عدم الوقوع في أسر الاستحمار القديم، أو الاستحمار الجديد، كيف ونحن الصغار البسطاء الغافلون نحزن ونصاب بعقدة من أجل أي شيء يسير ثم نسير ونفرح لأمر جزئي، أحزاننا وأفراحنا ومثلنا العليا يسيرة جداً.
إن أي قضية فردية او اجتماعية أدبية كانت أم أخلاقية أم فلسفية دينية أو غير دينية تعرض علينا، وهي بعيدة عن النباهة الإنسانية والنباهة الاجتماعية ومنحرفة عنهما هي استحمار قديم أو جديد مهما كانت فلسفتها. (ص96)