قبل أن نستفتي على الدستور
خيارات القبول والرفض ومستقبل العملية السياسية
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
المشرف العام لشبكة أخبار العراق
نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي كندا
13 اكتوبر 2005



قد لا يفصلنا بين الخامس عشر من أكتوبر موعد الإستفتاء على دستور العراق الدائم ، سوى أيام ، وهذه الأيام باتت تحفل بالعديد من المتغيرات التي ربما يريد البعض ان يحسمها سلبا او إيجابا لصالح مسألة محددة وهي ان يمرر الدستور الذي كتب من قبل هيئات او ربما هيئات غير دستورية وفي معظمها طغى عليها المنهج السياسي دون الأخذ بنظر الإعتبار الخيارات التي تخدم العراق كله وبلا إستثناء ، فالدساتير في العالم تكتب عادة من قبل هيئة دستورية منتخبة من الشعب ، وفي العراق جاءت هذه الهيئة بعد ان غاب عدد كبير من أبناء العراق عن إختيار هذه الهيئة وطغى عليها العامل والإتجاه السياسي الطائفي والعرقي ، وهي استجابة لقرارات الإدارة الأمريكية ، ممثلة بالسيد بول بريمر ومن كان يعمل في حاشيته من غير العراقيين ، ولم يترك للعراقيين القول بكلمة (( نعم )) أو كلمة (( لا )) لسياسة بريمر أو الإدارة الأمريكية التي كان الرئيس بوش ينطق بها وتوافق عليها بعض من الشخصيات التي كانت تريد فقط السلطة وتريد فقط ان تكون بديلا لصدام حسين .
إذن لا بد من التأكيد على ان ما جرى خلال مرحلة العامين والنصف أو ما يزيد قليلا هو صناعة أمريكية ، وان من وافق عليها لا يمثلون إرادة الشعب كله ، وهنا تستلزم العملية الوقوف قليلا أمام جملة من المتغيرات التي غابت في لحظة لتظهر وتكون مؤثرة في لحظة جديدة .
هذه المتغيرات يمكن رؤيتها فيما كان النظام السابق يريده ، فهو من كان قد مرر قرارات بأسم الشعب وشكل مجلسا وطنيا من خيرة البعثيين المخلصين له ، وهو من أستفتى على بقاء صدام حسين بالسلطة (( يوم الزحف العظيم )) وهذه لا تختلف في جوهرها ،، وإن أختلفت بالشكل ،، عما كان قد مرر في قانون إدارة الدولة التي صادق عليه عدد من قادة الأحزاب ممن نطقوا بأحقيتهم في التقرير بحق العراقيين ، وبالرغم من أن البعض منهم وبعد التوقيع على قانون إدارة الدولة حاول ان يعترض عليه ولكن بعد فوات الأوان والتوقيع على النص بشكله الذي أرادته الإدارة الأمريكية . من هنا لا بد من التوقف مع المتغير الذي كتب فيه الدستور وهو وجود سلطة عراقية بصناعة أمريكية ، وهو ما أثار حفيظة العديد من القوى التي تم تغييب رأيها بشأن سلطة الإدارة الأمريكية وقرارات مجلس الأمن بشأن إحتلال وإدارة العراق .
وقد نتج عن مجمل العمليات السياسية التي رافقت قرارات البيت الأبيض الأمريكي والتي فرضت على الشرعية الدولية ، أن حدث تمزق داخلي في عراق ما بعد الدكتاتورية وهو أمر ربما يؤكد ان حقيقة ما يجري في العراق يعد ناتجا طبيعيا على مجمل ما يجري سياسيا ،، وهنا تأتي مسألة كتابة الدستور تحت تساؤل :
هل من يكتب الدستور هو الجمعية الوطنية أم القوى السياسية أم هيئة دستورية منتخبة شعبيا وهي محايدة عما جرى ويجري في العراق ؟؟
ولكي يكون واضحا امامنا ان هناك لعبة جرت في قضية الإنتخابات السابقة تدعمها امريكا وبالتحالف مع إيران في ان المرجعية الدينية في العراق والتي لها قولها ورأيها على الطائفة الشيعية والمرجعية القومية الكردية ، قد أسهمت في تغييب أكبر عدد مما يمكن ان يكون فاعلا في الموازنة السياسية ونتائج الإنتخابات ، هذا دفع ببعض القوى المغيبة ان تتخبط ولفترة ليست قصيرة بين التصريحات المؤيدة للعملية السياسية وبين الذين يرون لهم الأحقية في إتخاذ القرارات التي تخص فئة واسعة من الشعب ، فالسنة عموما هم بدون مرجعية دينية ولا توجد هناك سلطة متعارف عليها بهذا الخصوص ، الأمر الذي أسهم أيضا في ظهور اطراف تحاول تمثيل السنة والتحدث بأسمهم .
ولأن الوضع السياسي في العراق بغياب سلطة مركزية متمكنة من السيطرة على تحديد مداخل ومخارج الأمور فقد بات من غير الممكن ان يتم التوافق ، فالكل بات يريد المشاركة بشرط ان تتم تسميته من قبل الأمريكان وليس من قبل جهات تتفق على التوافق السياسي لخدمة العراق ، فالأكراد يريدون الحصول على أفضل القرارات التي تضمن لهم التأثير في القرار الداخلي العراقي ، وينسقون بأسمهم بعيدا عن أية سلطة وطنية عراقية تتصرف لخدمة العراق ، فقد بات الأمر يتعقد كلما صار هناك أمكانية ان يتم تحديد او وضع ضوابط على سلطة بعض الأحزاب الكردية ولا سيما الحزبين الرئيسيين ، وتظهر تصريحات المسؤولين منهم على أنهم غير ملزمين بقرارات أية حكومة مركزية وهذا واضح في رفض رفع العلم العراقي ، والمشاركة في العمل الدبلوماسي العراقي بالخارج والتنسيق مع قوى دولية بأسم الاكراد بعيدا عن أية قضية تخص العراق بأسره .
ومن خلال هذه الفوضى العارمة في الوضع السياسي العراقي جاء الدستور مشوها في كثير مما يشكل منطلقا لتخليص العراق بل جاء الدستور ليزيد الهم العراقي ويرهق كاهل المواطن ربما ليس الآن ولكن على المدى الطويل ، وتم التجاوز على ثوابت عراقية قومية ودينية وجغرافية كلها ربما لا تصب في مصلحة وحدة ومكانة العراق الإقليمية والدولية .
إذن هل يمكن قبول الدستور او رفضه ؟؟ قضية قبول الدستور محسومة من قبل أطراف لها دور فاعل في العملية السياسية التي ولدت في ظل الإحتلال وهي لا يمكن ان تفرط بمصالحها الضيقة ، فهي تريد السلطة وتريد الثروة وتريد تقسيم العراق آجلا أم عاجلا ، هذه القوى بات من الواضح أنها سوف تقول (( نعم )) ولكن القوى التي غيبت عن الإنتخابات السابقة كيف يمكنها ان تتصرف ؟؟
هذه القوى لا يمكن لها ان تقبل بدستور فرضت فقراته وتم إخراجها بضوء مصالح الجهات التي كتبت الدستور وهي ما يطلق عليها القوى الفاعلة في الساحة السياسية ، فالأكراد لهم الحق في التمسك ببعض ما جاء في الدستور وهم يريدون اكثر من ذلك وهذا مشروع لأي طرف أن يتصرف بضوئه ، ولكن يبقى الحق الوطني وهو ما يفترض ان يحترم من قبل الجميع لأن العراق لم يكن مجزأ قبل مرحلة كتابة الدستور لكي يتصرف البعض بضوء هذه التجزئة ، ولكن الدستور بات يدفع بالعراق الى هذه التجزئة وهو ما يحتم على القوى التي غيبت عن العملية السياسية والقوى التي ترفض التعامل مع المحتل ان يعملا على رفض الدستور وليس مقاطعة الإستفتاء ، أي الرفض بالقول (( لا )) لأن مقاطعة الإستفتاء سوف يكون ذريعة مثل نتائج الإنتخابات السابقة وهذا يعني انه لو أصبح من يسجل على الإستفتاء هم مثلا 10 مليون عراقي ، وتمت مقاطعته من قبل 10 مليون عراقي ، فان من يسجل على الإستفتاء سيكون ضمن نسبة تستغل لتمرير الدستور ، أي لو اشترك من العشرة مليون سبعة ملايين فهنا يعني أن الدستور سوف يمر ، ولكن لو اشترك في الإستفتاء 17 مليون او 20 مليون فان المشارك الرافض له بقول (( لا )) سوف يشكل نتيجة لصالح رفضه وهذا يعني انه يمكن كتابته بضوء مصلحة الكل القابل به والرافض له .
هذه المعادلة ربما تبدو صعبة التطبيق ولكن نحن نريد من القوى التي غيبت ان تدخل الإستفتاء بقوة وتقول (( لا )) لتجزئة العراق و (( لا )) لفيدرالية مشوهة داخليا ، و (( لا )) للمحاصصة ، ولا للكثير مما يقلل من زخم المواطن في تحديد مسارات الحياة المستقبلية الخاصة بحياة الفرد العراقي والذي يريد بلدا موحدا قويا لا تنهب ثرواته كما كان معهودا من قبل ، وكما يجري الآن في ظل الإحتلال .
إذن مطلوب المشاركة لكي تسري كلمة (( نعم )) او كلمة (( لا )) بشكل صحيح في مسارههما الوطني بدون مصالح فردية ومحاصصات .
فالعملية السياسية التي جاءت أصلا مشوهة ولمصلحة المحتل يجب ان تتوقف ويعاد صياغة مفرداتها لكي يكون هناك وضوح وطني عراقي في تطبيق مفردات أية عملية سياسية يريدها أي طرف ، فلا يجوز ان تفرض على فئة قليلة كل ما تريده الفئة الكبيرة ، لأن ذلك سوف يدفع الى التمرد ، وهذا يعني تقسيم العراق على المدى المستقبلي وهذا لا نعتقد ان وطنيا يريده او يقبل به .
العملية السياسية التي جاء بها المحتل هي العملية التي دفعت الى رفض المشاركة العامة ودفعت الى التغييب المتعمد لبعض القوى ، ودفعت الى المحاصصة التي لم يكن العراقي يعرفها بل ويرفضها ، وهي التي تدفع بقوى إقليمية ان تتدخل بالشأن العراقي وصولا الى مصالحها والى مصالح اطراف متحالفة معها ، وهنا نعني أي طرف إقليمي بغض النظر عما يتصوره البعض من أننا ربما نريد ان نتهم هذه الدولة او تلك ، فالحقيقة هناك أطماع من كل الأطراف ، وقسم منها مبرر وقسم منها لا يجوز تبريره بأي شكل من الأشكال .