From : bazinenoureddine@yahoo.fr
Sent : Friday, September 16, 2005 3:32 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

مجتمع القردة و المقاربة الفكرية
بالمجتمع الآدمي..!
 نور الدين بازين
كاتب صحفي مغربي


بعيدا عن الجدل التقليدي بين العلم والدين، وبعيدا عن قضية تطور الخلق، وبعيدا عن نظرية تشارلز داروين التي تقول أن الإنسان خلق على هيئة القرد، ثم تطورت صورته وهيئته مع مرور السنين حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، وبعيدا عن الإيمان بأن الله خلق الإنسان والقردة كل على صورته، وبعيدا عن كل ما يثير الصراع في هذه القضية التي عمرت أطول مما ينبغي لها أن تطول..

فكل واحد يحللها من معتقداته وفلسفته، من دون غرابة أو تجديد في المفاهيم، فالمؤمنون بالله أصحاب" النظرية الخلقية" يرون أن تلك النظريات تختلف مع عقيدتهم التي تقر بأن الله هو الخالق الوحيد لهذه الكائنات بما فيها الإنسان والقرد، أما الآخرون يرون أن الإنسان خلق على هيئة قرد ثم تطور، وقد برروا ذلك بنظريات" النشوء والارتقاء" و" التصميم الذكي" و" التصميم العاقل".

على العموم فجل النظريات تأسست على معنى واحد، لأصل واحد هو الجدل بين العلم والدين، وبالتالي هو صراع فكري بين أهل الدين وبين أهل العلم، وهذا في حد ذاته يعتبر تعدد فكري وحرية في الفكر وحرية في الاعتقاد، وكذلك هو نوع من إزالة الوصاية وعدم فرض فكر أو اعتقاد معينين، من دون تفكير أو تحليل نسبي للأشياء التي نحياها في داخلنا.

يبدو لكثير من القراء، من خلال بوابة هذا الموضوع، التي طرح عنوانه كما جاء أعلاه، أن أستدرجه إلى تاريخ سالف عاشته البشرية على مر السنوات التي تعد بالآلاف، وحتى تكون هذه البوابة مدخلا يبين العلاقة التي صارت تجمع مجتمعنا الإنساني ومجتمع القردة، وهذا تشبيه مجرد ليس إلا، فيما يخص التقليد..بحيث يبدو أن ما يجري في حياة القردة من تقليد يصل إلى وحدة الصورة{ التشبيه} فيما بينهم، لدليل واضح أن مجتمع القردة هو مجتمع التقليد بامتياز لا جدال فيه و لا نقيض، حيث بهذا التقليد الملموس في حياة القردة، نكتشف حذر وخوف القردة من كل جديد يظهر فجأة في حياتهم، نتيجة طقوس اعتقادية، اعتادته وآمنت به القردة في حياتها، ونتيجة وصاية من لدن الزعيم أو المربي لها..

فالسؤال الذي فرض نفسه بقوة منذ بداية تفكيري في كتابة هذا الموضوع: هل مجتمع القردة يفكر، يحلل، يستنتج..؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أن نمر على خاصية أرقنها في خانة السهل الممتنع.. فحرية التفكير والتحليل والاستنتاج هي نتاج حرية اعتقادية معينة، وكيفما كانت نظريتها التي انبثقت عنها ملامح هذا الاعتقاد المنسوخ..

واعتقاد مجتمع القردة يتجلى في طقوس وعادات القبيلة أو الفصيلة، والقبيلة تعني الزعيم، الذي يعد هو المرجع الأساسي لكل القردة، وكذلك الواصي على كل مكونات أفراد القبيلة وحاميها، وبالتالي لا يمكن لأي فرد منها أن يفكر أو يحلل أو يستنتج، ومن يفعل ذلك، فهو فاعتبار مجتمع القردة متمرد( كافر)، وينبغي طرده أو قتله..

فعلا، فمجتمع القردة لا يتراحم فيما بين أفراده، رغم ما يظهره من مظاهر بهلوانية تضحك الإنسان لمجرد أن يراها، و رغم ما تظهره ملامح وجوههم من بؤس جميل، يتسرب إلى أعماق الإنسان من دون أن يدري، ناهيك عن العطف والحنان اللذان تتلبسهما فضاضة وغلظة، تظهران حين يمكن لها أن تظهر بين القردة من نفس القبيلة أو الفصيلة، أوبين القبائل و الفصائل المتنوعة والتي تصل إلى مئات الأنواع، أو تظهر حين ينبغي لها تظهر في وجه الإنسانية، وتسمى الغضبة الكبرى..

فإذا كان مجتمع القردة، مجتمع التقليد بامتياز، وهو مجتمع يعكس حياة الغابة والحيوانية، فماذا يمكن أن نقول عن المجتمع الإنساني المتحضر الذي فتح العوالم الأخرى وفكر وصور الحياة لتحديث عيشه، كي يصبح عالمه عالم تحدده معاني العصرنة والعقل ليتفاعل الإبداع بالمفهوم الإنساني، الذي صار مريضا بالعناوين البراقة الذي تمارس تأثيرها النفسي بدراسة محكمة من طرف التجار، وهي مسألة تبدو استعراضية يتحدد مفهومها المتجلي في الإشهار الذي ينشط اقتصاد الصناعة والسرعة، والواقع الممارس في حقولها وما يحيط بمجالها الذي صار يجهز المتلقي على منوال مطلوب عن قصد..؟

الكتاب هو مجتمع قائم بذاته، وهو عالم مفتوح على كل العوالم، يجدد مدارك البشرية، ويزودها بمراجع الرؤية، لتتطور وترتبط بحقول الحداثة والابتكار والإبداع، وهو مجموعة مواقف و مشاهد وسلوكات تتنوع من كاتب لأخر..

لكن حينما يصبح مجتمع الكتاب مجتمع سلبي، لا يتفاعل مع المحيط البشري ومتطلباته الفكرية، كي يعصرن حياته، ويعرقل فعل العقل في تنشيط المجال اٌلإبداعي، ويكبح اللغة من حيث تجسيدها وتعبيرها عن خيال وأحلام البشرية، فإن هذا الكاتب أو المبدع هو نتاج مظاهر سلبية، لا تنتظر منه إلا التقليد وإعادة ما قيل من قبل، عبر صور وكلمات غيرت أماكنها وعناوينها لاغير، وبالتالي يصبح الكتاب هو عبارة عن إعادة للمعلومات والتراكيب، غيَب العناية بالمضمون، وأسقط الخيال والإبداع من قاموسه، وصار للقارئ - الذي هو الحجر الأساسي في هذه الحلقة- له خيارات متعددة، إلا خيار التجديد في رصد المعلومة والمساهمة في استعراض قراءته للأشياء التي بين يديه، خاصة إذا كانت هذه الأشياء متعددة الأبعاد تلبس جلباب الإيديولوجية المعرفية والفنية وبالتالي يصبح هذا القارئ( قردي) في عقله وفكره بالمعنى السطحي للكلمة، وفي الأخير يجد نفسه مع كثرة العناوين البراقة يفقد توازنه داخل هذا المجتمع الإنساني المقلد{ سرقة} حتى في إبداع المعلومة ( كتاب- جريدة- شعر-قصة..) بحيث يصير يواجه صناعة تدعى صناعة النشر، التي أعادت وكررت ما كتب من قبل، ولكن بصياغة متطلبات السوق، وخاصية العرض والطلب، فأبدع في تقليد ما أنتج السلف، إلى درجة أنه فاق تقليد مجتمع القردة فيما بينها.. فكانت النكسة الإبداعية، وكان التخلف والسلبية والتناحر في حياة مجتمع المثقفين والمبدعين قبل مجتمع العامة والناس البسطاء، فكانت أزمة السوق التي أدت إلى أزمة العقل والفكر الذي صار يستهلك و لا ينتج، وصار يقلد و لا يخلق، فهل فعلا بهذه الصفات التي تجعلنا نماثل مجتمع القردة نعيد أدراج تاريخ الإنسان البدائي في حاضرنا ومستقبلنا..؟ أو أننا نماثل مجتمع القردة في التقليد لا غير، رغم أن هذا المجتمع( القردي) قد تعمق اليوم أكثر منا فيما يخص الديمقراطية الداخلية والحوار والاحترام المتبادل فيما بينهم..

فأكيد سيأتي يوما تنقرض فيه البشرية، إذا استمر التقليد حتى وإن كان تقليدا نمطيا، فثمة من يكرس هذا التقليد بمنهجية مدروسة، حيث صارت لعبة السوق لعبة جشعة تتملكها الأنانية والجهل، لعبة لا تحترم في صيرورتها معنى الأخلاق والمبادئ وعمق الإنسانية الجميل، و لا تعطي للإبداع والخلق وللمبدعين الحقيقيين والخلاقين بزوغ شمسهم الرائعة... أكيدا سيأتي هذا اليوم..