مملكة الجنة.. الإنسان يعلو فوق كل شئ
محمود الغيطاني
11 نوفمبر 2005


علّ الكثير من اللغط المثار حول فيلم "سير ريدلي سكوت" الأخير "مملكة الجنة" kingdom of heaven ما بين قول يؤكد أن هناك مؤامرة ما تحاك حول العرب و المسلمين، و قول ثاني يؤكد أن الفيلم يقدم لنا السم في العسل- كما قال ذلك أمامي أحد الفنانين العاملين في مجال التمثيل- و هذا أخطر أنواع السم على حد قوله، و قول ثالث يقرر بشكل يقيني- لست أدري من أين استقاه- أن الفيلم يشوه صورة العرب و المسلمين، و آخر يقول بشكل يقيني أنه مؤامرة ماسونية أو صهيونية و ما إلى ذلك من هذه الأقوال المتواترة و التي تكاد جميعها تتفق في أن هناك بالفعل مؤامرة ما حولنا، جعلني أفكر بجدية و تأمل متسائلا، لماذا نتلقى دائما- مثقفين أو غير مثقفين- كل ما يرد إلينا من الآخر- محاولا الحديث عنا أو التعرف علينا- بشك متوجس و عدم اطمئنان و من ثم يتم تفسيره من خلال نظرية المؤامرة؟ و هل معنى ذلك أننا كعرب أصحاب عقلية تآمرية في الأساس و بالتالي نتلقى كل ما يرد إلينا من الآخر من خلال هذه العقلية التآمرية و من ثم يتم تفسيره من خلال هذه العقلية؟
ربما يظل مثل هذا التساؤل المرير معلقا كثيرا بلا إجابة، إلا أنه سيثير بدوره الكثير من اللغط حوله، إلا أن المخرج البريطاني الأصل "سير ريدلي سكوت" الذي يثير بدوره الكثير من اللغط في كلا الجانبين- الشرقي و الغربي- على امتداد تاريخه السينمائي لا يكاد يذكر أمامي إلا و تنطلق من صدري آهة طويلة لأقول بعشق (يا له من عاشق للسينما) و من ثم تتواتر علي مخيلتي- و كأنه شريط سينمائي يتم عرضه سريعا- العديد من الأفلام السينمائية الهامة التي قدمها لنا على سبيل التحف السينمائية و التي تذكرني بدورها بمخرجين عظام لا بد أن يكون "ريدلي سكوت" في مصافهم مثل (ستانلي كوبريك، مارتن سكورسيزي، ستيفن سبيلبيرج، فرانسيس فورد كوبولا، ديفيد كروننبرج) الذين قدموا لنا الكثير من الأفلام السينمائية التي لا بد أن نتعلم منها كيفية صناعة سينما جادة تهتم بتقنيات و فنية الفيلم السينمائي، فأذكر له- ريدلي سكوت- أفلام مثل Alien غرباء1979، Blade Runner 1982 الذي كان من أفضل أفلام الخيال التي قدمها و التي اهتمت إلى حد بعيد بالتقنية السينمائية الحرفيّة ربما على حساب المضمون في الكثير من المشاهد، ثم فيلمه الجميل ذي العمق الفلسفي Thelma & Louise ثيلما و لويز 1991، و أخيرا الفيلم الجميل ذي الطابع الملحمي Gladiator المصارع الذي قام ببطولته النجم "راسل كرو" .
انه "ريدلي سكوت" الذي يعد من أكثر مخرجي السينما الهوليودية انتصارا للفن السينمائي دون اعتبار لأية آراء قد تقال عنه؛ و من ثم نراه يقدم لنا دائما رؤاه السينمائية الخاصة التي يؤمن بها على الرغم من معرفته الجيدة بما سوف يلاقيه من هجوم شديد على فيلمه إلا أن إيمانه بالفن يأتي في المقدمة، و لذلك لك يكن غريبا على الإطلاق أن يلاقي فيلمه الأخير "مملكة الجنة" كل هذا اللغط و الهجوم الذي لاقاه في العالم العربي و الغربي على حد سواء؛ فالرجل حينما فكر في صناعة فيلمه كانت تشغله في الأساس فكرة هامة لها وجاهتها التي نحترمها كثيرا و لا يمكننا الخلاف معها ألا و هي فكرة الإنسان الذي يعلو فوق كل شئ حتى و لو كان علوه هذا نافيا للمقدس الممثل في الأديان جميعها في بعض الأحيان؛ مما يجعلنا نقف له باحترام شديد و نرفع له الأكف على تلك الشجاعة التي واجهنا بها انتصارا للإنسان دون الاهتمام أو الانتصار للفكرة التاريخية- بمعنى عدم الالتزام بحرفية التاريخ- أو حتى محاولة التدليس و من ثم إظهار العرب في صورة الذين يحاربون من أجل دينهم- لمجاملتهم- أو محاولة الهجوم عليهم و تشويههم- إرضاءا للغرب- و بالمقابل نراه لا يحاول إظهار الغرب في موقف المحارب النبيل الذي يحارب من أجل دينه أو الانتصار للصليب.
و لعل ذلك وضح لنا في أكثر من مشهد و في أكثر من جزء في حوار الفيلم، فنرى "باليان" الفارس الصليبي الذي قام بدوره الممثل البريطاني (أورلاندو بلوم) يقول في مشهد متأخر من الفيلم (لقد كنت أحارب من أجل الله، فاكتشفت أننا نحارب من أجل الثروة)، و في مشهد آخر بعد وقوع مدينة القدس في يد "صلاح الدين" نرى "باليان" يرغب في حرق الجثث الكثيرة للجنود القتلى حتى لا تنتشر الأمراض بين الأحياء المحاصرين داخل المدينة فيعترض رجال الدين على ذلك بزعم أن حرق الجثث سيجعلها لا تبعث و من ثم لا تدخل الجنة فيرد "باليان" في شجاعة ليقول (الله سوف يتفهم دوافعنا و إذا لم يفعل فهو ليس باله ولا يجب القلق منه).
مثل هذه الجمل الهامة جدا في حوار الفيلم، بل و الجريئة جدا من قبل "باليان"- الذي يتخفى خلفه ريدلي سكوت- تؤكد لنا أن هذا الرجل أراد أن يقدم فيلما ينتصر لقيمة الإنسان قبل أي شئ، فهو لا يريد أن يقدم لنا فيلما تاريخيا بالمعنى الحقيقي المعروف، بل هو ينطلق من نقطة في التاريخ ليتخذها ركيزة أساسية يشرع من خلالها صنع فيلمه الجديد كي يقدم لنا وجهة نظره التي يؤمن بها؛ و لذلك فهو لم يلتزم التزاما حرفيا بالتاريخ و هذا ما لا يمكن أن نؤاخذه عليه لأن الفن السينمائي غير مطالب بالالتزام حرفيا بكل ما هو حقيقي وواقع و إلا وقعنا في إشكالية المدرسية و الافتعال و الصناعة التي تنفي عنه صفة الإبداع و الرؤية الفنية الخاصة.
كل هذه العوامل السابقة مجتمعة جعلتني في حالة كبيرة من التحفز لمشاهدة ما سيتحفنا به "سير ريدلي سكوت" في فيلمه الأخير "مملكة الجنة" و من ثم الإقبال عليه و نحن واثقين سلفا أنه سيدهشنا بفيلمه الذي يبدأ بداية جميلة ناجحة من الناحية الفنية حيث تستعرض الكاميرا بهدوء المكان الذي ألقيت فيه جثة زوجة البطل "باليان" (أورلاندو بلوم) و التي انتحرت نتيجة فقدها لطفلها، ثم لا تلبث أن تقترب الكاميرا في لقطة قريبةclose shot تتبعها لقطة مكبرة close up على جثتها مستعرضة إياها تارة و مجموعة من القسس تارة أخرى لتتوقف على صدرها المعلق عليه الصليب الذي ترتديه في عنقها كي تمتد يد أحد القسس نازعة إياه ليسرقه ثم لا يلبث أن يأمر بقطع رأسها نظرا لأنها ماتت منتحرة.
مثل هذه البداية الجميلة فنيا لتحليل المرئيات داخل الفيلم السينمائي و التي نجح فيها "ريدلي سكوت" أيما نجاح كانت خير بداية يبدأ بها ملحمته الإنسانية التي قدمها لنا، لا سيما و أن تلك التقنية الفنية قد تضافرت مع تقنية أخرى شديدة الأهمية زادتها قوة ألا و هي تقنية الإضاءة التي حرص المخرج "ريدلي سكوت" على أن تكون إضاءة خافتة تكاد تقرب من الإظلام و الضبابية المتعمدة طوال أحداث الفيلم؛ ليوحي لنا بالجو النفسي الكئيب، بل و بكآبة الحدث الذي يقدمه لنا، ذلك الحدث الذي لا يحترم إنسانية الإنسان و قدسيتها فيعتدي عليها تارة باسم الدين و تارة أخرى باسم أوامر الرب و دفاعا عن الصليب و تارة ثالثة باسم الثروة و النهب.
نقول أن تلك الإضاءة التي تعد مكونا أساسيا من مكونات صناعة الفيلم السينمائي كانت من أهم التقنيات التي برع فيها "سير ريدلي سكوت" فقدمها لنا في صورة توحي بالكآبة و القتامة التي سريعا ما تسربت إلى نفوسنا طوال مدة عرض الفيلم لتجعلنا نخرج في النهاية و تلك الحالة القاسية نفسيا لا تكاد أن تبارحنا و كأنها قد استولت علينا متمكنة من نفوسنا؛ فنجح في ذلك أيما نجاح في إعداد متلقي لرسالته السينمائية كي يتلقاها من خلال الجو النفسي الذي يريده هو- أي ريدلي سكوت- و من ثم تصل إليه- المتفرج- رسالته المضمنة في فيلمه بسهولة، و لعل في هذا ما يدلل على براعة و قدرة "ريدلي سكوت" و تمكنه من أدواته السينمائية التي فرضها علينا منذ البداية.
نقول أن مثل هذه الأداة- الإضاءة- على الرغم من أهميتها و التي كانت هي المفتاح الرئيس الذي استطعنا من خلاله تلقي شفرات النص/الفيلم كانت مصدر دهشة كبيرة لنا لم تبارحنا حتى تلك اللحظة حينما سمعت أحد فنانينا الذي يعمل في مجال التمثيل معلقا عليها بقوله (أنه ليس معنى الانتصار للتقنية السينمائية الفنية أن يعطينا المخرج إضاءة بمثل هذه الدرجة من القتامة و إلا كان الانتصار للتقنيات السينمائية معناه أن يعطينا المخرج شاشة سوداء لا نكاد نرى فيها شيئا) بالطبع مثل هذا التعليق من فنان مثله يعمل في هذا المجال جعلني في دهشة دائمة حينما يصدر مثل هذا القول غير المسئول من شخص مثله، إلا أن حال الثقافة السينمائية و البصرية في مصر يجعلني ألتمس له بعض الأعذار.
نقول أن "ريدلي سكوت" يقدم الحداد/الفارس "باليان" و قد جاءه القس الذي أمره بقطع رأس زوجته المنتحرة كي ينصحه بالذهاب إلى القدس مع إحدى الحملات الصليبية من أجل خدمة الصليب و تلبية لنداء الرب لعل في ذلك ما يكون مبررا لدخول زوجته الجنة بعد أن طردت من رحمة الرب نتيجة لانتحارها، إلا أن "باليان" الذي يرى صليب زوجته في عنق القس يدرك منذ البداية خداع رجال الدين للكثير من العوام و من ثم يلقي به في أتون النيران المشتعلة متخلصا منه نظرا لأنه لا يعدو في نظره أكثر من مجرد لص أفاق، و هنا تبدأ رحلة "باليان" لاكتشاف جوهره كانسان، فيتجه إلى القدس لا من أجل الرب كما قد توحي أحداث الفيلم، بل للخلاص من حالته النفسية السيئة نتيجة انتحار زوجته، علّ في تلك الرحلة إلى القدس ما يجعله يستطيع استعادة توازنه النفسي و إنسانيته المهدرة من قبل الظروف الدينية و الاقتصادية السيئة في فرنسا، و هناك يموت والده الفارس "جودفري" ليحل محله "باليان" فارسا يتحلى بأخلاق الفرسان و نزاهتهم.
إلا أن "باليان" الذي يتجه إلى القدس يجد عالما مخالفا تماما لما كان يتخيله؛ فهناك يشاهد المسلمين الذين يؤدون صلاتهم في سلام دون اعتداء من الآخرين و حينما يتساءل عما يفعلونه يرد عليه أحدهم بأنهم يصلون فيقول "باليان" (إنها تبدو مثل صلاتنا تماما)، بل انه فضلا عن ذلك يجد نوعا جميلا من السلام و الحياة المطمئنة بين المسلمين و الصليبيين دونما أي اعتداء متبادل، فيعرف أن ملك القدس الصليبي المجزوم في حالة وفاق دائمة مع الفارس العربي المسلم "صلاح الدين" بل و أنهما أوقفا الحرب بينهما حفاظا على حياة الإنسان في إسقاط جميل من المخرج "ريدلي سكوت" فحواه أن الإنسان أقوى من أي شئ حتى و لو كان ذلك الشيء هو النزعات الدينية و من ثم تكتسب حياته تلك الأهمية القصوى.
إلا أن "باليان" يفاجئ بوجود بعض مثيري الفتن الذين لا يعجبهم الوضع الراهن و حالة السلام القائمة بين المسلمين و الصليبيين مثل "جي، رينالد ألشاتينو" الذين يقومون بالعديد من المناوشات و القلاقل من أجل زعزعة حالة الود القائمة بين ملك القدس الصليبي المجزوم و بين "صلاح الدين"، فيقوم الاثنان "جي، رينالد ألشاتينو" بتدبير مؤامرة للاعتداء على المسلمين و من ثم استنفار "صلاح الدين" لبدء الحرب، فيبدأ في تجهيز قواته الهائلة لحرب ملك القدس الذي يستعد بدوره لملاقاته، و في ساحة المعركة يلتقي الملكان وجها لوجه في لحظة تاريخية حاسمة و تقرير للمصير؛ فيطلب ملك القدس المجزوم من "صلاح الدين" التراجع بقواته حقنا للدماء التي ستسيل كالأنهار من كلا الجانبين و ترك الأمر له كي يعاقب المعتدين الذين دبروا لهذه المؤامرة، و في ذات الوقت يطلب "صلاح الدين" من ملك القدس تسليم هؤلاء المعتدين له حقنا للدماء و تفادي الحرب التي ستقع بينهما لا محالة، إلا أن قسم ملك القدس "لصلاح الدين" بأنه سيعاقب من فعل ذلك جعله يتراجع عن المواجهة حقنا للدماء و حفاظا على أرواح الآلاف التي بلا شك ستقع ضحية لهذه المؤامرة التي تمت.
مثل هذا المشهد الجميل من التسامح من قبل الجانبين الذي قدمه لنا "ريدلي سكوت" ببراعة يحسد عليها كان من أقوى المشاهد في الفيلم على الإطلاق، و لعل في هذا المشهد ما يدلل على عبقرية "ريدلي سكوت" كمخرج سينمائي له قدره غير الهين في السينما الهوليودية بل و في العالم أجمع؛ فنراه يقدم لنا ذلك المشهد بحرفية فنية متقنة حينما يصور لنا "صلاح الدين" و ملك القدس متواجهين في منتصف الكادر ليبتعد بالكاميرا في لقطة شاملة Full shot من أعلي كي ينقل لنا ساحة المعركة الهائلة و قد بدت قوات "صلاح الدين" الغفيرة العدد من خلفه و قوات ملك القدس كذلك على طرفي الكادر و التي هي على أهبة الاستعداد لتلقي إشارة البدء.
ربما كانت هذه اللقطة هي من أكثر اللقطات تعبيرية عن تلك اللحظة المصيرية، بل و الوجودية الخطيرة لاتخاذ قرار الحرب أو التراجع من قبل كلا الملكين؛ فمثل هذه اللقطة الشاملة جعلتنا نتوقف تماما عن التقاط أنفاسنا في انتظار القرار المصيري الذي سيحدد مصير الآلاف من المسلمين و الصليبيين الذين هم على أهبة الاستعداد.
و لأن الرياح دائما تأتي بما لا تشتهي السفن فكذلك تجري أحداث الفيلم، فيقع ملك القدس الصليبي صريعا لمرضه إلا أنه يعرض على "باليان" قبل موته الزواج من شقيقته "سيبيلا" و التي ستصبح ملكة من بعده و من ثم سيصبح زوجها- الذي لا يرغب سوى في إشعال فتيل الحرب بينهم و بين المسلمين- ملكا بالتبعية، إلا أن "باليان" يرفض ذلك منتصرا لأخلاق الفروسية داخله مما يجعل "سيبيلا" شقيقة الملك و زوجة حاكم الكرك تغضب من جراء ذلك الرفض و من ثم تندفع في تتويج زوجها ملكا على القدس، فيقوم بمهاجمة قافلة من الحجاج المسلمين و الاعتداء عليهم بل و الاعتداء على شقيقة "صلاح الدين" نفسه مما يجعل فتيل الحرب يشتعل بين المسلمين و الصليبيين، و هنا يبدأ "صلاح الدين" في تجهيز قواته الغفيرة لملاقاة ملك القدس و الانتقام من تلك الإهانة التي لحقت به.
و هنا يتحصن الفارس "باليان" و من معه من الصليبيين الرافضين لمبدأ الحرب داخل المدينة في محاولة منهم للدفاع عن القدس و الأرواح من قبل "صلاح الدين" الذي تضرب جحافل جيوشه أسوار المدينة بالمنجنيق حتى تسقط.
إلا أن "ريدلي سكوت" يصر على بث رسالته الفنية التي يقصد من ورائها تقديم فيلمه فنرى أن "باليان" الذي يدافع بقوة مستميتة عن القدس رافضا تسليمها "لصلاح الدين" إنما يفعل ذلك من منطلق فروسيته في المقام الأول و ليس من منطلق الإيمان و الدفاع عن الصليب و هو بذلك يعمق في دواخلنا أن الإنسان أعلى بل و أفضل من أي شئ، فنراه في أحد المشاهد التي استخدم فيها "ريدلي سكوت" تقنية المونتاج المتوازي Cross cutting يحمس جنوده ليقول لهم (أن أي جندي سوف يقع منه سلاحه سوف تموت أسرته) و من ثم يحثهم على المثابرة و الاستمرار في الدفاع عن أسوار المدينة في حين نرى في الجهة المقابلة أحد القواد المسلمين يقول نفس الكلام أو ما يشابهه لتحميس جنوده بالرغم من اختلاف المغزى من قبل الجانبين.
فإذا كان هذا الكلام من قبل "باليان" من أجل الحفاظ على الأرواح و الانتصار لمعني الإنسانية في المقام الأول فهو من قبل المسلمين من أجل الانتصار للدين باعتباره المحرك الأساسي، و باعتبار استعادة القدس في نظر المسلمين هو أمر مقدس دينيا و من ثم كانت هذه التقنية السينمائية التي استخدمها "ريدلي سكوت" في موضعها تماما مما كان لها أكبر الأثر في مجريات الحدث و التأكيد على رسالته و من ثم وجهة نظره الفنية التي يريد تقديمها لنا.
إلا أن أسوار المدينة تقع و يتواجه الفارسان "صلاح الدين"، "باليان" كي يعده "صلاح الدين" بإعطاء الأمان لجميع أهل المدينة من فرسان و أطفال و نساء و شيوخ حتى يصلوا إلى أقرب أرض مسيحية مما يصيب "باليان" بالدهشة من جراء ذلك الموقف الذي اتخذه "صلاح الدين"؛ نظرا لأن الصليبيين حينما استولوا على المدينة قتلوا جميع من فيها بلا تمييز، إلا أن "صلاح الدين" يرد عليه بأخلاق فارس حقيقي (و لكني أنا صلاح الدين) أي أنه لا يمكن أن يفعل مثلما فعل غيره و هنا يسأله "باليان" سؤالا غاية في الأهمية مما يجعلنا نتوقف أمامه كثيرا فيقول له (ماذا تعني لك القدس؟) فيرد صلاح الدين (لا شئ) nothing و يعطيه ظهره مبتعدا ثم لا يلبث أن يلتفت نحوه ليقول مشيرا إلى نفسه (كل شئ) every thing مثل هذا الجواب الغريب من "صلاح الدين" يوقعنا في حيرة عند التصدي لتفسيره، فماذا يقصد "ريدلي سكوت" من تلك الإجابة المتناقضة المبهمة؟
أيقصد من ذلك أن القدس مثلها مثل أي شئ ليست لها أية أهمية على الإطلاق سوى أنها حق مستلب؟ إنها بهذا المعني تجعلنا نجزم بأن "صلاح الدين" لم يقم بتلك الحرب إلا لاستعادة كرامته و شرفه العربي المهان، أم أنها تعني أن القدس ليست شيئا له أية أهمية و لكن لأن قواد "صلاح الدين" و مساعديه من المسلمين يضغطون عليه تحت مسمى أن ذلك واجبا دينيا لا بد أن يقوموا به قد دفعه إلى محاولة استعادتها في حين أنها لا تعني له شيئا؟ إنها بهذا المعني تؤكد لنا نظرة "ريدلي سكوت" العلمانية الطابع التي يتميز بها في جل أفلامه، إلا أننا إذا توصلنا إلى هذا المعنى من خلال كلمة (لا شئ) فهناك الكلمة الأخرى التي تحيرنا حينما أشار إلى نفسه ليقول (كل شئ) فهي تؤكد أن القدس لها مكانة دينية خاصة لدى المسلمين و لذلك فلا بد من استعادتها و الدفاع عنها، بل هناك معنى ثالث يتواتر على ذهني و هو أن القدس لا تعني شيئا بالنسبة للصليبيين الذين جاءوا من أجل استلابها و إحكام سيطرتهم عليها و من ثم قال "صلاح الدين" "لباليان" nothing إلا أنها بالنسبة للمسلمين كل شئ و لذلك أشار إلى نفسه ليقول every thing .
على أية حال مثل هذه المعاني الكثيرة و التفسيرات المتناقضة التي أثارها داخلنا مثل هذا المشهد كان من أفضل ما قدمه لنا "ريدلي سكوت" حيث جعلنا كمشاهدين نتورط مع النص/الفيلم و من ثم نتساءل عن فحوى الرسالة المضمنة في مثل هذه الكلمات و نشترك معه في محاولة فك إلغازها.
إلا أن أجمل ما قدمه لنا "ريدلي سكوت" في فيلمه "مملكة الجنة" أنه لم يكن متحيزا لا للجانب الصليبي و لا للجانب الإسلامي؛ بل كان متحيزا للإنسان على إطلاقه في المقام الأول، بل هو لم يقدم المسلمين في صورة مشوهة كمجموعة من الهمج و اللصوص و الإرهابيين كما عهدنا في السينما الهوليودية و في المقابل لم يحاول الانتصار للجانب الغربي و يحاول تقديمهم في صورة الشرفاء و الفرسان، بل كان العدل تجاه كلا الجانبين واضحا سواء في تقديم النقائص أو الإيجابيات؛ فشاهدنا التعصب من كلا الجانبين من خلال رغبة البعض في إشعال فتيل الحرب، فهناك ملك الكرك و معاونه من جانب الصليبيين كما أن هناك "خالد النبوي" من جانب المسلمين، كما أن الأفكار المتعصبة المميزة للجانب الصليبي قد وضحت حينما قال أحدهم "لباليان" (قتل الكافر ليس خطيئة، انه الطريق إلى الجنة).
مما لا شك فيه أن "ريدلي سكوت" كان من الشجاعة التي نحسده عليها كي يقدم لنا مثل هذا الفيلم الذي سيجعل العالم الغربي- المقصود بالأساس من رسالته السينمائية- يثور عليه نظرا لتقديمه المسلمين في مثل هذه الصورة العادلة الجميلة، فنرى "صلاح الدين" يقول لملك القدس المجزوم أنه سوف يبعث له الأطباء الذين يعالجونه من جذامه، كما رأينا كذلك الصورة الجميلة "لصلاح الدين" الذي يمتلك 200 ألف جندي في دمشق وحدها و إن أراد الحرب سينتصر و بالرغم من ذلك فهو يحجم عن القتال مفضلا في ذلك السلام مع ملك القدس الصليبي حقنا للدماء و انتصارا للإنسان، بل و نرى "صلاح الدين" حينما يدخل مدينة القدس التي استسلمت له و قد مد يده كي يعدل الصليب الملقى على الأرض في مشهد من أجمل المشاهد تسامحا و احتراما لعقيدة الآخر.
إنها من المرات القلائل التي تقدم لنا السينما الهوليودية فيلما حياديا عادلا تصور العرب المسلمين في صورتهم الحقيقية بلا أي تجني و لعل الفضل في ذلك يعود إلى "ريدلي سكوت" المنشغل دوما في المقام الأول بفنه السينمائي بعيدا عن الأدلجة و تزييف وجه الحقائق.
إلا أن هوس "ريدلي سكوت" بالتقنية السينمائية و من ثم صناعة فيلم تتشامخ فيه الحرفية السينمائية- ربما لرغبته في تقديم تحفة سينمائية، و هو في ذلك يذكرنا بالراحل الجميل ستانلي كوبريك- أقول أن هوس "ريدلي سكوت" بذلك جعله ينجح في تقديم تلك التقنية أيما نجاح ربما على حساب المضمون في الكثير من الأحيان حتى أنني قد ظننت أنه نسى الموضوع الذي يتحدث عنه في سبيل تقديم إضاءة، و زوايا تصوير، و مشاهد عالية جدا من حيث الجودة الفنية لتقديم المعارك البارعة و تحريك المجاميع الهائلة التي ضمها الفيلم.
هذا بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية التي استطاع "ريدلي سكوت" توظيفها بمهارة في فيلمه و من ثم لم يحاول استخدامها بمجانية قد تفسد عليه كل هذا المجهود الذي قام به، فنراه يقدم لنا الموسيقى الكنسية في بداية رحلة "باليان" إلى "ميسينا" متجها إلى القدس و لعل ذلك كان متناسبا كثيرا مع الحالة النفسية للبطل المشحون ببعض المشاعر الدينية للاتجاه نحو الحرب المقدسة، بل و فكرة إنقاذ روح زوجته من الجحيم- تلك الحرب المقدسة التي اكتشف زيفها فيما بعد- ثم نراه فيما بعد يستخدم الموسيقى العربية الشرقية حين لحظة دخول "باليان" إلى القدس.
إن هذا التنوع و الذكاء الفني في استخدام الموسيقى التصويرية المناسبة كان من العناصر الهامة التي نجح في تقديمها "ريدلي سكوت" و من ثم الارتفاع بفيلمه إلى آفاق عالية كي يحلق به في سماء السينما الصادقة.
إلا أنه بالرغم من كل هذه التقنيات البارعة التي لجأ إليها "ريدلي سكوت" نراه يسقط مجموعة من السقطات الفنية التي تحسب عليه رغم أنه كان يصبو إلى أن يصل بفيلمه إلى درجة الكمال الفني- و هي الفكرة المستحيلة التي يرغبها جميع من يعمل في المجال الفني- و ربما كان سبب بعض هذه السقطات هوس "ريدلي سكوت" بالتقنيات السينمائية و انسياقه الدائم خلفها.
فبالرغم من أن "ريدلي سكوت" كان ينطلق من منطلق أساسي في تقديم شخصية "باليان"، ألا و هو فروسية ذلك الرجل الذي رفض الزواج من شقيقة ملك القدس "سيبيلا" نظرا لأخلاق الفروسية التي تعتمل داخله، و بالرغم من رغبة المخرج الدائمة طوال أحداث الفيلم في التدليل لنا على أن "باليان" فارسا من الطراز الأول تحكمه أخلاق الفروسية و من ثم فان تصرفاته جميعها تنطلق من خلال هذا المنطلق، إلا أننا نرى المخرج ينفي ذلك كله هادما فكرته الأساسية على غير وعي منه نتيجة الهوس الشديد بالتقنيات السينمائية؛ فنراه يلح في تقديم مجموعة من اللقطات المكبرة close up المتتالية على وجه "سيبيلا" ملكة القدس كرد فعل أساسي و دائم لكل فعل يقوم به الفارس "باليان" و من ثم أوحت لنا تلك اللقطات المكبرة على وجهها في كل مرة يأتي فيها "باليان" بفعل ما بأن تلك المرأة كانت هي المحرك الأساسي للأحداث أو هي المحفز الأساسي "لباليان" و من ثم تصدر منه تلك الأفعال المشبعة بأخلاق الفرسان لا لأنه فارس حقيقي و لكن من أجل عيون "سيبيلا" التي نرى تأثير ذلك الفعل أو غيره على وجهها حينما يركز عليها "ريدلي سكوت" بلقطاته المكبرة و من ثم ضاع من أذهاننا المعنى الذي كان يلح عليه "ريدلي سكوت" منذ بداية الفيلم نتيجة لهذا الخطأ غير المقصود.
كما أن الممثل السوري "غسان مسعود" الذي أدى دور "صلاح الدين"، و الذي يطلقون عليه في سوريا "روبرت دي نيرو" العرب لم يظهر في الفيلم سوى في مشاهد قليلة لا تتعدى الخمس مشاهد على الأكثر، و في هذا تقصير كبير من "ريدلي سكوت" نتيجة عدم استغلاله لإمكانيات عظيمة يتمتع بها ممثل في مكانة و كاريزم و إمكانيات "غسان مسعود"، ذلك الرجل الذي يتملك عليك ذاتك حينما تراه في الكادر بمهابته الكبيرة ووقاره الذي يفرضه عليك كمشاهد، هذا فضلا عن نظراته العميقة المعبرة و التي كانت خير ما في أدائه لشخصية "صلاح الدين".
أظن أن "ريدلي سكوت" لو كان قد استغل إمكانيات "غسان مسعود" لكان قد استطاع تقديم صورة أكثر براعة بمراحل عن صلاح الدين الأيوبي.
و لعل السقطة الثالثة التي سقط فيها "ريدلي سكوت" هي الحوار الدائر بين (صلاح الدين، خالد النبوي) حيث قدمه لنا "ريدلي سكوت"- أي الحوار- بالإنجليزية على طول مشاهد الفيلم مما أدى إلى إخراجنا من الحالة الجميلة التي استطاع بنجاح أن ينقلنا إليها و من ثم كان الحوار سبب أساسي للخروج من حالة الصدق الفني وواقعية الحدث، فلقد كان من الأجدى أن يكون الحوار في الجانب الإسلامي باللغة العربية مع تقديم ترجمة إنجليزية على الشاشة لما يقال حيث كان ذلك سيزيد من واقعية الحدث و صدقه و من ثم أمانته الفنية.
إلا أنه بالرغم من هذه السقطات لا نستطيع إلا تقديم عميق الشكر لمخرج صادق مع ذاته و فنه، بل مخرج متمكن تماما من أدواته الفنية الإبداعية في المقام الأول لتقديمه مثل هذه الملحمة التي تقرب من التحف السينمائية و التي قلما تقدمها لنا السينما الهوليودية في الآونة الأخيرة.