|
التفتيت
الطائفي للمنطقة العربية .. من سيكون الضحية ؟؟
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
المشرف
العام لشبكة أخبار العراق
نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي – كندا
لا نريد ان نعيد ونكرر ما تطرقنا له مرارا من ان امريكا لم تكن حريصة على
بناء الديمقراطية بالشكل الصحيح في المنطقة العربية ، وهي منحازة لطرف
دون آخر ساعية الى تدمير أي مرتكز يمكن ان يخدم الشعوب وليس الحكام ، فهي
ذات منهج تفتيتي وتتعامل مع كل قضية من اكثر من وجهة نظر تصب في مصالحها
المادية وتدعم الدور الذي يخدم تنامي القوة الإسرائيلية في مواجهة
العروبة التي تشكل هاجسا خطيرا في حياة إسرائيل وحياة امريكا وحلفاءها ،
الى جانب ما يمكن أن تواجه به أية نزعة للتحرر الحقيقي .
وقد سعت امريكا خلال العقدين الماضيين الى تبني وجهة النظر الطائفية
وتنمية مفاهيم عديدة يأتي في مقدمتها مفهوم المظلومية الطائفية والقومية
، ولكن لم تستطع امريكا ان تتخلص من الكيل بمكيالين في أية قضية ، الأمر
الذي أسهم في أنها وظفت المفهوم الطائفي بناء على رؤية خاصة جعلت منه
قضية تريد من خلالها التفتيت الطائفي للمنطقة ، وهذا ما جعل مصر أحد أهم
أهدافها في القضية الدينية التي أرادت منها ترويض هذا البلد لتجعل منه
ميدان لحيادية العرب في مواجهة إسرائيل وكأن هذه الدولة المعتدية لا يمكن
للمجاورين لها ان يعيشوا بدون ان تكون هي في أمن وسلام .
لقد مرت قضية التطبيع مع إسرائيل بمخاض عسير وصعب لم يفض الى نتيجة كانت
أمريكا ترجوه منها ، فالقضية باتت أمر يقلق الأطراف التي حاولت امريكا ان
تجعل الجميع يتعامل معها بالروح التي تريدها إسرائيل ، ولكن جاءت النتائج
معاكسة من خلال تفعيل دور منظمات المجتمع المدني المناهضة للتطبيع في مصر
والأردن وفي دول الخليج ، مع الأخذ بنظر الإعتبار الموقف العراقي الرافض
تماما لأية فكرة تكون فيها مساومة على القضية القومية .
ومن هنا سعت امريكا وبشكل مبسط الى تنفيذ الجانب الأهم في زعزعة
الإستقرار الداخلي للعراق بإبراز دور المظلوميتين الطائفية والقومية ،
فكانت قضية الشيعة هي المحور الذي جندت له امريكا أكبر مؤسساتها
الإستخباراتية الى جانب مظلومية الأكراد القومية ، ولكن ذلك لم يتم بدون
تواجد هش للفكر القومي في وسط المعارضة العراقية التي أتخذت من البيت
الأبيض مقرات لها وأصبحت امريكا في تناولها لهاتين القضيتين واضحة في
مطامعها بشكل أحادي الجانب ، ولم يكن للطائفية أي مرتكز من وجهة نظر
أمريكا في غير العراق ولا القضية المتعلقة بالمظلومية القومية .
ولا أحد ينكر ما للدور الإسرائيلي من دور في تسهيل مهمة الهجرة المنظمة
للشعب العراقي من بسطاء الشعب في الأهوار وفي الشمال العراقي ، فقد شكلت
اكثر من منظمة يهودية تشرف وتدعم على ترحيل كم هائل من هاتين المنطقتين
في حين أبرزت في الوقت ذاته ان السنة هم الطرف الغالب والمتنفذ ، وأصبحت
الدول المجاورة للعراق ترى في هذه المظلومية ميدانا للتعامل مع القضية
العراقية .
ولأن تحييد مصر في القضية القومية وفي القضية الدينية يعد مرتكزا مهما
فقد كان الأهم في التفكير الأمريكي تحييد العراق في القضية الأكبر وهي
ضرورة أن يتحول العراق الى القاعدة المهمة في التطبيع وفي التفتيت
الطائفي للمنطقة العربية ، يقابل ذلك كان الصمت الأمريكي عن المظلوميتين
القومية والطائفية في إيران أمر يلاحظه المراقب في حين أن العرب صمتوا عن
عربستان وصمتت امريكا عنها أيضا الى جانب مظلومية الأكراد في إيران .
لقد نجحت امريكا في التفتيت الطائفي والقومي في العراق والآن يبدو ان
المشروع يجب أن يكتمل وهو مسألة تفتيت منطقة الخليج العربية بأستثناء
إيران لأن امريكا ما يهمها في الأمر هو تدمير المرتكز القومي العروبي
والأسلامي ، وهذا بدا واضحا الآن من خلال التحالف الأمريكي الإيراني في
احتلال وتدمير العراق ، فهي تسعى ومن خلال الدعم الإيراني الى تأسيس
دولتين سنية وشيعية في العراق ، وإختزال الدولة القومية في كردستان ، لكي
يسهل عليها تحويل الصراع القومي مع إسرائيل الى صراع طائفي عربي - عربي ،
حيث بات من الواضح ان الحرب الأهلية التي يتحدث عنها البعض في العراق سوف
لن تكون بالشكل المعهود والمألوف ، ولكن يجب ان تأخذ طابع الصراع بين
دولتين دولة شيعية وأخرى سنية وتكون إيران اللاعب الوحيد فيها مع صمت
امريكي واضح .
فأمريكا اليوم تلعب لعبة التخلي عن بعض من مسؤولية قواتها في مناطق النجف
وكربلاء والسماوة والناصرية وبعض المدن في وسط وجنوب العراق وتكون إيران
البديل الأستخباراتي الفاعل في هذه المناطق ، فهو تسليم شكلي من أمريكا
الى إيران لتسهيل مهمة التصفية الطائفية والعرقية ، وتنمية الدور
الإيراني في هذه المناطق ، يقابلها إستخدام قوة السلاح ضد المناطق السنية
، وهذا ما جعل السعودية تؤكد وعلى لسان وزير خارجيتها خطورة الموقف .
وملاحظة سريعة للوضع السوري وتجاهل للدور الإيراني في العراق يؤكد حقيقة
التعاون الأمريكي الإيراني في العراق وترشيح السعودية لتكون الصفحة
الثانية من التفتيت الطائفي فالكل يعلم ان السعودية كانت ولا زالت هي
الأكثر استقرارا في المنطقة ، ولكن بدأت امريكا تغازل المتطرفين السلفيين
ممن يمكن ان يكونوا ورقة ضغط على الوضع السعودي الداخلي ، مع رؤية واضحة
للدور الإيراني في تنامي الصوت الطائفي لأكثر من مليون شيعي في السعودية
وغيرهم في البحرين ، وهذا يعني ان أمريكا تسير في طريق التفتيت الطائفي
لمصلحة استراتيجية وهي تشكيل دويلات طائفية تدعمها من طرف إيران وفق
المنظور الشيعي لها ، وتدعم مصر وبعض الدول الأخرى ، وتكون الأردن الى
جانب الدويلات السنية وهنا يسهل إشعال الفتنة والإقتتال بين دول طائفية
ربما قد يصلها الدعم من كل من باكستان والهند وماليزيا واندنوسيا ودول
شمال أفريقيا وهذا هو المطلوب لمصلحة امريكا وتوسيعا للدور الإسرائيلي في
المنطقة .
إذن يجب على الطرف السعودي ان يتنبه الان الى المشروع الأمريكي في
التفتيت الطائفي وعلى العرب الوقوف بوجه هكذا مشروع وضرورة تفعيل القضية
القومية في إيران لأنها السبيل الوحيد لوقف التعاون الأمريكي الإيراني .
إننا نرى في قضية التفتيت مشروعا للقضاء على العروبة والإسلام ، فالإسلام
هو الهاجس الأول لأمريكا والعروبة هي الهاجس الأهم في التفكير الصهيوني
الإيراني على حد سواء .. وهذا ما يحتم ان ننبه الى خطورة السير في أي
مشروع امريكي تحت غطاء الديمقراطية ولا سيما إذا ما تم ربط ذلك بمفهوم
المظلومية الطائفية او المظلومية القومية .
لقد بات من الواضح ان الضحية القادمة هي سوريا وعلى العرب الإنتباه الى
الضحية الأهم وهي إمكانية ان تكون السعودية هي الأكثر ترشيحا والأخطر
لإعتبارات قيمية ودينية مهمة حيث ربما ستسعى امريكا الى طرح مشروع تدويل
الأماكن المقدسة ولا سيما مكة وبيت المقدس وهنا سيكون المقتل الحقيقي
للعروبة والإسلام .
|