|
إستراتيجية
السيطره الإسرائيليه نحو عرب ال48
بقلم:د.شكري الهزَّيل
11
نوفمبر 2005
منذ نشأة الدوله الإسرائيليه وحتى يومنا هذا وعرب ال48 يُعانون من
السياسه الإسرائيليه العنصريه الهادفه إلى تحجيم الوجود العربي داخل
إسرائيل من جهه والسيطره على جميع مناحي حياة عرب ال48 من جهه
ثانيه,وبالتالي لا بُد من الغوص تاريخيا وسياسيا في خَلفية سياسة
الإضطهاد والقمع اللتي يتعرض لها عرب ال48 منذ نشاة إسرائيل وحتى يومنا
هذا والسؤال المطروح هو:هل كانت العلاقه بين إسرائيل وعرب ال48 علاقه
عادِيه بين دوله ومواطنيها؟؟ أمْ أنّها علاقه خاصه تندّرج في اُطر
إستراتيجيه إسرائيليه خاصه نحو عرب ال48؟؟؟
في البِدايه لا بُد من التأكيد على أنّ سياسة إسرائيل إِنطلقت دَوماَ من
مُنطلق الخطر اللذي يُشكِلهُ الفلسطينيين عامة وفلسطينيي ال48 خاصة على
كيان الدوله الإسرائيليه,وكيفِيّة مواجهة هذا الخطر من خلال إعتِماد
إسرائيل إستراتيجية الإحتواء والسيطره على جميع مجالات الحياه الفلسطينيه
,حيثُ أنّ إستراتيجية السيطره الإسرائيليه نحو عرب ال48المطروحه في هذا
المقال تنطبِقْ بِقدرٍ كبيرعلى مناطق الضفه والقطاع وإن إختّلفت بعض الشئ
في الأساليب الإسرائيليه ولكِن ليست في فحواها واهدافها.
إعتّمدت إستراتيجية السيطره الإسرائيليه نحو عرب ال48 على عناصر السيطره
التاليه:
1. السيطره الجُغرافيه:وهِي السيطره الإسرائيليه من خلال إستيلاء إسرائيل
على أراضي العرب وأماكِنْ تواجِدهُم الجُغرافي,إِما بِالقوه أو مُصادرة
الأراضي من خلال قوانين إسرائيليه سُنّت خِصيصا لهذا الغرض أو من خلال
الإستيطان الإسرائيلي وفرض سياسة الأمر الواقِع . هُنا لا بُد من التذكير
أولا بِإِستيلاء إسرائيل على أكثرية المدن الفلسطينيه,ومن ثُم تدمير
أكثّر من418 قريه فلسطينيه,بِالإضافه إلى ألإستيلاء على ملايين الدونمات
من ألأراضي الزراعيه التابِعه لِمُلكية عرب ال 48واللاجئين
الفلسطينيين,حيثُ أنّ مُتوسط مُلكِيّة سُكان القرى العربيه في فلسطين كان
عام1948 -- 16 دونُم للفرد الواحد وقد إنخفض هذا المُتوسط إلى أقلْ من
نصف دونم في الوقت الراهن. لقد إستغلت إسرائيل بعد عام 1948 القوانين
العُثمانيه وبنت على أساسها الظالم والجائر قوانينها المُتعلقه بملكية
الأرض واهمُها قانون الطابو العثماني اللذي أتاح أبان الحُكم العثماني
لأِقليه عربيه محدوده تسجيل الأرض في الطابو[قانون الملكيه],وذلك بسبب
الشروط الإستبداديه اللتي فرضتها الدوله العثمانيه على العرب أصحاب الأرض
الأصليين من خلال قانون الطابو لِعام 1858 واللذي ربط تسجيل مُلكية ألأرض
في الطابو بِشرط ألخِدمه في الجيش العثماني من جهه وبِدفع الرسوم
والضرائب الباهِظه من جهه ثانيه,وبالتالي عدم تَمكُن الفلاحين
الفلسطينيين[اصحاب الأرض الأصليين] الوفاء بالشُروط العثمانيه تبعا"
للوضِع الإقتصادي الصعب الناتِج عن سِياسة الإستبداد والإستِغلال
العثمانيه ,مِما جعل تسجيل الأرض في الطابو يقتصر على طبقةالإقطاعيين
والأفنديه والمُقربين من السلطه العثمانيه بِالرغم من أنّ أكثرية
الفلاحين الفلسطينيين والعرب كانوا وما زالوا يملِكون سندات تُثبِت
وُجودهُم وتصرفهُم باِلأرض على مدى أجيال. كان هذا الوضع معروفا" للحركه
الصهيونيه ومُؤسسي الدوله الإسرائيليه اللتي سنّت قوانين مُلكية الأرض
على أساس وثيقة الطابو اللتي لا يمْلِكُها عدد كبير من الفلسطينيين عامه
وعرب ال 48 خاصه رغمّ أنّ الفلسطينيين عامه يمتلِكون سندات تُثبِت
مُلكيتهُم للأرض ُمنذ مئات السِنين بينما لا تملُك أكثرية اليهود
الإسرائيليين أيّ وثيقه[سوى أُسطورة الألفي عام] تُثبِت مُلكيتهم لللأرض
اللتي إستولوا عليها وصادروها من خلال عدم الإعتراف بِسندات الفلسطينيين
اللذين لايملِكون الطابو,أو من خلال القوه العسكريه وإقامة المستوطنات في
مناطق التواجد العربي سواء في الجليل او المركز او النقب في الجنوب
الفلسطيني,بالإضافه إلى عدم إعتِراف إسرائيل بِوُجود عشرات القرى العربيه
القائمه منذُ مِئات السنين قبل نشأة الدوله الإسرائيليه.
إستولت إسرائيل خِلال فترة الحُكم العسكري اللتي فرضتهُ على عرب ال48
[1948--- 1966 ] على ملايين الدونمات من الأراضي العربيه,حيثُ أنّها
للمثال لا للحصر إستولت على أكثر من مليون دونم من الأراضي العربيه في
فترة ما بين عام 1948 –1958,بِحجّة إعلانها لِهذه ألأراضي كمناطق عسكريه
مُغلقه وسريان قوانين الطوارئ عليها,بِالإضافه إلى هذا سنّتْ إسرائيل ما
أسمتْهُ بِقانون مُلكية ألغائب لعام 1950 واللتي إستولت من خِلاله على
أملاك الغائبين والحاضِرين من الفلسطينيين من جهه,وإستيلاءإسرائيل على
ألاف البيوت والمُمتلكات الفلسطينيه في المدن الفلسطينيه مثل
يافا,حيفا,عكا,صفد,اللد,الرمله,عسقلان,إسدود... الخ من جهه ثانيه.
من الجدير بِالذكر أنّ عدد الفلسطينيين[عام 1948 ] اللذين بقُوا في
إسرائيل كان 160 ألف نسمه,إعتبرت إسرائيل60 ألف مِنهُم في تِعداد
الغائبين الحاضِرين,وإستولت على أملاكهُم تحت قانون مُلكية الغائب!!!
كُلُ ما في ألأمر أنّ جميع القوانين الإسرائيليه المُتعلِقه بِمُلكية
الأرض,سُنّت على أساس تشريع ألإستيلاء على ألأراضي العربيه,وبالتالي كانت
وما زالت الأساس "القانوني" لإِستراتيجية السيطره الجُغرافيه والتتغيير
الجغرافي القسْري,بِمعنى السيطره على أماكِن التواجُد العربي في إسرائيل
من خِلال ألإستيلاء على الأراضي العربيه ومُحاصرة القُرى والمدن العربيه
من خِلال بِناء وإقامّت المُستوطنات اليهوديه حوِل وداخِل مناطِق
التواجُدالعربي,وتوسُع هذه المستوطنات فِيما بعد على حِساب اراضي القُرى
والمدن العربيه داخِل الخط الأخضر, كما حدث ويحدُث وللمثال لا للحصر
إستيلاء "الناصره العُليا" على أراضي مدينة الناصره والقُرى العربيه
المُجاوره,وإستيلاء مُستوطنة "روش هعايِن" على أراضي كفر قاسم,وإستيلاء
إسرائيل على مُعظم أراضي عرب النقب[بدو الجنوب] من خلال عملِية التوطين
القسْري اللتي تُمارِسهُ إسرائيل أزاء عرب النقب,بِالإضافه إلى ما يُسمى
بِالمدن المُختلطه[المدن الفلسطينيه اللتي إستولت عليها إسرائيل عام 1948
وشرّدت أكثرِية سكانها الفلسطينيين] اللتي اصبح سكانها العرب مُحاصرون في
جيتوات صغيره ومعزوله مُحاطه بِاكثريه يهوديه.
2.السيطره ألديموغرافِيه[أالسُكانيه] :وَهِيَ السيطره الإسرائيليه
بِواسطة تَغيير التركيبه السُكانيه لِصالح القِطاع اليهودي من خلال
زَرِعْ المُستوطنات والمُستوطنين اليهود في مناطق التواجد العربي في
الجليل والمُثلث والنقب بِهَدَف تَهويد هذه المناطق العربيه من خلال
خَلْقْ أكثريه يهوديه مُقابِل أقليه عربيه في هذه المناطق.
مِما لا شَك فيه أنّ بِداية السيطره الديموغرافيه ألأسرائيليه,كانت
تَشريد الأكثريه الساحقه من الشعب الفلسطيني في عام 1948 وَبَقاء 160 الف
فلسطيني داخِل حُدود الكيان الإسرائيلي,بِمعنى تَحوُل ما تَبَقى من
فلسطينيين داخِل فلسطين التاريخيه إلى أقليه مُقابل أكثريه يهوديه داخل
إسرائيل,إِلاّ أَنّ هدف إستراتيجية السيطره السُكانيه الإسرائيليه كان
ليس تَحوِيل الفلسطينيين إلى أقليه داخل إسرائيل كَكُل لا بل ايضا
تَحوِيل ماتبقىمن سكان المناطق والجُيوب المأْهوله
بِالعرب[الجليل,المُثلث,النقب] إلى أقليه مُقابل أكثريه يهوديه من خلال
إقامَة مشاريع إستيطانيه يهوديه داخل وحول المناطق ِالعربيه.
من هُنا ورغم مرور أكثر من نصف قرن على تَواجُد العرب داخل الكيان
الإسرائيلي,ورغم أُكذوبة إسرائيل بِكَون العرب مواطني دولة إسرائيل,إِلآ
أَنّ الدوله الإسرائيليه ما زالت ترى في عرب ال48 حجر عثره أمام بَسِط
المشروع ألإستيطاني الصهيوني سيطرته الكامله على فلسطين التاريخيه من جهه
وتَرَى أن العرب يُشَكِلون خَطرا" ديموغرافيا على دولة إسرائيل وهويتُها
اليهوديه من جهه ثانيه,وبالتالي عَمَدَتْ إسرائيل إلى تَشجيع ودَعِم
ألإستيطان اليهودي في مناطق التواجُد العربي من خلال مشاريع إستيطانيه
إِحلاليه كان أوّلُها مشروع تَهويد النقب في بِداية السبعينات من القرن
العشرين,والهادف إلى تَرحيلْ عرب النقب [بدو الجنوب] عَن اراضيهُم
وأماكِن سُكناهُم,ومن ثُم تَوطينهُم قَسْرِيا" في قُرى ومدن حَدّدتْ
إسرائيل مكانها بِِهدف ألإستيلاء على ألأرض وتغيير التركيبه السكانيه
لِصالح اليهود. ومن ثُم جاءَ مشروع كينغ ِلعام 1976 [ كينغ:مسؤول الحكومه
الإسرائيليه أنذاك لِمنطقة الجليل والشمال] الهادف إلى تهويد منطقة
الجليل العربي في الشمال من خلال مُصادرة ألأراضي العربيه وزرع
المستوطنات اليهوديه حَوِل ووسط القرى والمدن العربيه في
الشمال,بِالإضافه إلى هذا جاءَ مشروع النجوم السبعه لعام 1990 الصادر عَن
وزارة ألإسكان ألإسرائيليه بِرئاسة شارون , الهادف إلى تهويد منطقة
المركز والمُثلث العربي بواسطة تَكثيف الإستيطان اليهودي في هذه المنطقه
العربيه.
لم تكتفي إسرائيل بِمشاريع تهويد مناطق تواجُد عرب ال48 لا بل أنّ الأمر
وصل إلى حد عقد مؤتَمر أكاديمي عام 2001 شارك فيه أكاديميون إسرائيليون
للبحث في كَيفِية تحديد نسل العرب والحيلوله دون تكاثرهُم داخل الدوله
ألإسرائيليه!!! ناهيك عن ما يُسمى بمشروع" تطوير النقب والجليل" اللذي
يهدف الى تغيير التركيبه السكانيه في النقب والجليل بشكل جذري من خلال
إقامة المستوطنات اليهوديه في امكن التواجد العربي!
من الجدير بِالذكر بِأنّ الهدف الإسرائيلي الإستراتيجي من تَغيير
التركيبه السكانيه في مناطق تواجُد عرب ال48 وَجَعلُها تَميل لِصالح
اليهود هُو فَرض حزام سُكاني يهودي حول المناطق العربيه للحيلوله دون
تَوَسُع العرب ديموغرافيا" من جهه وفرض السيطره السُكانيه الصهيونيه على
المناطق العربيه من جهه ثانيه.
3.السيطره الإقتصاديه : وَهِيَ من اهم عناصر السيطره ألإسرائيليه نحو عرب
ال48 , وقد بَدأَت إسرائيل بِفرض السيطره الإقتصاديه على العرب مُنذ عام
1948 من خلال مُصادرة الأراضي الزراعيه [ أكثرية العرب في فلسطين كانت
تعتاش على الزراعه] دون طرح أو بِناء مُقومات إقتصاديه بديله
للعرب,وبالتالي مُصادرة ألأراضي العربيه كَأَساس إقتصادي رئِيسي ومن ثُم
تَحوِيل مناطق عرب 48 إلى مُجرد مُعسكرات بشريه تنقُصها البُنيه التحتيه
والمُقومات ألإقتصاديه حتى يومنا هذا.
سَعَت إسرائيل منذ قِيامها إلى ربط القرى والمدن العربيه إقتصاديا" بِسوق
ألعَمل في القطاع اليهودي من جهه,والحيلوله دون قيام بُنيه تَحتيه
إقتصاديه في القطاع العربي من جهه ثانيه, وبالتالي تَحويل المدن والقرى
العربيه إلى مُعسكرات عُمال مُهِمَتُها تَزويد سوق العمل الإسرائيلي
بِالقُوى العامله,وفي الوقت نَفسه المُحافظه المُبرمجه على بَقاءْ
المناطق العربيه كَسوق إستهلاكي للبضائع ألإسرائيليه والحيلوله دون قِيام
إقتصاد عربي مُستَقل كَي لا يُنافس القِطاع ألإقتصادي اليهودي.
هُنا لابُد من ألإشاره إلى أَنَّ أحد أهداف الحُكم العسكري [خضع عرب48
للحكم العسكري الإسرائيلي منذ عام 1948 حتى عام 1966] كانت الحِفاظ على
هُوَّه [ثُغره] في التطور بين القِطاع العربي واالقطاع اليهودي ,بِمعنى
المُحافظَه المُبرمجه على تَخَلُف عرب48 إقتصاديا" عَن القطاع اليهودي
الإسرائيلي والمُحافظه على هذا الوضع من خلال عَدمْ دعم الدوله
ألإسرائيليه إِقامَت مشاريع إقتصاديه وصناعيه في القطاع العربي من
جهه,وعدم تَخصيص الميزانيات الكافيه للمجالس المحليه والبلديات العربيه
,وعدم إِقْرارْ خرائط هيكليه لأِكثرِية المدن والقرى العربيه من جهه
ثانيه,وبالتالي فرضت إسرائيل التَبَعِيه والتَخَلُف الإقتصادي على
العرب,وَجَعْلتَهُم يرتكزُون على سوق العمل الإسرائيلي كَمصدر رزق وحيد
وفي نفس الوقت سعَت إسرائيل للحيلوله دون إقامَة أماكِن عمل في القرى
والمدن العربيه. من الجديربِالذكر أَن المناطق العربيه تتصدر دوماً قائمة
الفقر والبطاله في اسرائيل,ويَصِل عدد من يعيشون تحت خط الفقر في بعض
المناطق العربيه إلىنسبة50 % ,وإجمالي عدد الأطفال العرب اللذين يعيشون
تحت خط الفقر يصل إلى 56%.
َتتلخص أهداف السيطره الإقتصاديه على فلسطينيي الداخل في هَدَفيِن
أساسِيين, وَهُما الأول:المُحافظه على تَفوُق القطاع اليهودي إقتصاديا"
على االقطاع العربي والثاني: هدف سياسي،بِمعنى أنَّ تبعيِة العرب
وإرتِباطَهُم بِسوق العمل الإسرائيلي كَمصدر رزق وحيد يُسَهِل على
إسرائيل السيطره على العرب في حال حُدوثْ إِحتِجاجات أو مُظاهرات عربيه
يَصعُب السيطره عَليها,وذلك من خلال مَنِع العمال العرب من التَوَجُه
أماكن عَملَهُم في إسرائيل من جهه وَمَنِع إِدْخال المواد التموينيه
والإستهلاكيه إلى المناطق العربيه من جهه ثانيه.
4.السيطره على التربيه والتعليم: وذلك من خلال برامج ومناهج لِتعليم
العرب في اسرائيل يَعِدُها ويُشرِف عليها ما يُسَمى"بِالمُستَعربين"
الصهاينه ,وتُخصَّص لِتعليم الطلاب والتلاميذ العرب, بِهدف تَشويه هَوية
التلاميذ العرب وإِنكار جُذورَهُم الفلسطينيه في مُحاوله إسرائيليه
بِدَفِع العرب في إتجاه الأسرَّله الهادِفه إلى خَلْقْ أجيال عربيه
مُهَجَّنه ومُغَرَّبه عن جذورها العربيه حتى يتسنى لإِسرائيل السيطره
عليها بِسهوله. ناهيك عن النقص في المدارس والمعلمين المؤهلين اللتي
تُعاني منهُ التجمعات العربيه.
واخيرا" وليس أخرا لا بُد من التطرُق إلى عُنصرالسيطره السياسيه على عرب
ال48 والتناقُض السياسي العربي الداخلي كَجزء من إِستراتيجية السيطره
ألإَسرائيليه نحو عرب ال48,وهذا ما سَنتطرق لهُ بِإسهاب في الجزء الثاني
من هذه المقاله.
إرتِكازا" على ما سبق ذكرهِ فلا بُد من التطرق إلى العُنصر الخامس
والأخير من إستراتيجية السيطره الإسرائيليه نحو عرب ال48 ,وهُو:5.
السيطره السياسيه على عرب ال48 والتناقُض السياسي العربي الداخلي كجزء من
إستراتيجية السيطره الإسرائيليه : يَتَعَرَض عرب ال 48 مُنذ نشأَة الدوله
الإسرائيليبه وحتى يومنا هذا إلى سياسة اضطهاد وترويض مبرمجة شملت جميع
المجالات الحياتية , وانعكست سلبياً على الوضع العام لعرب 48 سواء
اجتماعياً او اقتصادياً او سياسيًاًا وثقافياً , ورغم ان العرب يشكلون
نسبة ال 22% من مجموع السكان في اسرائيل الا انهم ما زالوا مُغيَّبين
ومُهمَّشين سياسيا وبعيدين كل البعد من ان يُؤَثروا في السياسة
الاسرائيلية وفي مراكز اتخاذ القرارات التي تتعلق بوضع عرب الـ 48 في
اسرائيل , فبدلاً من تسعى اسرائيل الى مساواه العرب في الحقوق سعت هذه
منذ قيامها في اتجاه احتواء وترويض العرب سياسيا بهدف السيطرة السياسية
عليهم من جهة , وبهدف المحافظة على قواعد اللعبة الاسرائيلية من خلال
تضليل العرب بشعارات " الديمقراطية " وفتات الحقوق , مع الابقاء على
وضعهم ووضعيتهم داخل الدولة الاسرائيلية دون تغيير في جوهر التعامل
العنصري من جهة ثانية .
من هنا وضمن استراتجية السيطرة حاولت اسرائيل منذ قيامها عزل العرب عن
إِنتمائهم الوطني وتشوية هويتهم التاريخية الفلسطينية , حيث ان العرب لا
يُعاملون كعرب في المؤسسات والاحصائيات الرسمية الاسرائيلية , بل يطلق
عليهم " غيراليهود " وفي احسن الاحوال "ميعوطيم " والتي تعني أقليات
مُختلفة حَدَّدت لهم الدولة الاسرائيلية ملامح وأُسس هوية مُزيفة مثل "
الدروز , البدو , العرب " وذلك بالرغم من ان الحقيقة التاريخية تُثبت زيف
هذه التَسميات الهادفة لــ " فرق تسد " والسيطرة , ولا يمكنها ان تخفي
حقيقة ان هؤلاء جميعاً يُشكلون قطاعات فلسطنية وجزء لا يتجزأ من الشعب
الفلسطيني, وبالتالي ورغم فشل اسرائيل الذريع في تحديد هوية وتبعية بعض
القطاعات العربية الا انها تُصر على استمرارية نهجها في انكار الخصوصية
التاريخية والحضارية للعرب .
لم تشمل سياسة السيطرة محاولة طمس هوية العرب فحسب لا بل ان القمع
البوليسي والسياسي كان وما زال اسلوب ثابت في تعامل اسرائيل مع الحركات
السياسية العربية المطالبة بالمساواه في المواطنة والحقوق والاعتراف
بالعرب كاقلية قومية , ولكن الانكى من هذا كله[ورغم مرور 57 عاما من
النفاق السياسي الاسرائيلي] هُو ان العرب لم يحصلوا بعد على الجنسية
والمواطنة الحقيقية بمعنى ان قانون المواطنة الاسرائيلي يعني اليهود فقط
بينما الوضع القانوني لوجود العرب يندرج تحت وضعية تأشيره " حق المُكوث "
التي تمنحها الدول عادة للأجانب او الاشخاص الغير محددة هويتهم ووطنهم
!!.
رغم ان العرب في اسرائيل يعيشون منذ اكثر من نصف قرن داخل الاطار
الجغرافي لدولة اسرائيل لكنهم في الحقيقة خارج هذا الاطار من الناحية
السياسية والاقتصادية والاجتماعية , بمعنى عدم اهتمام الدوله الإسرائيليه
ِبمساواة العرب باليهود لا بل سعت فقط للسيطرة عليهم ضمن اطر علاقة تضمن
تعايشهُم مع وضعهم ووضْعيِتهُم الدونية مقابل الوضعية الفوقية للشعب
السيد في دولة الاسياد .
ارتكزت استراتجية السيطرة السياسية نحو العرب على الاساليب التالية :
1.الحيلولة دون وحدة المجتمع العربي سياسياً من خلال التجهيل والتضليل
التي إتبعتْهُ السياسة الرسمية والاحزاب الصهيونية والموجه ضد وحدة
المجتمع من خلال تحالف الدولة مع قوى رجعية وقبلية ورموز انتهازية تتبادل
المصالح مع الدولة والاحزاب الصهيوينية من جهة,وتَلعب دور الوكيل المحلي
في تَرويج سياسة ألتضليل وتَرسيخ الجهل والتجهيل من جهه ثانيه وبالتالي
تحالف بين رموز ومُخَطِطِي سياسة اسرائيل ورموز عربية محلية مُهمتها
الحفاظ على الوضع القائم في القرى والمدن العريبة , بمعنى ان مُهِمة
الوُكلاء المحليين هي بث الخُنوع وبعدم جدوى النضال السياسي في تغيير
الحالة الاجتماعيه والاقتصادية للعرب وفي المقابل تقوم الدولة
الاسرائيلية بِتَلْمِيع رموزها ووكلاءها والاعتراف بهم كقيادة محلية في
المجتمع العربي . وهُم [اي الرموز] في الغالب رموز جاهلة وساقِطة وتبحث
لها عن دور اجتماعي وقيادي وتَجِد ضَالتُها في الدولة الاسرائيلية
وسياستها .
2. القمع السياسي المباشر وغير المباشر الموجه ضد الحركات والمؤسسات
السياسية العربية التي تُحاول تغيير اُصول اللعبة السياسية الاسرائيلية
مع العرب , وتُدافع عن حقوق العرب, بمعنى ان القمع السياسي المباشر يعني
استعمال اسرائيل لقوتها البوليسية والقانونية الخاصة والمُغرضة في قمع
المظاهرات والإحتجاجات كما حدث في يوم الارض عام 1976 وبداية انتفاضة
الاقصى عام 2000 وغيرها من الاحتجاجات العربية في اسرائيل , اما القمع
الغير مباشر فيتجلى في اسلوب اجهاض الحركات والمؤسسات السياسية الجذرية
في المجتمع العربي من خلال طرح الدولة الاسرائيلية لبدائل سياسية بواسطة
رموز عربية محلية ساقطة وعميلة مهمتها الدعاية المضادة للحيلولة دون
الإلتفاف الجماهيري حول المؤسسات والحركات العربية اللتي تُطالِب بِتغيير
الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعرب .
من الجدير بالذكر ان الدولة الاسرائيلية تَرَكِزْ على عملية الاستقطاب
العائلي والتعصب القبلي داخل التجمعات العربية, وتُغذِي هذا الاستقطاب
والتعصب بِإِمتيازات وتسهيلات ونوع من النفوذ المحلية للقياداة العائلية
سواء التقليدية منها او تلك الشابة والمُهَجَّنة بِمَنْظِرٍ حَديث وعقلية
فحواها القبلية والعائلية, وهذا ما ُنلاحِظَهُ في فترة الانتخابات
المحلية والبرلمانية حيث يرتكز المرشحون سواء متعلمون او غَيْرَهُم على
اصوات ودعم عائلاتهم بالدرجة الاولى ودعم الاحزاب الاسرائيلية .
3. التجهيل الاعلامي والسياسي التي تُمارسه اسرائيل للحيلولة دون تبلور
وعي اجتماعي وسياسي عربي وفي المقابل دعم الدولة الاسرائيلية بصورة
مباشرة وغير مباشرة لثقافة الواسْطَّة واالبَخْشِيش داخل التجمُعات
العربية , بمعنى تَرسيخ مفهوم الحصول على وظائف وامتيازات عبر الوسطاء
التي هم غالباً ما يَكونون مقربين من سياسة الدولة والاحزاب الاسرائيلية,
وبالتالي ستكون النتيجة الحتميه هي التبعيه والفساد والخنوع السياسي التي
تعاني منه مجموعات وشرائح اجتماعية عربية من بينها عدد لا يستهان به من
شريحة المًتعلمين واصحاب الاثر على المجتمع كَكُل وسلك التربية والتعليم
خاصة .
4.شَكَّلَ إِعطاء العرب حق التصويت والترشيح في الانتخابات البرلمانية
والمحلية ألإسرائيليه سَيفٌ ذو حَدين, فَمِن ناحية اولى كان بمثابة دعاية
خارجية لديمقراطية اسرائيل ومن ناحية ثانية اعطاء الدولة والاحزاب
الاسرائيلية فُرصة التَغلغُل في المجتمع العربي في اسرائيل واللِعب على
حبل التناقُضات السياسية الداخلية وإِستِثمارُهاا لصالح الاحزاب
الإسرائيلية وسياسة الدولة الاسرائيلية , وبالتالي إرتباط عملية تَسْيِيس
العرب ضمنياً بِمُشاركتهم في الانتخابات البرلمانية والمحلية , حيث ان
هذه المشاركة تَضمَّنَت من الناحية الاسرائيلية عملية ترويض العرب
وإِدخالهُم في تناقضات سياسية واجتماعية تَخدِم بِالدرجه الأولى
إستراتيجية السيطره الإسرائيليه من جهه,وتَقويض العرب سياسياً والحيلوله
دون وحدة مَطالبهم السياسيه ووحدة صفهُم من جهه ثانيه.
من هُنا ومنذ قيام الدوله ألإسرائيليه كانت وما زالت مواقف الأحزاب
الصهيونيه مواقف إنتهازيه ومُنافقه نحو قضايا العرب في إسرائيل,حَيثُ
أنَّ هذه الأحزاب تَغْمُر العرب بِالوعود في فترة ألإنتخابات ثُم تتخلى
عن هذا بعد الإنتخابات لابل أنَّها وللمثال لا الحصر تقتُل 13 عربيا
وتجرح المئات من العرب ,مثلما فعلت قوات الشرطه الإسرائيليه عندما قمعت
المُتظاهرين في هَبة أكتوبر 2000 في بداية إنتفاضة ألأقصى,مع العلم أنَّ
العرب منحوا باراك [رئيس الحكومه الإسرائيليه أنذاك] 95% من أصواتهُم
وذلكِ لأِسباب داخليه وتَلبية لِنداءاَت خارجيه!!
رغمَ أنهُ من الصعب سَردْ تاريخ الحركه السياسيه العربيه داخل اسرائيل في
مقاله واحده,إلا أنَّهُ ومنذ نهاية السبعينات من القرن العشرين بداَت
ظاهرة تأسيس ألأحزاب العربيه المُستقله اوهكذا يَحلو لِمُؤَسسيها
تَسميتها بِالأحزاب العربيه وغير الصهيونيه مع أنَّ مرجعِية البرلمان
ألإسرائيلي مرجعيه صهيونيه,وقانون المُواطنه الإسرائيلي اللتي حرم العرب
من حقوق المواطنه الكامله أقَرَّهُ هذا البرلمان,وبالتالي لا يَكمُن
الخلل في إدِعاء قومية وعروبة الأحزاب اللتي يًرأسُها بعض العرب لابل أن
القضيه هُنا تَمُس جوهر ولُب إشكالية ووضعِية الوجود العربي في اسرائيل
والسؤال لمطروح: لماذا مَنحت اسرائيل العرب حق التصويت والترشيح للبرلمان
الإسرائيلي وفي المُقابل سلبتهُم حقوق المواطنه الكامله؟؟؟ وهل تواجُد
اعضاء برلمان عرب في الكنيست الاسرائيلي جُزء من تَسويق "ديموقراطية"
اسرائيل رغم أنَّ الأعضاء العرب لا يَتمتعون بِحق المواطنه الكامله
كزُملائَهُم من البرلمانيين ليهود؟؟؟؟
الجواب على هذه الأسئله المطروحه يَكمن أولاً في إصلاح المسلكيه السياسيه
لِكثير من الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي اللذين يُسبِبُون في بعض
الأحيان الإرباك السياسي في فترة الإنتخابات البرلمانيه واالمحليه,حًيثُ
تُؤَدي التعبئه السياسيه الخاطئه إلى إنقسامات حاده داخل التجمعات
العربيه إلى حد بُروز ظاهرة الإستقطاب والإستنباط القبلي
والطائفيه,وظاهرة العُنف والعُنف المقابل بسبب الصراع على الاصوات
والمراكز مما يصُب في صالح إستراتيجية السيطره الاسرائيليه.
هُنا لابُد من القول أنَّهُ من الصعب فَهم أن يصبح الفرد[الإنسان] مُمثل
لِشعب أو أقليه عُضواً في برلمان دوله قبل أَن يصبح مواطن هذه الدوله!!!
أَلَيسَّ في هذا تناقض صارِخ ؟؟؟ أَلَيسَّ تَبَنِي شعار"دولة جميع
مواطنيها" و "دولة جميع ا لمواطنين" تَرسِيخاً صارِخاً ومفضوحاًً
للعنصريه الإسرائيليه وترسيخا ًلِتأشيرة المُكوث وليست المواطنه!!!؟؟
كُلُ ما في الأَمر أنَّ اسرائيل وبعد أَأكثر من نصف قرن ما زالت تَزُف
العرب علىنِفاق الديموقراطيه,بمعنى منحهُم حق التصويت والترشيح وإقامَة
ألأحزاب وفي نفس الوقت الحيلوله دون مُشاركتهُم في صِياغة او التأثير في
القرار السياسي الإسرائيلي حتى في ما يَتعلق من قضايا بالعرب
أنفسهُم,وهذا ما يُفسر عملية تَحنِيط الأعضاء العرب وتهميشهُم داخل
الكنيست الأسرائيلي,ومن ثُم تَحويلَهمُ إلى مُجرد زَخارف للديموقراطيه
الإسرائيليه!!
واخيراً وليس اخرا يبدو جَلِياً أَنً سياسة الدوله الإسرائيليه نحو العرب
في اسرئيل سياسه ثابته,وترتكز على نُقطتين أساسِيتين وهُما: إستِمرارية
السيطره بِكُل اشكالها والوصايه على العرب من جهه وتَرسيخ موقع دونيه
وهامشيه العرب داخل الدوله الإسرائيليه مُقابل فوقيه مُطلقه للقطاع
اليهودي.
|