من يريد لموسى أن يفشل؟
عباس سرحان
30 اكتوبر 2005


ليس هناك وسطية هذه الأيام سيما حين يتعلق الأمر بالعراق، فكل يغني على ليلاه.. وكل من يحيط بالعراق يجد أن له نصيبا فيه، وبعض من أهله يرونه ملكا صرفا لهم ولا يسمحون للآخرين من مواطنيهم أن يكون لهم حق العمل في دائرة السلطة ويرونه اختراقا تجب محاربته ولو بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة..
في عام 1991 حين انتفض الشيعة في وسط وجنوب العراق والكرد في الشمال هاجم صدام المدن الشيعية بجحافل لم تدخل المعركة.. كانت ألوية الحرس الخاص والحرس الجمهوري.. رجالها لايتحدثون بلهجة أهل الوسط والجنوب.. كأنهم أتوا من بلد آخر.. لم يمر غبار الحرب على وجوههم ولم يأكلوا خبز الشعير والتمر الزاهدي كما اضطر أغلب العراقيين لأكله وقت الحصار.. كانوا ينظرون إلى أرتال المشاة من النساء والأطفال الفارين من هجوم الجيش العراقي على بيوتهم بازدراء قبل أن يجتازوا جسر الشلهة بالقرب من ناحية الهوير شمال البصرة، وهي منطقة اشتهرت بمعارضتها لصدام.. ومن سوء حظ أحد الأطفال أن قام برمي عربة عسكرية صغيرة كانت تحمل مدفع 106.. لا أدري لماذا فعل ذلك في ذلك الوقت تحديدا.. ولكن حجارته التي لم تصل إلى مؤخرة السيارة صارت رصاصة استقرت في صدره إذ التقط أحد الجنود الثلاثة الذين كانوا على متن العربة بندقيته وأردى الطفل قتيلا أمام أنظار الجميع.. كانت الأجواء مشحونة بالموت والظلم.. حجارة الطفل تلك أفقدته حياته وأفجعت به أهله وذويه الذين واساهم القاتل قائلا: قتلته الآن لأنه سيكون " غوغائيا" حين يكبر!
لم تستنكر الجامعة العربية وقتها قتل الشيعة، ولم يدن الأزهر ذاك الإجرام الهائل، ولكن الملك السعودي فهد بن عبد العزيز عاتب رئيس المجلس الأعلى وقتها محمد باقر الحكيم حين زار السعودية في وقت لاحق لأنه سمع بالمنتفضين الشيعة يقتلون الضباط السنة.. اهتزت السعودية لمعلومات ربما تكون غير دقيقة مررها صدام عبر أجهزته لأغراض معروفة ولكنها لم تهتز لدفن الآلاف من الشيعة والكرد أحياء..
تذكرت هذه الحادثة اليوم بينما تتناقل أخبار العالم شروط هيئة علماء السنة للموافقة على الحوار الوطني.. وأحد تلك الشروط هو" عودة الجيش العراقي السابق".. بالطبع لايهم الهيئة من الجيش السابق إلا ذلك الجندي الذي قتل الطفل في ناحية الهوير ، فهي غير معنية بـ"عبد الحسين وعبد الزهرة وعلي" فهؤلاء يقتلون يوميا بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة بحجة أنهم "ترس" المحتل والهيئة تؤيد ذلك وتعتبره مقاومة..
هذا الاستخفاف بالدم العراقي وبالوعي العراقي لايصلح أن يكون أساسا لوحدة وطنية، إذ لابد للوحدة أن تبنى على مشتركات منطقية أولها احترام دم الآخر، ولا أقول احترام رأيه وهو يأتي في مرتبة لاحقة .. هناك في العراق من لايحترم دم الآخرين ويخلط الأوراق بشكل غريب ولايقول كلمة واحدة يدين فيها قتل عامل أو موظف عراقي. بل يدافع عن القتلة بطريقة أغرب كمحامي صدام الذي هاجم المدعي العام بحجة أنه يمثل إيران كونه اتهم صدام بشن حرب عليها.. ولا أدري هل الإيرانيون وحدهم هم الذين قتلوا في تلك الحرب، أم أنه لا يكترث لدماء العراقيين..مع إن من واجب أي محامي الأخلاقي والمهني الدفاع عن القيم والحق والوقوف بوجه الباطل بغض النظر عن الزمان والمكان، ولكن محامي صدام بهذا المنطق يعطي مثلا سيئا للانتهازية المهنية التي تستخف بحقوق الغير من أجل مكاسب ظالمة، وإلا فمن حق إي إنسان أن يعيش أمنا مستقرا، وحين يأتي شخص ويسلب كل أولئك الناس في الكويت وإيران والعراق هذا الحق فعلى الجميع ومن مختلف الانتماءات إدانة ذلك وفقا للمشترك الإنساني العام.. فلا أدري كيف يتمنى محامي صدام الموت للآخرين ولو ظلما ويتمنى الحياة لصدام مع مااقترفه من جرائم؟
بهذا المنطق تصطدم مهمة أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، وهذا وحده هو الذي يفشل مهمته، فطالما هناك عراقيون لايريدون مغادرة المربع الأسود الذي مثله نظام صدام ويحلمون بإرجاع الديكتاتورية بانقلاب آخر يقوم به مجموعة ضباط يعيدونهم للخدمة، وطالما هناك من يدعم هؤلاء عربيا بالمال وإرسال الانتحاريين فليس هناك نجاح لأي عملية سياسية، وليس هناك استقرار أمني على المدى المنظور، فالهدوء الذي تشهده بغداد والمدن الساخنة هو هدنة حصل عليها وفد الجامعة العربية بعد اتصالات مع الأطراف السنية التي تدير العمليات في العراق، وستشهد المدن العراقية بعد انتهاء الزيارة وبعد إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور تصعيدا في أعمال الإرهاب ولو أراد أمين عام الجامعة العربية لمهمته أن تنجح بالفعل فلابد من إقناعه السنة في العراق بضرورة التعايش مع مواطنيهم من القوميات والمذاهب الأخرى، إذ لاخيار لهم سوى ذلك، مثلما لا خيار للعراقيين الآخرين إلا أن يقفوا مع غيرهم على أسس مشتركة تنسجم مع المتغيرات التي حصلت في العراق
Abbas_sm89@hotmail.com