بئر ميليس
قاسم محمّد الكفائي
كاتب عراقي - كندا
alkefaee_canada@hotmail.com
 


 



الأزمة التي تمرّ بها سورية اليوم هي أزمة صراع ٍ سياسي ، محسوبة ٌ بتوقيتِها ونتائِجها ، ولم تكن قضيّة جنائيّة محْضة يُرادُ منها معرفة الجاني الذي إغتال السيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق بالطريقة المهنيّة. فمن هذه الأزمةِ يُمكننا معرفة حقيقة الدورِ الذي تلعبُه أمريكا في الشرق ِ الأوسط ِ، وفرنسا في لبنان برؤيةٍ أكثر وضوحا عندما تواجهُنا حقيقة ُ تبنّي هذين الدولتين لحدثٍ وقع على أرض ٍ تفصلهُما عنها قيمُ الدين ِوالدم ِوالتأريخ ِثم الثقافة . وتفصلُهما عنها المحيطاتُ والقارات . فصار رفيق الحريري المغدور هو بن عم جورج دبليو بوش ، وصهر جاك شيراك . أو شريك كوفي عنّان في رئاسة منظمة الأمم المتحدة. فلو تمحصنا بجدٍّ حقيقة هذين الدورين ، سنجد التفسير الموضوعي لهُما والذي لا يخرجُ عن محاولةِ إيقاع ِ سورية ببئر القاضي( ميليس ) كبلد يعمل على خلاف مصالحِهمِا وتطلعاتِهمِا على الصعيدين ، العربي والدولي . مقتلُ الحريري أدمى قلب أسرتِه أولا ، وكلّ الشعوبِ العربيةِ التي تحب الخير الى لبنان واللبنانيين ، وأدمى قلوب مُحبيهِ وأصدقائهِ من الذين ساهموا في بناء لبنان والدفاع عنه ومواجهةِ ما يحيطُ به من مخاطرٍ خارجيةٍ تريد العبث بهِ وجعلهُ ساحة للصراعاتِ الدوليةِ وتمريرِ مشاريعها فيه. ومقتلُ الحريري صارعيدا لكل هذه القوى الشريرة التي كانت تبحث عن منفذٍ أو مبررٍ لتصفيةِ حساباتِها وترسيخ ِ مشاريعها ما بين لبنان وسورية . فكان مقتل الحريري هو ذلك المْنفذ ، والمبرِرُ الناجحُ الذي من خلالِه تقلدا بوش وشيراك منصب المحاماة للدفاع ِ عن الملف وكشف الجناة . أما بلادُ الحريري وحكومتهُ والقضاءُ الموسوم بالكفائةِ العاليةِ على مستوى الوطن العربي ثم مُحِبيه ومُريديه وهم يشكلون مساحة واسعة في لبنان ، كل هؤلاء عاجزين عن كشف الجناة والأسباب الحقيقية لأرتكاب الجريمة . من نافذة هذا العجز يدخل علينا قاض ألماني قادما من وراء ِالحدود يبحثُ ويحققُ ويعطي النتائج المبتورة كما يُريد . هذه النتائجُ التي تفتقرُ لأسلوبِ التحقيق الجنائي ويطغى عليها البحث السياسي والروتيني بروح عدائيةٍ مُتصهْينِة. هناك فرضيتان لا ثالث لهما يتعلقان بهذا الملف : الأول ، لو فرضنا أن هناك عناصر سوريّة تعمل لصالح قوى خارجية هي التي نفذت الجريمة لأسباب تتعلق بمصلحة الأستكبار، فما هي إذن علاقة سورية بواقع الجريمة ِ؟ وكما نرى أن العالم مليىٌء بمثل هذه الحوادثِ وتتكررُ حتى آخر ساعات عمرنا ؟ وفي نفس الوقت هل منحت أمريكا وفرنسا الفرصة لسورية لتكون شريكا في مهمة ِ توليّ التحقيق بالجريمة كبلد يهمُه واقع لبنان قبل غيره من البلدان وحتى العربية منها ؟ فلو استخلصنا الجواب سنجد أن لأمريكا مصلحة في الجريمة ونتائجها بإبعاد سورية عن هذه الشراكة . فمصالح الشر تلتقي عند هذه النقطة التي تصب بكلّ ثقلِها في مصلحة الكيان الصهيوني أولا وأخيرا.
أما الأفتراض الثاني ، بماذا سترد أمريكا وفرنسا لو ظهرت نتائج التحقيق لهذه الجريمة أن المخابرات العالمية هي التي نفذت أو موّلت أو خططت لها ؟ وتحقيق هذا الأفتراض يمكن الوصول إليه في حالة تبني أجهزة القضاء اللبناني ووزارة الداخلية مهمة التحقيق بالتعاون مع سورية الدولة الجارة والشقيقة لبلدِ وشعبِ لبنان وبإشراف عربي . أما ميليس فهو قاضي في بلاده ولا غبار عليه وليس في بلدٍ لا نجد له فيه برغوثٌ ولا جمل . لكن مرد كل ما جرى ويجري على لبنان وأمتِنا العربية من ويلات وإستضعاف لها ، أسبابه فينا نحن قبل أعدائنا كون قوة حكامنا وصعودهم الى سلم عروشهم يمر من خلال دهاليز دول الأستكبار العالمي . ويبقى سؤالٌ يفرضُ نفسه هو ، هل أن الحريري كان الوحيد الذي أغتيل كرجل سياسة له اعتباره ، أم أنّ هناك الكثيرُ ممن سبقوه بالمنيّة ؟ فلو صح ّ لنا معرفة الجواب بأن آلاف من هؤلاء ُقتِلوا بوسائل مختلفة في هذا العالم وبتدبير من أجهزة المخابرات العالمية ، فلماذا ذاب خبرُهم في جبروتِ الصمتِ الدولي وعن عمد ؟ فلو صدق ميليس في مهمته هذه فعليه أن يلتزم ملفاّت أخرى لأشخاص آخرين كانت مخابرات دولة معروفة بالديمقراطية وحقوق الأنسان قد حاولت قتلهم ولمرّات بطرق ملتوية وصعبة لا يعرفها إلاّ أهلُ الأختصاص وليس عامة ُ الناس أو مثقفوه . ( كاتب المقال يدعو ميليس لفتح هذا الملف الذي هو في خانة مهملات مؤسسات عربية منافقة ومنتفعة كانت قد أسْتُخْبرت منذ عام 1996 بشهادتنا ومتابعاتنا ) . فلماذاالحريري بالذات وبهذا التوقيت صارهو الضحيُة الوحيدُ الذي تبنّى ميليس وفرقتهُ التحقيقية قضية مقتلِه؟ وهل أن نتائج التحقيق هي الاداة الناجحة وبهذا الوقت لتذويب القضية الفلسطسنية وتمييعِها وتعطيل حركتها حتى تتفرّغ إسرائيل لبناء مواقعها المرسومة كاملة على جغرافية فلسطين المحتلة بعد أن تنال سورية إستحقاقاتِها ومن بعدها حركة المقاومة اللبنانية حسب الزعم الأمريكي ؟ كذلك العجز الذي يشكو منه جسم لبنان ، على الصعيدين ، الأقتصادي والسياسي ساهم بفتح أبواب مطار بيروت مشرعة بوجهِ القاضي ميليس ( الأملس ) ، تنكيلا بلبنان وقضائِها وأهلِها وتنكيلا بالشهيدِ الحريري عندما يدافعُ عنه ميليس وكأنّ لا أهلٌ له ولا وطن سوى بوش وشيراك ، وهذا أحّط حالٍ وأضعفُ درجاتِ العاقبة لو إنتبهنا على أنفسنا ودافعنا عن الحريري إبنا للبنان والعرب وليس أمريكا وفرنسا. لقد إستغلت أمريكا الروح الشبابية عند السيد سعد بن الشهيد رفيق الحريري ، واستغلت عواطفه بمقتل أبيه ، فاستعملتهُ موكلا لها في هذا الملف. وليس جزافا أن نقول أن سعد الحريري هو شاب مازال قليل التجربة في واقع السياسة والصراع . فالحريري الأبن يمكنه أن يجد السقف العربي المناسب للأنضواء تحته وإيجاد أفضل السبل للوصول الى أنزه النتائج . ومع حرص سورية على هذا الأنضواء يُحمّلها الشارعُ العربي مسؤولية الألتزام بآليات التحقيق والنتائج معا ، ونُذكرّها بالمساهمة الفاعِلة والعاجلة في ضرب الأرهاب المستشري في العراق لإستتباب الأمن والأمان على أرضه حتى يمكن للعراقيين الذين تهُمُهُم سلامة سورية بالمساهمة كذلك في ردع الشر الذي يحيط بها . إن دفاعنا عن سورية هو وليد الأواصرالتي تربطنا بها في الدين والدم والتأريخ والثقافة ، وتبعدنا عن بوش وبلير وشيراك وميليس.