خطاب التكليف السامي؛ قراءة لما بين السطور
صلاح المومني
28 نوفمبر 2005


في السبعينات من القرن الماضي شرعت دائرة الإحصاء لدى الحكومة الأردنية بعمل إحصائيات للمواشي ، وكان موعد سفرنا الصيفي لقريتنا "صخرة" حيث كنا نذهب صيفاً بحثاً عن الهواء النقي وهرباً من مدينة العسكر والغبار "الزرقاء"، كان أبي الجندي في الجيش الأردني آنذاك يستدين ثمن هذه الرحلة ويسدده طوال العام ، وفي العادة يبقى شيء مما استدان في ذمته، وبعد نهاية ربع قرن من الخدمة في الجيش ،اضطر للعمل ربع قرن جديد لتسديد ديونه .

في تلك الزيارة كان موظف الحكومة المشرف على تدوين عدد الأبقار والأغنام والحمير والقطط والكلاب الضالة والأليفة قد جاء لقريتنا وطلب من "مخاتيرها" أن يعمموا على كل أهل القرية الحضور "للبيادر" المحيطة ببركة الماء التي يردونها، وذلك لتعداد مواشيهم ، وللإغراء وتشجيع الرعاة على الحضور أطلقوا إشاعة مفادها أن الحكومة ستقدم أعلافاً ومواد غذائية لحيواناتهم ، وما أن جاء وقت الظهيرة، موعد ورود الماء حتى اجتمعت الماشية والرعاة وكل أهل القرية وكأننا في عرس لكثرة الحضور ، أما طريقة التعداد فكانت بذكر كل شخص لعدد الماشية التي يمتلكها ، وما يكاد يلفظ الرقم حتى يغمز المختار موظف الإحصاء ويقول هذا الراعي "أمّي" لقد قصد مائتين وليس عشرين، والآخر "أهبل" والثالث .... ، وبينما كنت أقف سمعت أحد المخاتير يناديني حيث أبدو الغريب بين الرعاة ولا تبدو علي هيئة الرعاة رغم كل ملامح الفقر التي كانت تحيط مظهري ، نهرني سائلاً ؛ "ابن ليمن انته يا ولد" وصدقاً نسيت اسم أبي لشدة ذلك المختار وغلظته فتعلثمت ، ثم بدا وكأنه عرفني فقال للموظف بعد إعطائه اسم أبي "سجل عندهم مائتين رأس غنم" والمختار سيد مطاع آنذاك ، تعجبت من مقولته تلك ، حيث بيتنا يضيق بعدد أفراد الأسرة وتساءلت : أين يحتفظ أبي بكنزه الحيواني" ، ذهبت إلى أمي باحثاً عن تلك الثروة ، وبدأت أتساءل: لم قميصي مرقع وثيابي تبدو قد نسجت في العصور الوسطى ونحن نملك هذه الثروة، وبقيت أبحث عن الجواب حتى اقتنعت أن أبي لا يملك شيئاً؟

خطاب الملك لتكليف الرئيس "معروف البخيت " جميل ويكاد يشبه نتيجة الإحصاء التي ذكرت، فالأعداد خيالية ، وأبي الذي كان لا يملك أجرة السيارة لقضاء صيفنا ، يملك وفق هذه الإحصائيات رقماً يعد ثروة آنذاك ، لقد كذبنا تلك الكذبة فصدقناها ومكثنا ننتظر معونات الحكومة وعشنا حلمنا في تلك القرية الفقيرة وحتى هذه اللحظة لم يحدث ذلك الوعد الوهمي ولم يتحقق الحلم .

نظرة عامة للخطاب:

من هنا أبدأ بقراءة ما بين السطور في خطاب الملك التكليفي ، ولا أقول التشريفي لكثرة ما فيه من المهام ، وللحق بقدر ما أنتقد الحكومة والوزراء إلا أنني أشفق عليهم مما جاء في الخطاب ، فصياغة العبارات اللغوية والإنشائية أمر في غاية السهولة ، أما التطبيق الإداري لمحتوياته فهو أمر في غاية الصعوبة وهنا يكمن الفرق بين السياسي والإداري.

إن تنفيذ حيثيات هذا الخطاب أمر يعتمد على وسائل التطبيق التي لا بد أن تتعامل مع معطيات كثيرة وعوائق إدارية غير سهلة ، وأعتقد أن رئيس وزراء الملك المكلف أكثر من يفهم ما أقول لتخصصه بالإدارة العامة ومفترض هنا أنه على علم بصعوبة بل استحالة بعض ما جاء به الكتاب ، ومن هنا كان عليه أن يطلب فترة زمنية كافية لقراءة النص عدة مرات والرد عليه بشفافية ومهنية ، لا كما حدث من رد روتيني ووعود تكاد تكون غير حقيقية ، والمسألة ليست بصياغة خطاب بليغ في لغته ، منتقىً في مفرداته ، لكنها مسألة إدارة وموازنة ، موارد دخل قومي ، معطيات سياسية دولية ،إقليمية وداخلية ، أمن سياسي واجتماعي ، محاربة إرهاب ، دعم الطبقات المسحوقة ، وغير ذلك الكثير مما يعتمد على ميزانيتنا المحدودة ، ولعل رئيس الحكومة المكلف والمتخصص بعلم الإدارة هو الأكثر لوماً حيث قبل المهام دون أن يضع لنا دراسة وافية لمهمته ، فنحن أولاً وآخراً نريد له النجاح في مهمته لكي يصل إلى أهدافه المرجوة والتي هي مطامحنا وأحلامنا، أو لأقل إلى نسبة عالية من تحقيق الأهداف والمطامح.

الخطاب لم يحدد فترة زمنية واتسم بالروتينية في التكليف مع زيادة في الأعباء
رغم أن الخطاب قد أحيط بعناية فائقة لكي لا يقع في المطبات والهنات اللغوية ، إلا أن كاتبه لم يكن على قدر من الإطلاع حيث ينبغي أن يبتعد عن البلاغة في الحديث ويلجأ للعبارات الرياضية المحددة الدقيقة ومن متطلبات ذلك تحديد فترة زمنية للحكومة ، ثم ومن متطلبات تحديد الفترة الزمنية أن يكون البرنامج قابلاً للتطبيق وفق تلك الفترة المحددة ، وهذا يعني أن كاتب الخطاب يجب أن يكون إدارياً لا لغوياً أو سياسياً، لذا فإن تجاهل عامل الزمن من قبل صائغ الخطاب أو الكاتب قد أفقده قيمته الإدارية ، حيث أن الوزارة ليست الجانب السياسي ، إنما هي هيئة إدارية وبالتالي لا بد من التناغم بين العبارات النظرية والجانب التطبيقي بما يجعل مهمة التنفيذ سهلة على الجهاز الإداري، ولا بد من وضع الأهداف المعقولة التطبيق لكي لا تبوء الحكومة بالفشل، إذ ليس كل هدف قريب أو سهل المنال. كذلك لا نجد في الحكومة وسائل المراقبة المهنية، فمجلس النواب وجعل وزارة لمراقبة التطبيق الحكومي للقرارات أمر لا يوصلنا إلى ما نريد إذ لا بد من وضع نظام مراقبة دقيق فائق القدرات متخصصاً بهذا الأمر وله سلطة فوق سلطة الوزارة وله قدرة على المحاسبة لكن للأسف هذا غير موجود، ومعرفة الأداء الحكومي عن طريق مجلس النواب ووزارة مراقبة غير مهنية تصبح كمن يريد قياس درجة حرارة الإنسان بمقياس رختر "Richter " المعد للزلازل .

حكومة لتركيب الـPuzzles من مخلفات الحكومات السابقة:

ربما كانت أحداث عمان الأخيرة عاملاً مؤثراً في الخطاب بإعطائه شيئاً من العاطفة والحماسة ، وخصوصاً عند الحديث عن الجانب الأمني وقد ظهر ذلك جلياً في صيغته ، لكن لم يكن كتاب التكليف بمستوى المهنية المطلوبة ، واختلطت فيه أجندة عمل الحكومة بحيث ينبغي أن يجلس رئيس الوزراء الجديد إلى وزرائه ليقع عليه عبئ البرنامج الوزاري دون أن يعرف متى يطلب منه الاستقالة وهذا بحد ذاته إشكال في عمل الحكومات المتعاقبة منذ زمن ليس باليسير ، وبالتالي فإن الحديث عن إمكانية تحقيق الأهداف ليس بالأمر السهل خصوصاً إذا عرفنا أن كل حكومة تتسلم المقاليد ليست ملزمة بقرارات الحكومة السابقة إلا إن قامت بذلك طواعية ، أو لأقل: الالتزام أدبي لا دستوري قانوني ، وهذه إشكالية إدارية لم يراعها الكتاب السامي، ولعل مسئولية الحكومة التي أشار لها الدستور تقع على عاتق الحكومة ، لكن ليس هناك تحديد لمدى ما قد يذهب إليه القانون حال إخلال الحكومة بعقد التشكيل.

إن من أسباب ضعف الخطاب هو أن الحكومة القادمة لا تدري أين وصلت الحكومة السابقة بحكم أن كل كتاب تكليف يضع مجمل الأهداف دون أن ينظر إلى حقيقة الإنجاز للحكومة السابقة ، والمقياس هنا ليس خطاب الشكر للحكومة السابقة والثناء عليها ، إنما مقاييس إدارية تعتمد على الكثير من وسائل التقييم حيث توضع لمعرفة حقيقة الإنجاز للحكومات أو لأقل للإدارات، وهذه هي العشوائية في رسم السياسة العامة ، ولا أعتقد أن موظفي الوزارات مهما علا شأنهم قادرين ترجمة الأفكار إلى واقع دون المرور بعقبات . ولعل المقطع المضمن من خطاب الملك يعكس صورة من صور الخطابات العامة التي لا تكون عادة لتكليف حكومة بعمل إداري أو برسم سياسة عامة، ولست هنا مطالباً الملك أن يصبح إدارياً، لكن لا بد من تغيير صيغة الخطاب الروتينية لكي لا تلجأ الحكومة في تعاملها مع حزمة القرارات بطريقة تشبه تركيب الأشكال "Puzzles".
.

" وفي ضوء مخرجات هاتين اللجنتين فالحكومة مطالبة بإعداد جملة قوانين في شكل سريع وعاجل ولكن يجب أن تتوخى العصرية والعدالة والمتغيرات، والقوانين المقصودة هي قانون جديد للانتخاب وآخر للأحزاب وثالث للبلديات وبما يسمح بتجديد حياتنا السياسية والبرلمانية ويضمن مشاركة أوسع في عملية صنع القرار، ويسهم في وضع بلدنا على خارطة الدول الخلاقة والصاعدة التي تتفاعل مع المتغيرات وتتكيف معها، وفق مصالح شعبنا في عصر تعصف فيه رياح العولمة وتحتدم فيه المنافسة ولا يصمد فيه غير الشعب المنتج والمواطن الحر ودولة القانون والنظام."

في سياق هذا المقتطف من خطاب الملك أود أن أتساءل هنا: هل أعطيت مجموعة القوانين التي سنت خلال فترة السبع سنوات الماضية فرصتها لمعرفة ما إن كانت ناجحة أم لا؟ ولماذا قانون انتخاب جديد؟ ما هي سلبيات القوانين المطبقة حالياً؟ هل المراد الحيلولة دون وصول فئة أو أخرى للمجلس ؟ ثم ما هي خصائص الأحزاب التي سيسمح لها بالتشكل؟ وما طبيعة قوانين البلديات ؟ فنحن لم نستوعب قوانين الدمج بين البلديات بعد ولا ندري هل نضجت الثمار وحان قطافها لنسن قانوناً جديداً ؟ للحق حكومة الملك لا تحسد على حجم هذه المسئولية المجملة في صيغة خطاب ، وكنت أتمنى لو أن كتاب التكليف جاء بعيداً عن هذه التفاصيل التي هي من شأن الاختصاصيين في الإدارة والحكم.
مرحلة حرجة والحكومة قد لا تكون مؤهلة

وليس هذا طعناً برئيس الحكومة، ولا بطاقمه بشكل عام، لكن بعض الوجوه ممن سبق لهم الخدمة في سلك الحكومات السابقة لم يكونوا على قدر المسئولية، وهذا غير مقبول في حكومة لربما الأجدر تسميتها بحكومة إنقاذ . حكومة رسم سياسة عامة، حكومة تجمع بين نظرية الخطاب وحتمية التطبيق.

إن الفروق بين حكومات بلادنا وحكومات العالم المتقدم كثيرة، أهمها أن الحكومات في الدول المتقدمة تضع برامجها وفق مقوماتها ، وتحكم تلك البرامج بلوائح للمساءلة القانونية ، ثم لا تلبث تفصل بين الإدارة والسياسة ، لأن طبيعة القرار الإداري يختلف عن القرارات السياسية ، ولكل صاحب قرار أهميته بشرط أن لا يطغى أحدهما على الآخر ولا يحل محله، ولو أخذنا على سبيل المثال تدخل الكونجرس بقضية الانسحاب من العراق ، فإن المطالبة كانت سياسية ، أما الرئيس بوش فقد كان حرفياً برده ، وبغض النظر إن كان هو صاحب الرد أم هيئته الاستشارية ، لكنه جعل الأمر بيد قادته العسكريين ولم يقحم نفسه أمام الملأ بقرار ليس من اختصاصه ، رغم أنه وإدارته صاحب قرار البدء باحتلال العراق ، إذ أن هناك أمور على الأرض لا يدركها الرئيس ، وهذا هو الفصل بين قرار السياسي وقرار العسكري ، بالتأكيد الأمر لن يكون بيد العسكريين وحدهم والبيت الأبيض والخارجية والكونجرس يقظون لكل حيثيات الأمر ، لكن العسكريين لهم وزن فيما يتخذ من قرارات في إدارة المعركة ، فهل عملنا بهذه الحرفية ؟ وللحق هذه ليست "فهلوة" في الرئيس لكنها طريقة التجاوب مع القرارات والتعامل مع الحدث وفق ما تمليه السياسة العامة للدولة.

مشكلة حينما نضع بيد الحكومة خطاباً يتطلب برنامج عمل طويل الأمد ، وفي الوقت ذاته تفتقد الحكومة الكثير من آليات تنفيذ هذه البرامج ، بل توضع في حالة من الهستيريا لتنفيذ ما أنيط بها.
إن المسألة هي مسألة رسم سياسة عامة ثابتة الأسس متغيرة الوسائل بحكم الزمان والمكان والظروف الطارئة ، والخطاب لا يعالج هذا ، وكم هو صعب أن نطلب من الحكومة تنفيذ ما لا طاقة لها به.

الأردن؛ البلد الذي عاش فترة غير يسيرة من الأمن والاستقرار، يعيش حالة عدم استقرار سياسي، ونخشى أن يكون عدم الاستقرار هذا سبباً في تدخلات خارجية علنية غير مرغوبة ، لذا فكما نجود بالنقد للحكومات، فلن نبخل على حكومة البخيت بالدعاء ، فهي شئنا أم أبينا حكومة البلد التي نأمل أن تحمل أجندة واقعية نعطيها شيئاً من المصداقية.

بينما كنت أنهي هذه المقالة محاولاً الاختصار طرقت أذني أغنية للأمريكية " Hilary Duff " حيث كانت تترنم بكلماتها " "What Dreams are made of? ولعلنا نحن الأردنيين بحاجة أن نغني ذات الأغنية ، من ماذا ولدت أحلامنا ، حيث قد يكون الجواب من "200 رأس غنم من خيال المختار لذا لم نأكل اللحم إلا في المناسبات ، موازنة ترتكز على المساعدات لنبقى تحت رحمة ولي نعمتنا و......." ثم علينا أن نغني للملك بصوت واحد ، أردنيون من كل المنابت والأصول، نقول له ما جاء في رائعة مرسيل:

" يا نسيم الريح قولي للرشا...... لم يزدني الورد إلا عطشاً "
لي "مليك" حبه وسط الحشا إن يشأ يمشي على خدي مشى"

إذ نحن لا نملك إلا أن نسمع ونطيع أولاً وآخراً ..... ولمليكنا كل الحب ...