From : selman_barodo@hotmail.com
Sent : Friday, October 21, 2005 12:04 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com

 

المثقف والعلاقة الجدلية بين الفكر والواقع
سلمان بارودو


إن قوة الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية لا تكمن في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الغائبة فعلاً، والتي يمكن أن يقبلها الجمهور، أو أن يرفضها، وإنما في أكاذيبها، الأيديولوجية وإنجازاتها المزيفة، التي تقدمها لتبرير وجودها على رأس السلطة القمعية، وهي أكاذيب، تقوم دائماً على شعارات وطنية وقومية أو دينية عامة خادعة، مثل النضال ضد الإمبريالية والدعوة إلى الوحدة العربية، إلى غير ذلك من الشعارات الجذابة.
لكن إن حياة الدكتاتوريات العسكرية والإقطاعية أو العشائرية، أو المذهبية، مرتبطة في حقيقة الأمر بقضية على غاية من الأهمية : وهي أن تبدو أنها ملتزمة حقاً بهذه الشعارات، لأنها من دون ذلك، لن تجد ما تقوله في دعاياتها الثقافية، حتى إذا كانت هي نفسها العائق الرئيس أمام تحقيق الشعارات التي ترفعها.
ولذلك فإن هذه الأنظمة لا يمكن أن تنظر إلى العمل الفكري، إلا من الزاوية التي يبرر فيها وجودها، ويدافع عن أكاذيبها الإيديولوجية.
وكانت هذه المعاناة سبباً أساسياً في إلهاء الناس عن الاهتمام بقضاياهم المصيرية، كما أثرت تأثيراً سلبياً، وأدت إلى نوع من الاغتراب والابتعاد عن استحقاقات المرحلة الراهنة ومتطلباتها الآنية والمستقبلية.
وإن التطورات والتغييرات التي تجري في المنطقة والعالم بأسره اليوم وانتشار مفاهيم النظام العالمي الجديد والعولمة، ودخول البشرية إرهاصات هذا النظام منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، أخذت عملية جديدة من الإنتاج الثقافي في التدفق. ولم تمض سنوات قليلة إلا وكان المثقف في معظم أرجاء المعمورة يجد نفسه أمام مرحلة استحقاقات جديدة ومتطلبات جمة.
مما لاشك فيه إن من تلك الاستحقاقات والواجبات التي تقع على عاتق المفكرين والمثقفين نزع العباءة الدينية والقومية عن الحكام الجائرين، والحكم عليهم من خلال البرامج الاجتماعية والثقافية والسياسية وموقفهم من احترام لحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، قبل كل شيء، وتعريتهم وإظهارهم على حقيقتهم، وكذلك إبعاد الجهلة وأيتام الثقافة عنهم، كون المثقفين والمبدعين هم الضمير الواعي المعبر عن الحالة الشعبية، ومهمتهم بالتالي، هي تقديم إيضاحات جديدة كل يوم على صعيد العلم والفكر والمعرفة، وطرح ما هو لازم لواقعهم ومجتمعهم، للوصول إلى تفاهم وطني راسخ وتعزيز التفاعل بين تيارات الرأي وقوى الحركة الديمقراطية المتعددة، وتحرير الوعي العام والفردي معاً من خطر الإلغاء والشطب وإقصاء الآخر المختلف.
إن الفكر المبدع والمحصن والمنتج لا ينمو إلا في الوسط الاجتماعي الطبيعي الملائم الذي تتوافر فيه حرية التعبير، وينعتق من الكبت والقمع بمختلف أنواعه.
كما ويجب على المبدعين والمثقفين الاهتمام بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان وتشخيصهم لعوائق الانتقال إلى الديمقراطية، مع التأكيد على عدد من الآليات الكفيلة بتسهيل هذا الانتقال، وأهمها آلية الوفاق والحوار الوطني المؤسسي بين كافة مكونات المجتمع، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحرية انتقال الأفراد والأفكار، واعتماد مبدأ الحوار والقبول بوجود رأي آخر، كما يجب التأكيد على أهمية تعزيز استقلال القضاء، وضرورة الاهتمام بالانتخابات وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وإزالة العقبات التي تحول دون ممارسة المرأة أو أية شرائح اجتماعية أخرى لحقوقها السياسية والثقافية والفكرية، أي أن المشكلة الحقيقية في النضال من أجل الديمقراطية ليست مختلفة كثيراً عن مشكلة النضال لأي هدف أو غاية أخرى، وهي مشكلة الافتقار إلى الحضور الجماهيري في ساحة السياسة عموماً، أعني ساحة الفعل السياسي وليست ساحة الفهم أو الوعي.
ورغم هذا وذاك نلاحظ أن هناك تصميماً واضحاً لدى معظم المهتمين والمثقفين والناشطين في الاستمرار بالتعبير الحر بالوسائل المتاحة والممكنة مهما كانت الضريبة، لكننا في المقابل نجد أيضاً إصراراً من الأنظمة الحاكمة التي لا تعترف بالآخر المختلف على زيادة الانتهاكات أو القمع لمنع من انتشار هذه الظاهرة، وخوفاً من خروجها عن السيطرة .
لكن لا يمكن للمفكر أو غيره من المبدعين أن يقف وحيداً ليواجه الوحش الذي يفترس ضحاياه، بل ما أريد التأكيد عليه أيضاً، من خلال هذه الرؤية، هو التأكيد على تلك العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع.
فأي تطور في أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر، سيؤدي حتماً إلى إحداث خلل في توازن الطرفين معاً.
وهذا الخلل، هو في حقيقة الأمر، من صلب عملية التطور التاريخي، خاصة إذا حدث هذا الخلل بصورة طبيعية، أي جاء نتيجة لتطور الوجود المادي أولاً. أما إذا كان هناك تطور في الفكر على حساب الوجود المادي، فسيحدث بالضرورة تشوه في عملية التطور، سيبقى هنا غريباً غير منسجم مع حركة الواقع.