|
From : s_4_momani@yahoo.com
Sent : Saturday, November 12, 2005 1:43 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : فليرحم الله مصطفى العقاد ومن معه
حينما يرحل
الكبار تشتد الفجيعة
فليرحم الله مصطفى العقاد ومن معه
صلاح المومني
لم يكن لي شرف مقابلته ، وليس بجارنا أو ساكن حينا، لكنه دخل بيوتنا
واستقر في سويداء قلوبنا ...
لقد قدم لنا وثيقتين تاريخيتين، وأهدانا جوهرتين نفيستين، وكانتا تخصان
كل فرد من أفراد العائلة العربية والمسلمة...
كان يرسم لنا صورة الإسلام الناصعة من خلال حركة الجهاد التاريخية، تلك
الحركة التي تحارب الكفر والاستعمار وتخط منهج المسلمين الحقيقي في
الدفاع عن دينهم ووطنهم. وكم كان ناجحاً في إظهار سماحة الإسلام وعدله
!!!
في فيلمه "الرسالة" رسم صورة الدين العظيم الذي جاء لإنقاذ الإنسان
وتحرير الشعوب، رسمها صورة واضحة لا يغفلها إلا من ابتلي بعمى القلب. لقد
جسد المواقف النبوية التي لا تزال مثلاً في الخلق الرفيع، وسيادة الضمير
، وانطلق مختصراً حقبة تاريخية كانت أعظم حقبة في تاريخ المسلمين ، لكنه
لم ينقصها حقها ولم يستثن من حادثاتها أي حادثة مهمة.
لقد رأينا فيلم الرسالة إذ نحن أطفالاً، وكبرنا وكبر معنا الفيلم، وكنا
في كل مرحلة نفهمه بما يتناسب مع نضجنا وسعة أفقنا ، وما كان ذلك ليتم
لولا أن الله جعل في مخرجه مقدرة على محاكاة النفوس بكل تقلباتها ، في
مراحلها الأولى للفهم ، ومراحلها المتتالية .
إن أجمل ما في هذا الفيلم أنه لا يمل رغم أن أحداثه معروفة ومقروءة في
كتب السيرة جميعها ، ولا تكاد تمضي مناسبة إلا ويحدثنا خطباؤنا وأئمتنا
في المساجد بذات الحديث ، وكثيرا ما نذهب في إغفاءة إذا لم يوفق سارد
الحكاية بأسلوبه ، لكن مصطفى العقاد –يرحمه الله- قدم لنا الأحداث بلغة
العصر ، وفن العصر ، واستخدم التقنيات المتاحة للوصول إلى عمق التاريخ ،
فلا نزال ننتقل من صورة إلى أخرى حتى ينتهي بنا المطاف في حجة الوداع ،
وهناك نذرف الدموع جميعاً ، مشاهدين وممثلين ، ونصهر نبض قلوبنا حسرة على
فراق نبي الأمة وكأننا عشنا معه الأحداث كلها، بل كنا نجد أنفسنا جزءاً
من الحدث نفسه بتفاعل عشوائي لا إرادي .
ولعل كل الذي أذكره كمشاهد وتربوي لا يكاد يمر بمناسبة إلا ويكون هذا
الفيلم احد وسائله لإيصال رسالة الإسلام الحقيقية للناس ، لعلي أجد
لزاماً علي وقد وجدت ضالتي لتوضيح صورة الإسلام لطلابي أن أقف احتراماً
أو أن أنحني إجلالاً لأستاذ عظيم كمصطفى العقاد ، ومرب لمجتمعات كانت
بأمس الحاجة إلى مثل هذا الفيلم لتعرف حقيقة النبي والرسالة التي أهداها
الله رحمة للعالمين.
ولو أردت الخوض بكل مزايا فيلمه "الرسالة" لما أنهيت، لكن وجب أن أذكرها
مختصراً كما أتانا هو بتاريخنا مختصراً غير أن الفرق بين ما أكتب وبين
سلسلة الأحداث في فيلم الرسالة ، أنه أتى بكل شاردة وواردة وزينها لنا
بثوب فني رائع ، وأخشى أن لا أكون قد وفيته جزءاً يسيراً من حقه في بيان
مآثره وأعماله.
أما فيلم " عمر المختار" فقد كان تبعاً للرسالة العظيمة التي جاء بها نبي
الأمة ، وكان جزءاً من مثله التي سنها لحالة الحرب والسلام ، فمن خلال
هذا الفيلم ظهرت صورة الإسلام القوي العزيز الذي يرفض الاحتلال أو
الاستعمار، وكان الشيخ عمر المختار قد جعل من حقيقة القرآن العملية لوحة
فنية قلت نظائرها، فما كان للأستاذ القدير والفنان العبقري إلا أن أعاد
رسمها بدقة وإتقان ليرى العالم ومن خلال الشاشتين الكبيرة والصغيرة صورة
من صور الإسلام الرائعة.
لقد كان فيلم "عمر المختار" تجسيداً عملياً لصور الثورات التي تباركها
الشعوب وتقف إلى جانبها ، تدعمها دون خوف أو وجل ، تضحي من أجلها بكل غال
ونفيس ، وهذه صورة لا ينكرها حتى الأعداء.
ربما كان فيلم عمر المختار من الواقع الليبي ، ومن صور التحرير التي قام
بها شعب ليبيا العزيز ، لكنها تحمل عوامل مشتركة بين جميع الشعوب
المقهورة ، وتحمل صوراً لانتفاضات كثيرة في العالم تعلن رفض الاستعمار
ونبذه لتسود الشعوب المجاهدة المناضلة ، أجل إنها صورة بريئة من الإرهاب
ومخلصة لله والوطن والإنسان ، وما كانت لتظهر بهذه الحالة الرائعة لولا
أن الله قد قيظ لهذه المهنة محترفيها، فكان العقاد عميدهم بإخراج هذا
الفيلم .
فيلمان ، بل جوهرتان نفيستان أستاذنا الرائع ، تركتهما لنا لكي لا تموت
ذكراك حينما ترحل ، ورحيلك عنا بهذه الصورة القاتمة المعتمة لا يشرف
الإنسانية ولا حملة الرسالة ، لقد شوهوا الرسالة وشوهوا معنى المقاومة ،
فما كان لها مهما تذرعت بالأسباب أن تقتل مثلك وما كان لها أن تصيبنا في
صميم قلوبنا.
ونيابة عن عشيرتك الأردنية أقول:
لم تعتد عشائرنا الغدر بضيوفها ، وكنت منهم وعميدهم ، ولا تجد عشائرنا
الأردنية مفخرة بإراقة الدماء البريئة ، بل اعتدنا في الأردن العربي
المسلم امتداد الشام والعراق وفلسطين ، وامتداد الوطن الكبير ، اعتدنا أن
نكرم ضيوفنا ،نكرمهم بكل ما في بيوتنا ، نفتديهم بدمائنا وأرواحنا ، لكن
الذي حدث لم يكن بحسابنا .... لقد تمنيت لو كنت حاضراً لكي أحتضن تلك
القنبلة الحاقدة فأفتديكم جميعاً، فلا تخترق شظاياها إلا جسدي، وأنا على
يقين أن كل أردني مخلص له ذات الأمنية... فضيوفنا وإن كانوا من أهلنا لهم
علينا حقوق أقلها أن نفتديهم بأرواحنا... لكنا لا نقدم ولا نؤخر بقضاء
مكتوب أو قدر نافذ، وما لنا إلا أن نقول : لله الأمر من قبل ومن بعد..
ولا راد لقضائه.
إن الذي حدث وإن كنا نبرأ منه، هو وصمة عار حتى نجد الفاعل الحقيقي ،
وبذات المكان نعلق له مشنقته ، وبسقف القاعة التي دمرتها أياديهم السوداء
، وقلوبهم الحاقدة . لن نهدأ أيها الراحلون وعلى رأسهم عميد فنّنا العربي
الأصيل الأستاذ مصطفى العقاد حتى نأخذ لكم بثأركم ، فالثأر عدالة لا
ينكرها قانون ، والوطن الذي استضافكم وودعكم بأكفانكم لن تنام عيونه حتى
تجد العدالة طريقها للمجرم ، وما كان لمجرم أن يجد طريقه للعدالة ، بل
يجرون في الشوارع كما الجيف ... فمثلهم لا يكرم بدفن ولا حياة.
أيها الراحلون جميعاً:
ما أشد فجيعتنا بفقدكم ، وكلكم أحباء لنا على أرضكم ووطنكم ...فليرحكم
الله ؛ وللأحياء من بعدكم مشقة وعمل غير يسير حتى تقر أرواحكم وتهنأ
بعدالة لا تشوبها شائبة ... هذا عهد الأردنيين بكل أطيافهم وعشائرهم ،
إخوتكم وأهلكم... ولن يكون بلدنا إلا مضيافاً كما عهدتموه ... لن يكون
إلا آمنا لكم من كل روعة... فلنجدد العهد مع إخوة الدين والدم، ولنجدد
العهد لكل ضيوفنا من كل بقاع الأرض.
|