خيوط أخرى نسجت أبعاد المؤامرة على فلسطين.. حيثيات بسيطة ولكن قاتلة..
فهمي خميس شراب
محاضر في جامعة الأقصى/ غزة- خان يونس
Fahmy1976@yahoo.com
12 نوفمبر 2005


كنت اشك في مصداقية العبارة القائلة " التاريخ يعيد نفسه" فكثير من العبارات التي كنا نسمعها منذ نعومة
إظفارنا أصبحت مكان شك .. حيث كنا نسمع ونحفظ طبقا للطريقة التقليدية ونمط التدريس السائد, وخاصة أننا كنا نعيش في ظل ظروف احتلال مقيت لا يوفر أي فرصة للتقدم من الناحية التعليمية ذلك إذا لم يقم بإقفال مراكز التعليم جميعا...
والآن, وبعد أن تفتقت أذهاننا وصحت عقولنا وتفتحت عيوننا نرى بان مثل تلك العبارة هي بالفعل صحيحة... حيث شهد التاريخ فعلا ظواهر معينة تكررت ودون تحصيل أدنى استفادة من التجربة... فنجد أن نموذج الخيانة هو نفسه يتكرر ولكن مع اختلاف الشخصيات .. فعندما طلب جلال الدين خال "قطز" المدد في الجيوش والعون من البلدان العربية المجاورة في سوريا ومصر لمحاربة التتار والذين كانوا آنذاك قاب قوسين أو أدنى من بلده رفضوا مساعدته رفضا قاطعا مع أن التتار بعد أن يفرغوا من جلال الدين والذي اتخذ "غزنة" مقرا لحكمه سوف يأتون بسرعة الرياح ليجتاحوا بلاد العرب وليجوسوا في البلاد ويعيثوا في الأرض فسادا وهذا للأسف ما قد حصل.. وقتل جلال الدين قهرا آلاف المرات من الخذلان العربي قبل أن يقتل على يد الرجل الفارسي في الكهف...
كما وضاعت الأندلس بسبب التنازع على الحكم وعلى تآمر وتحالف بعض الحكام العرب مع الغرب المسيحي من اجل مصالح دنيوية ومصالح شخصية أنانية لا تخدم إلا شخص أو مجموعة حاكمة...
وغيرها من الأحداث المهولة التي شهدها التاريخ ويمكن حتى أن نرى مثل هذه الأحداث من خلال تاريخ فلسطين في الثلث الأول والثاني من القرن العشرين حيث قدمت بريطانيا مشروع تقسيم 1937 وهو يخدم اليهود أكثر ويمكنهم من إقامة دولة على ارض خصبة وغنية وساحلية وأعطى في المقابل الأرض البور للفلسطينيين وأيضا يجعل المقدسات الإسلامية في أيدي الانتداب .. فكانت معارضة شديدة من الناحية العربية الشعبية وكان الوحيد الذي لاذ بالصمت هو الأردن.. وصمته هنا يعني موافقة ضمنية حيث أراد ملك الأردن آنذاك وحتى قبل ذلك بان يضم إليه جزء كبير من فلسطين حتى يصبح ملك على الدولة العربية المتحدة التي ستتحقق في حال تنفيذ مشروع التقسيم.. فدائرة التنافس كانت تتسع أمام ملك الأردن وال سعود في الخليج على المنطقة الفلسطينية... وحتى السعودية حينما عارضت لم تعارض مشروع التقسيم من اجل مصلحة فلسطين .. ولكن خوفا من تنفيذ المشروع ونجاح الأردن من بسط نفوذها أكثر في المنطقة...
ولم يرى مثل هذا المشروع النور .. حيث كانت حادثة اغتيال حاكم لواء الجليل "اندروز" بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير حيث تدل هذه الحادثة على تطور أسلوب المقاومة وتمكنها من الوصول إلى شخصية عسكرية كبيرة وهذا مؤشر خطر وكما حدث في أوائل انتفاضة الأقصى المباركة عندما وصل إخواننا البواسل في الجبهة إلى قتل وزير السياحة الإسرائيلي "زاييفي"...
فكان من بريطانيا أن صعدت من سياستها وفرضت آنذاك عقوبة الإعدام.. واعدم أكثر من 100 مقاوم ممن يمتلك السلاح وأحكمت الطوق حول فلسطين من اجل وقف المساعدات من الخارج ومنعت كبار الشخصيات من الدخول إلى فلسطين ونسفت البيوت وفرضت الغرامات وكل ذلك من اجل في النهاية وبالطبع أن يوافق الفلسطينيون على أي خطة للتقسيم عندما يعرض عليهم حيث كانت المعارضة الفلسطينية على أوجها ...

ويجيء بعد ذلك مشروع الكتاب الأبيض وهو مشروع تقسيم أيضا حيث أرادت بريطانيا أن تحتفظ بسلطتها في المنطقة إلى أن تتم عملية الانتقال من الانتداب إلى الاستقلال وأيضا تسمح لخمسين ألف مهاجر يهودي بالدخول إلى فلسطين خلال 5 سنوات بالإضافة لدخول 25 ألف يهودي على دفعة واحدة وهؤلاء الفارين من الاضطهاد في الغرب..
ولم ينجح هذا المشروع أيضا ولكن هذه المرة لأسباب خارجية تخص بريطانيا أكثر حيث كان السبب الحقيقي وراء فشل المشروع وعدم تنفيذه ليس خوف بريطانيا من العرب بل هي أسباب ذاتية بحتة خاصة ببريطانيا حيث جاء مشروع التقسيم في ظروف اشتداد الخطر النازي- الفاشي الذي يهدد مصالحها في الوطن العربي وفي هذه الأثناء كان الملك عبد الله ملك الأردن يحاول جاهدا أن يرى أي تقسيم في فلسطين حيث قدم بنفسه مشروع بعد أن أدرك بفشل مشروع الكتاب الأبيض وخاصة بعد أن تفاوض مع لجنة "وود هيد" على أن يرضي اليهود ويضمن حقهم فيما لو تأسست دولة موحدة لهم على أساس أن يكون بالطبع هو ملك المنطقة كلها ...

ونقفز عن مشاريع أخرى مثل "موريسون" لأنه أيضا لم يرى النور ونأتي إلى فترة أل 1948 حيث وفي عنفوان المقاومة للاحتلال قامت القوات الأردنية باقتحام مقر قيادة الجهاد المقدس في بيرزيت وسحبت كل الأسلحة من أيدي المقاومة الفلسطينية وحلت التنظيمات الجهادية .. وفشل العرب في الحفاظ على معظم الأراضي الفلسطينية حيث سيطر اليهود على أكثر مما كان مقرر لهم في جميع المشاريع التي قدمتها بريطانيا وعارضها العرب- سيطرت على أكثر من 20 ألف كيلو متر مربع-.. وهنا استغرب من دور الأردن اشد الاستغراب لأنه اخذ دور الشخص الانتهازي الذي يترقب من بعيد وينتظر الفرصة لكي يغتنم شيء ما بغض النظر عن طبيعة الأطراف أو عن مستقبل طرف ما .. وكان الأمر لا يعنيه أو كان فلسطين لا تعنيه إلا عندما يرى بأنه قد يكون له منها نصيب!!!
إذن, ضياع فلسطين لم يكن لسبب واحد فقط .. إذ لم يكن تقصير من المجتمع أو الشعب الفلسطيني .. فقد اثبت المجتمع آنذاك انه على قدر المسؤولية وانه تصدى بكل قواه وقد قاوم وأوجع العدو في جميع مراحل المقاومة وقدم الشهداء في كل الفترات .. ولكن تخلل ذلك خذلان عربي .. إذ كان من المنتظر أو المتوقع لعب دور اكبر من قبل الحكام والملوك العرب .. لا أن يتفرجوا مكتوفي الأيدي وكأن الأمر لا يعنيهم .. وحتى عندما جاءت الجيوش العربية في ال 1948 جاءت متأخرة كثيرا حيث كان اليهود قد احتلوا أهم الأماكن ولم ينتبه العرب بان بريطانيا قد انسحبت بجيوشها قبل الإعلان الرسمي أي قبل 15/5/1948 وهذا شجع سياسة الهجرة اليهودية المتزايدة آنذاك .. وفاتهم بأن اليهود الذين أمامهم هم الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية أي أنهم تدربوا على أيدي الجنرالات البريطانيون وأيدي الحلفاء المنتصرين آنذاك .. فقد استخفت الحكومات العربية بما يحدث في المنطقة , إذ لم يقدروا الأمر حق قدره..وهذا خطا تكتيكي واستراتيجي جسيم اخطئوا هم فيه ولازلنا نحن وحدنا نعاني من آثاره البغيضة وندفع الثمن من دمائنا ..
ونحن لم نخطأ عندما نقدم مدخلا لدراسة القضية الفلسطينية ونقدم نظرية مفادها بان تاريخ فلسطين يبدأ من خلال تتبع" مسلسل الخيانات العربية" أو من خلال مفهوم "الفرص الضائعة" أو من خلال مفهوم "من هو المسئول"... كما أن مفهوم التاريخ يعيد نفسه هو مفهوم صحيح لا غبار عليه والدليل هو ما نحن عليه الآن...