|
البيعة قمة
الاستبداد بالمغرب
علي لهروشي
مواطن مغربي مع وقف التنفيذ
امستردام هولندا
alilahrouchi@hotmail.com
0031618797058
يدخل العالم القرن الواحد والعشرين الزاخر
بالاكتشافات و الابتكارات و الإبداعات في جميع المجالات الاقتصادية و السياسية
و الثقافية و اللغوية و القانونية وعلى رأسها حقوق الإنسان ، حيث سقطت رموز
القهر و الاستبداد , وقضي على بعض الطغاة عبر المظاهرات الشعبية التي اقتحمت
مقرات البرلمانات , أو القصور الرأسية بعدما استنفدت الجماهير الشعبية صبرها ،
و لم يعد أمامها سوى الانتفاضة المشروعة ، هدفها الأوحد و الوحيد هو إبعاد
الطاغي و حاشيته عن سدة الحكم ، بعدما تأثرت تلك الجماهير من قبل قياداتها
اليسارية المخلصة لها ، وتفاعلت مع المتغيرات الدولية و العالمية ، حيث التصنيع
و التكنولوجية ، و المعلوماتية و التواصل السريع عبر الإعلام و الانترنيت ، وكل
المجالات التي طورها العقل البشري خدمة للإنسان ، أو للقضاء على الإنسان فتعددت
الابتكارات و الاكتشافات من الحاسوب إلى القنابل ، و تقنية الاتصال و المواصلات
، فنفد الإنسان بين أقطار السماء و الأرض ، فمن الطائرات بدون طيار إلى الأقمار
الاصطناعية ، ثم البوارج الحربية ، ناهيك عن الاجتهاد في الطب و العلاج واكتشاف
الأدوية للأمراض الفتاكة و الاستنساخ ، والتوسع في الطب النفسي لمعرفة
سيكولوجية الإنسان للعمل على معالجته ، ومعرفة كل ما يلف به من مخاطر و هموم ،
لدى ظهرت القيم المدافعة عن الإنسان وحقوقه المادية و المعنوية ، و حقه في
المشاركة و التطور و الاختلاف ، كأساس لتظل الأرض و القرار ، و الخيرات ملكا
للجميع تحت سقف الحق ، و العدل و المساواة ، ومن خلال هذا يتبين أن كل شيء
يتغير ، و يسير نحو التطور سوى الشيء الجامد كالأحجار و الجبال ، وقد تمكنت
الحركة العالمية و الشعبية أن تتفاعل عبر العالم مع هذا التغيير ، و المتغير
وإن كان ذلك يختلف بين البطء و السرعة من مجتمع لأخر حسب القوانين المشرعة من
قبل الشجعان من الحكام المستوعبين لمتطلبات ومتغيرات العصر ، التي تفرض عليهم
إجراء الانتخابات النزيهة ، و فصل السلط و استقلالية القضاء ، وإقرار المحاسبة
و المساءلة و المحاكمة لكل من يستغل سلطته أو نفوذه كيف ما كان موقعة السياسي
أو الطبقي أو السلطوي ، أو حسب قوانين الجبناء المستمدة من المؤسسات المزورة
المصنوعة و الخادمة للحاكم الطاغي، التي لا تزال متمادية في تكبرها ، وعجرفتها
، و تسلطها وقمعها للجماهير الشعبية بمختلف الأشكال المباشرة منها و الغير
المباشرة مستمدة قوتها في ذلك بما تتلقاه من دعم من قبل الصهيونية العالمية
التي تريد أن تعيش بمعزل عن الشعوب ، بأنانية الإنفراد بكل شيء لتجويع الآخرين
وجعلهم يطيعون بمنطق العصا و الجزرة, و هذا ما يعاني منه الشعب المغربي .
لقد مرت أربعة عشرة قرنا على ظهور محمد رسول المسلمين الذي تمكن بفضل ما يملكه
من قوة ، وذكاء لبناء أكبر أمة أسلامية امتدت حدودها من المشرق إلى المغرب ، و
كانت ركائزها و عمادها هم الجماهير الشعبية الفقيرة التي وجدت في الإسلام جوابا
لمطالبها كي تتحرر من القهر و الجوع و الظلم عبر الزكاة و الصدقة و المساواة ،
وهي المصالح الحيوية التي جعلت هؤلاء يعانقون الإسلام ملتفين و راء قائدهم و
نبيهم الذي تمت مبايعته تحت شجرة بتواضع و إخلاص ، دون أن يقبل أحد منهم يده و
لا رجله، كيف ما كان لونه أو نسبه ، أو طبقته الاجتماعية ، أو موقعه بين الناس
، أو منزلته بين الفقر و الغنى ولم ينصره أحد أو ينافقه ، ويجامله بالمدح أو ما
يشبه ذلك ، حيث كان الهدف الأساسي من تلك البيعة هو تحقيق الوحدة بين المسلمين
و نبد التفرقة ، وجعل اتحادهم قوة في مواجهة الأخر ، تحت كلمة الله أكبر ، و قد
تم ذلك في زمن لا بد فيه من إيجاد شخص يحقق التوحيد و يظل كمرجعية فقهية ،
وقانونية ، وقضائية ، واقتصادية ، و سياسية ، و اجتماعية عندما كانت مرحلة
العرب تفرض عليهم النهوض و النهضة عبر القوة و السلاح ، و من هنا كانت الفريضة
المنسوبة للرب و الإله ، و السنة المستمدة من العمل اليومي للرسول ، كعمليتين
أساسيتين لتحقيق الإجماع الإسلامي ، لغزو الأخر عبر ما سمي بالفتوحات ، التي
أحرقت الأخضر و اليابس ، بمبرر تحرير الشعوب من الجهل و الكفر ، وإعلاء كلمة
الله ، و كأنهم خلفائه في الأرض ، و هو ما تقوم به أمريكا الآن تحت شعار إعلاء
كلمة الحرية ، و نشر الديمقراطية ، إلا أنها تنافق في ذلك عندما تهاجم دولا و
تسقط رؤسائها ، و تدعم حركات سياسية للقيام باقتحام البرلمانات و القصور
الرأسية ، وتحقيق التغير الأمريكي المنشود ، فيما تدعم أنظمة ديكتاتورية و تضمن
بقائها و استمرارها على سدة الحكم حفاظا على مصالحها كما هو الشأن في كل من
المغرب ، و الأردن و السعودية و الكويت – المقاطعة العراقية – و الإمارات
العربية المتحدة ، وسلطنة عمان ، وقطر و حاليا بفلسطين و العراق .
ففي القرن الواحد و العشرون هذا المصاحب بتطوراته على جميع الأصعدة ، و
بإنجازاته العظيمة ، و بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا على تلك الفتوحات لا
يزال الشعب المغربي تحت ضغط ممارسات متجاوزة لا يتقبلها العقل البشري ، و لا
العصر الحديث كسياط الثلاثية المعروفة – الله الوطن الملك – وتجديد البيعة
والولاء للملك كل سنة ، مع فرض نوع اللباس كالجلباب و البلغة و السروال و
السلهام ذات الألوان البيضاء كالكفن ، مع جمع كل الأطباء و القواد و الشيوخ و
المقدمين و العمال و الولاة و رؤساء المجالس البلدية و الحضرية و القروية ،
والمحاكم ، والغرف التجارية و الصناعية ، و البرلمان بغرفتيه ، و الحكومة بكل
من يشتغل بها ، والجنود و الأمن وكل أجهزة القمع للبيعة و تقديم ولاء الطاعة ،
فتسرف بذلك أموال باهظة، تخرب على إثرها الميزانيات ، و تضيع حقوق الغلبة من
الناس باسم الولاء و البيعة و تجديدها ، وقد يتناسى الملك و حاشيته أن أولئك
الذين يبايعونه هم لا يمثلون الشعب المغربي حق التمثيل ، لكونهم مزيفون عبر
الانتخابات المغربية المزورة المعروفة عالميا ، أو عبر الرشوة والمحسوبية و
الزبونية التي أوصلتهم لتلك المناصب ، و بالتالي فالشعب المغربي بعيد كل البعد
عن تلك المسرحية التي تتداولها الأبواق الإعلامية الرسمية و أقلام الصحافة
الجواسيس منهم ، فما هو الغرض من تلك البيعة و تجديدها إذا كان النظام شرعي حقا
، و يستمد قوته من الجماهير كما يدعي ؟ فما المانع إذا كان الأمر كذلك من جعل
الشعب يقوم بصياغة الدستور ، ويجري انتخابات نزيهة ، ومنحها الصلاحيات في
التنفيذ و التشريع و التسيير، فهل لا يزال المغرب في حاجة إلى رسول يوحد صفوفه
؟ ألا يطبق على المغاربة النظام الشيعي حيث القدسية لله و للكتاب و للإمامة ،
وهو ما يمارسه النظام المغربي عندما شرع في دستوره الممنوح على أن الملك مقدس ،
وعلى أنه أميرا للمؤمنين ، وهو ما يطبقه الشيعة مع سماحة الله علي السيستاني و
غيره - ممن سمح لهم الله دون غيرهم من الناس - ألم يعي المغاربة بعد أن الوقت
من ذهب و يشبه السيف ، فإن لم يقطعوه قطعهم ، فصار الوقت لديهم تافها يضيع في
بروتوكولات متخلفة بلباس أبيض و طربوش أحمر ، فيصبحون بذلك في عصر التطور و
النهضة العلمية و المعرفية و العولمة مجرد أكياس من الدقيق أو أموات وجثث
متحركة مصطفة كسنابل من الزرع تميل حسب اتجاه الرياح مرددة كالببغاء " الله
يبارك في عمر سيدي " و بأسلوب يثير السخرية و الاشمئزاز يعيد العبيد مقولة "
الله يرضي عليكم قال لكم سيدي .. الله إعاونكم قال لكم سيدي.. الله إنجحكم قال
لكم سيدي .. تلقوا الخير قال لكم سيدي " ومعروف على أن العبيد منقرض عبر كل بقع
العالم لكنه لا يزال بالقصور النظامية ، فيظهر المغرب بفضل الفضائيات و التطور
الإعلامي الذي جاء به العصر كتجمع بشري يعيش ما قبل التاريخ ، حيث يصاب
المشاهدون بالدول الأخرى بالرعب و العجب ، والاستغراب مما يقع بالمغرب ، حيث
يتساءل بعض الأوروبيون ممن لهم علاقة بالمغاربة من خلال ما تبته القناة
المغربية وهي تقوم بتغطية وقائع البيعة ، أو غيرها من الأعياد الملكية ، على أن
المغرب مجرد غابة لا يقطنها إلا قوم في وضعية الهنود الحمر .
فلا يسعنا إلا أن نقول لهؤلاء على أن الحقيقة التاريخية للمغرب و للمغاربة
الأحرار مندسة برفوف المكتبات الأوروبية التي تظهره كبلد أصيل ذو عروق ممتدة من
الأجداد الأمازيغ الذين كانوا يحكمون القبيلة بأربعين عضوا كي لا تصاب الأحكام
بداء الرشوة أو الارتشاء ، فلم يكونوا يعرفون المكر و الخداع و الخيانة ،
والبيعة ، إذ كان الكل سواسية كأسنان المشط حتى دخلت عليه الممارسات الشريرة
التي أزاحت قطاره على سكة المجد وألقت به في ذاكرة النسيان و الجهل و الاستبداد
، مع دخول السلاطين و الممالك و من يسمي نفسه بالشرفاء فقد جاء في القرآن " إن
الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة و كذلك يفعلون " فأصبح
المغرب كتلك القرية التي تعرض أهلها الأصليون للإذلال ، والاحتقار يركعون و
يسجدون ، و يبايعون في موكب حزين يثير الغضب ، والحزن بقلب كل غيور حر لا يؤمن
بالعبودية ، ولا بمن يمارسها ضد الآخرين من قريب أو من بعيد ، فجل المغاربة
يرددون تلك الآية من القرآن مع أنفسهم أو مع من يثقون به ، وهم متفقون على أن
البيعة شكل من أشكال السخرية ، و يجب السير بالبلاد نحو الأمام بدستور ديمقراطي
يقطع مع كل أشكال الاستبداد و الاحتقار و الظلم و الاستعباد ، و تشكيل مؤسسات
نزيهة تعطي لكل ذي حق حقه ، وتوقف النزيف المالي و الاختلاس للمال العام ، و
تعرف للمواطن حق و واجبات المواطنة |