كفاية , كفاية , كفاية
رسالة الشعوب العربية إلى الحكّام
بقلم / يحي أبوزكريا


لم تبتل الشعوب العربية و الإسلامية بشيئ مثلما أبتليت بحكامها السرمديين الذين فرضوا أنفسهم على ملايين الناس والذين داسوا على كل ما له علاقة بالحياء والخجل و الإستحياء و الضمير , وصبوا في آذانهم أثقالا من القطران حتى لا يستمعوا إلى حناجر الأطفال و الشباب والشابات و الكهول والنساء و العجائر و الشيوخ وهي ترددّ مجتمعة كفاية , كفاية , كفاية .
لكن هل مصطلح كفاية هو مجرّد لفظ يتكوّن من خمس حروف ولا يستبطن شيئا مطلقا , أم أنّه مدلول سياسي كبير يختصر الزمن العربي الرديئ والذي صاغه حكامنا كل حكامنّا بإمتياز .
الواقع أنّ هذا المصطلح الذي إصطفّ وراءه تيّار المستضعفين في مشرق العالم العربي ومغربه , هو رسالة سياسية واضحة وبينة وموجهّة إلى الحاكم العربي الذي فرض نفسه عنوة وبالقوة على رؤوس الأشهاد .
والمصطلح دعوة لهذا الحاكم السرمدي الذي فرض نفسه ومنهجه السياسي الإستبدادي منذ عقود على مجتمعات حدثت فيها نقلة رهيبة في تفاصيل الحياة بالتنحي , ومعنى المصطلح أيضا كفاية للحاكم الأوحد الأحادي المتوحد الذي لا شريك له , كفاية لظلمه وإستبداده وقمعه و إحتقاره للناس وعلوه في الأرض كفرعون وهامان والنمرود , كفاية لأحاديته وأحادية حزبه وكفاية لترفعه على الناس و سحقه لهم وسرقته لأقواتهم , كفايه لعمالته لأمريكا وإسرائيل ولمن يمكّن له في عرشه وحكمه , كفاية لأجهزته الأمنية ذات الأيدي الطويلة الباطشة الفتاكة الضاربة المعذبّة للأبرياء أنّاء الليل وكل النهار .
كفاية لسجونه و معتقلاته و مؤامراته ودسائسه و خبثه ومكره و بغيانه و صلفه وطمعه وجشعه و نهمه لثروات الأمة الظاهرة والباطنة , كفاية لحضوره الدائم في الشاشات الصغيرة و الإذاعات و الإعلانات والجرائد والمجلات والعملات النقدية و الرسوم المتحركة وأسقف المراحيض .
كفاية لعلوه وترفعه وحكمه منذ عقود من الزمن تشكلّ فيه جيلان أو أكثر لا يعرفون إلاّ السيد الرئيس والذي يحاول أن يقاوم تصاريف الليل والنهار بطلي شعره وترقيق حاجبيه و نفخ خدوده ليبدو شابا و رسول الإسلام ص يقول لعن الله الشيخ المتصابي.
كفاية مصطلح معناه كفاية للديماغوجية و الضحك على الذقون و الوعود النهضوية الكاذبة و التي لم يتحقق منها شيئ , كفاية للغطرسة و الظلم و السلب والقهر و التفرعن و النهج السايسي البالي الذي هجرّ العقول و النفوس والأبدان من بلادنا , كفاية للشعارات الكاذبة و النفاق السياسي والدجل , كفاية كذبا على الجماهير بأن الرئيس مواطن من الجماهير وهو يسومهم سوء العذاب يوميا يذبح رجالهم ويستحيي نساءهم , كفاية للعذاب السياسي والإقتصادي والأمني و الإجتماعي والثقافي , كفاية للشخص الواحد الذي فرضته الدبابات و الإنقلابات و الإرادات على شعوبنا , كفاية من إعتبار الشعوب العربية غير ناضجة ديموقراطيا وبالتالي لا يصلح أن تحكم نفسها بنفسها , كفاية للحاكم العربي الذي يعتبر نفسه الأفهم والأوعى والأذكى و الأرشد والأبلغ و الذي يعتبر الأمة دون سنّ البلوغ ولم تبلغ الحلم ومع ذلك يقيم عليها الحدّ الشرعي والقانوني وهو أبعد ما يكون عن شرع السماء وشرع الأرض .
كفاية للطغاة والجبابرة الذين هجرّوا البسمة والسعادة من أوطاننا , أو بتعبير نزار القباني :
حتى الطيور تفر من وطني , كفاية للذين صادروا حقوق الجيل المقبل في صياغة مستقبله بتعيين أبنائهم وأقاربهم وأبناء زوجاتهم وعشيقاتهم أوصياء على هذه الأمة المستضعفة , كفاية للحكام الذين وصلوا إلى أرذل العمر و أصيبوا بحالة الشيزوفرينيا و الخرف وما زالوا يأملون في حكم العباد , متناسين أنّهم بذلك فرضوا على الأمة أن تكون مريضة وفي حالة غيبوبة متواصلة , كفاية لهذا الحاكم الذي نجح في نشر سياسة الرعب والترهيب والخوف بين الناس , كفاية لمن دجنّ الثقافة وخنثّ الكلمة وعهرّ القصيدة و خبثّ السياسة , كفاية للذي جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والسائل الأسود وهربها إلى بنوك أوروبا ليستمتع لاحقا بشقروات أوروبا بعيدا عن أمته التي سببّ لها عاهة حضارية مستديمة , كفاية لتعفين النظام السياسي وتحويله إلى شركة ذات أسهم قوامها الرئيس وزوجته وأولادهما الذين هم على خطّ أبيهم في سرقة أقوات الناس , كفاية للذي رتبّ ديونا بملايير الدولارات على الجيل الراهن والجيل المقبل , و الذي كان بإمكانه أن يقضي كل الديون المترتبة على دولته من ماله الخاص و مال أولاده المسروق من أقوات الفقراء والمستضعفين , كفاية للذين حولوا المجتمع العربي إلى بيت دعارة كبير تسوده الفواحش ما ظهر منها و ما بطن , كفاية للذي نشر المخدرات وتاجر بها بين الشباب والناس , كفاية للذي مكنّ لعصابته من رجال الأمن وضباط الإستخبارات و أطلق يدهم في القتل والخطف والسرقة والسطو و الإتجار بالمحرمات وأخذ العمولات من الشركات الأمريكية والفرنسية والعبرية التي تبيعنا السموم , كفاية للذي خرم دستور البلاد , و حطمّ الرقم القياس في حكم البلاد والعباد , كفاية للذي تسببّ في خراب العمران والبنيان والإنسان , كفاية للكذب على الناس , كفاية للوجوه المجعدّة العبوسة الكالحة المسودّة من أثر الذنوب والمعاصي , كفاية للذين سلبوا ونهبوا و سرقوا و إغتنوا , كفاية لمضيعي الأوطان , كفاية للقدماء رموز المراحل السابقة مراحل الإستبداد والطغيان والخوف والذعر والملاحقة , كفاية لرموز حالة الطوارئ وحكام الطوارئ و الأحكام الإستثنائية , كفاية لبناة السجون والمعتقلات و منتجي فنون تعذيب الإنسان , كفاية للمعذبّين والمنكلّين و المتأمركين , كفاية للذين تسببوا في الإنهيار الحضاري و الإحتراقات الوطنية ومنتجي الحروب الأهلية , كفاية لحكام الإستئصال و جنرالات الدم , كفاية للعسكر الذي حولوا المواطن إلى جندي يجب أن ينفّذ كل شيئ ولا يجب أن يناقش مطلقا , كفاية للذين ذبحوا الحرية و الديموقراطية , كفاية للذين دمروا الإنسان العربي والأوطان العربية , كفاية من الذين عميت أعيننا من النظر إليهم منذ عشرات السنين , كفاية من حكم العسكر و البدو و العائلة التي ترث الأرض ومن عليها , كفاية من الذين قرأنا أسماءهم في كتب التاريخ منذ عقود وما زالوا هم هم لم يتغيروا مطلقا , كفاية من النهج السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي تسببّ في النكبة الكبرى في عالمنا العربي .
كفاية أيها الحاكم الذي لا تخجل ولا تستحي , وبالرغم من صرخة كفاية من المواطنين المستضعفين تستمر في الحكم و لسان حالك أنا لا يكفيني شيئ أنا ربكم الأعلى !