From : samiroff@hotmail.com
Sent : Tuesday, May 3, 2005 6:34 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

المشهد العراقي: حكومة تهرب للخارج، وأخرى تتشكل في الداخل
 والعراق على حافة الحرب الأهلية!
بقلم: سمير عبيد / كاتب ومحلل سياسي ــ أوربا


يحتّم علينا سياق الموضوع العودة إلى الوراء قليلا كي تتوضّح الصورة للقارىء والمتابع، فعندما تقرر إجراء الانتخابات العراقية على ضوء قياسات قانون الدولة العراقية الذي كتبه الإسرائيلي الأميركي ( نوح فليدمان)، ووافق عليه الحاكم الأميركي السابق للعراق ( بول بريمر) وصوت عليه أعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذين تم اختيارهم من قبل قوات الاحتلال، والذي على ضوءه جاءت نتائج الانتخابات شبه السريالية، خصوصا عندما تم إقحام الرموز الدينية في تلك الانتخابات بطريقة أساءت لهؤلاء الرموز، ولشرائح كبيرة من الشعب العراقي، وكذلك عندما تم اعتماد أسلوب الترغيب والترهيب ضد المواطنين العراقيين والأحزاب الصغيرة، ناهيك عن عمليات التزوير والتلاعب وبشهادة التقارير المحلية والدولية، أما الخلط القانوني والتلاعب في الأمور الذي تم إعتمادة في انتخابات العراقيين في الخارج فحدث ولا حرّج حيث أشرفت على أصوات وانتخابات الخارج مؤسسة دولية ليست لها علاقة بهذا العمل إطلاقا، وهي منظمة ( الهجرة العالمية).

لذا فالانتخابات ونتائجها لا تستند إلى القانون والشرعية، حيث من قررها واعتمد نتائجها هو المحتل، والذي ترشح بها غامض وغير معروف في شخصه وتوجهاته للشعب العراقي إلا بنسبة 20% تقريبا ولبعض المرشحين، حيث تم اعتماد الطريقة الإسرائيلية في تلك الانتخابات، وهي اعتماد نظام ( القائمة الواحدة) أي يختار المواطن قائمة لا يعرف ما تحتوي من أسماء وأجندة وطلاسم وحيّل وبرامج سياسية، وساند تلك العملية الانتخابية الهزيلة بديباجاتها ونتائجها، والتي يراد تصديرها إلى بقية الأقطار العربية إعلاما أميركيا مبرمجا صورها على أنها زحفا ديموقراطيا، وقبولا كبيرا بالاحتلال وسط تعتيم إعلامي شديد على ما حدث ويحدث في داخل العراق.

وما إن انتهت الانتخابات حتى تنكر المرشحون الرئيسيون في تلك القوائم التي تبركّت بالطريقة الإسرائيلية لوعودهم التي أعطوها للمواطنين العراقيين، ومنها المطالبة برحيل الاحتلال أو جدولة الرحيل على أقل تقدير، بل طالب هؤلاء ببقاء قوات الاحتلال في العراق وكان على رأس هؤلاء الشيخ غازي الياور، والسيد الجعفري، والسيد الطالباني، والسبب لأن هؤلاء أي الذين فازوا بالانتخابات و اشتركوا في دوائر الاحتلال، وفي البرامج التي يرعاها الاحتلال داخل العراق يعرفون جيدا إن نهايتهم بنهاية الاحتلال، لهذا صوروا للشعب العراقي أن الاحتلال هو صمام الأمان للعراق والشعب العراقي، وهو الضامن لوحدة العراق، وصوروا للشعب العراقي أن هناك أطيافا سنيّة ومجموعات متبقية من أركان النظام السابق تريد قتل الشيعة في العراق والسنة الذين مع الاحتلال، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، وما هذه الصورة إلا للمتجارة السياسية، ومن أجل البقاء في القصور والكراسي التي يجلسون عليها في المنطقة الخضراء!.

أحمد الجلبي يعود قويا.. وأياد علاوي يهرب ضعيفا!

تجاذبت الأطراف السياسية والحزبية بعد الانتخابات، وخصوصا التي تمتلك النفوذ في حلبة اللعبة، وذلك حول كيفية تشكيل الحكومة الانتقالية، وبقي الأمر ـ شبه مهزلة ــ بل مسرحيّة لهو لجميع شعوب العالم، حيث تبين إن الخاسر الأكبر هو العراق والشعب العراقي، حيث لا يوجد من يمثله حتى ولو بنسبة 5%، ولهذا بقيت عملية الولادة مستمرة في غرفة إنعاش سريّة، و منذ 1/2/2005 حتى نهاية شهر نيسان / أبريل 2005 حيث جاء الوليد ( المشوه) الذي أطلق عليه اسم حكومة الجعفري، و لا نتوقع لهذا الوليد المشوه الاستمرار، بل الذي نتوقعه إن هناك مزيدا من العمليات الترقيعية، وربما سيصل الأمر لحد بتر أعضاء من جسم هذا الوليد، و الذي لا يليق بالعراق وتضحيات الشعب العراقي، وبهكذا أجواء مرتبكة شعارها النفعية تم تنصيب السيد ( إبراهيم الجعفري) رئيسا لتلك الحكومة ــ غير المتجانسة ــ والتي ينقصها الانسجام وروح الفريق الواحد.

ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، حيث أن رئيس الوزراء الفعلي للعراق هو السيد ( أحمد الجلبي) وهو الصديق الحميم إلى وزير الدفاع الأميركي ــ رامسفيلد ــ الذي حرص زيارة بغداد كي يشترك في تشكيلة الحكومة العراقية الانتقالية، وينهي مسرحية العداء والجفاء المزورة والمفبركة بين الجلبي والبنتاغون، والتي على ضوءها دخل الجلبي في اللعبة الطائفية، وأصبح عنصرا فعالا في المعادلة الطائفية، وفي دهاليز المرجعية الشيعية، والمايسترو لمجموعة إيران داخل قائمة الائتلاف، لذا جيء بالجعفري كواجهة فقط، كون السيد الجلبي في ذمته ملفات دولية ومحلية غير محسومة، أما من الأعلى فجيء بالسيد جلال الطالباني ليكون رئيسا للعراق، وبذلك أصبح الجعفري بين عملاقين أو بين جبلين سيتحكمان حتى بكمية الأوكسجين التي يستنشقها السيد الجعفري، ومن يعرف سياسة وتكتيك وعلاقات السيد الجلبي والطالباني السرية مع الأطراف الأميركية سيردّد حتما عبارة ( ساعد الله الجعفري!).

لذا لن يتمكن السيد الجعفري من فعل أي شيء، بل سيكون ( الشماعة) التي ستعلق عليها جميع الأخطاء والقرارات المقبلة، والتي قد تكون ضد مصلحة الشعب العراقي ومستقبل العراق، وقد تكون هناك قرارات تتيح قتل الشعب العراقي بحجة الإرهاب مثلما حصل في الفلوجة والنجف الأشرف وغيرها من المدن العراقية، خصوصا والسيد الجعفري هو الحلقة الضعيفة في قائمة الائتلاف حيث لا يمتلك العمق القبلي ــ العشائري ــ الكبير والجرّار، ومن ثم لا يمتلك القوة الحزبية ــ المليشيات ــ الكبيرة والمؤثرة، وفوق كل هذا لا يمتلك القاعدة الجماهيرية ــ حزب الدعوة ــ حيث إن أغلب أعضاء هذا الحزب العريق تفرقوا عن السيد الجعفري وأصبحوا أما في صفوف حزب الدعوة / تنظيم العراق، أو بين صفوف الأحزاب الإسلامية الأخرى، وخصوصا التي تم استحداثها بعد سقوط النظام في بغداد، ومنهم من نفر من جناح الجعفري داخل الحزب ــ حزب الدعوة الإسلامية ــ حيث إن بعض قيادات هذا الجناح لازالت تحمل الجنسيات غير العراقية ــ أي إنهم ليسوا عراقيين ــ !.

لذا فحكومة السيد الجعفري زرعت بنفسها ألغام التفجير وفتائل الاحتراق، خصوصا عندما جاءت في الأيام الأخيرة من ( المهلة) الممنوحة لعملية التشكيل، مما سببت لعبة الوقت والزمن نوعا من الإرباك الذي أعطى حكومة غير منسجمة، خصوصا عندما برزت سيطرة شبه كاملة على بيت المال العراقي من قبل ( الجلبيون) أي أن السيد أحمد الجلبي أصبح نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير النفط بالوكالة، ويقابله ( أبن خالته) وصديقه الحميم وشريكه في الصفقات السيد عبد الأمير علاوي الذي أصبح وزيرا للمالية، ولهذا قرّر السيد ( أياد علاوي) الذي كان رئيسا للحكومة المؤقتة مغادرة العراق هو والمقربين من حكومته من الوزراء ومساعديهم صوب الإمارات العربية المتحدة، وتحديدا ( دبي) أواخر شهر نيسان / أبريل 2005 أي بعد إعلان حكومة الجعفري بساعات حاملين معهم تخويلا من السفير الأميركي في بغداد بأنهم سيكونوا الممول لما تحتاجه السوق العراقية من المواد الغذائية والسكر والأدوية والطحين، وما تحتاجه المصانع العراقية من إمداد وقطع غيار، خصوصا عندما صرّح لنا مصدر مقرّب جدا من علاوي والآن في دبي ( إن وزير المالية في حكومة علاوي وافق على تحويل مبالغ جميع الصفقات المستقبلية ووافق عليها السفير الأميركي في بغداد لتكون بيد السيد علاوي وجماعته وكأنها رشوة له مقابل الخروج من العراق وفسح المجال للجلبي) ولهذا غادر علاوي إلى دبي وبعد فترة مكوث بسيطة سيغادر إلى بيروت وبعدها إلى لندن ليستقر هناك، وهو يحمل نوعا من الإحباط، حيث جاء خصمه اللدود أحمد الجلبي ليكون رئيسا للوزراء والآمر الناهي في العراق.

لهذا نعتقد ما حصل ويحصل وسيحصل هي عملية قصقصة منتظمة إلى أجنحة السيد ( الجعفري) وجزء كبير من قائمة الائتلاف، ولهذا ذكّر السفير الأميركي السابق في إسرائيل، والمشرف السابق على تنظيمات المعارضة العراقية في الخارج السيد ( إنديك) ومن خلال قناة الجزيرة الفضائية / برنامج الاتجاه المعاكس قبل أكثر من أسبوعين قائلا ( انظروا نحن نقترب من الإسلاميين، فالسيد الجعفري، وحزب الدعوة كان على لائحة المنظمات غير المرغوب بها في وزارة الخارجية الأميركية) وكان بمثابة تذكير للجعفري من جهة، وتقوية لجهود وزير الدفاع الأميركي ( رامسفيلد) الذي جاء إلى بغداد كي يرسم تحركات ومديات السيد الجعفري، خصوصا وإن تصريحات ( إنديك) جاءت متزامنة مع اجتماع رامسفيلد الجعفري في بغداد، والتي على ضوءها وافق الجعفري على كل شيء، فجاءت تلك الحكومة التي ينقصها الانسجام وروح الفريق الواحد.

العراق على حافة الهاوية!

صرّح رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية الجنرال ( مايرز) وذلك قبيل إجراء الانتخابات العراقية التي قررها وأشرف عليها الاحتلال بأيام قائلا ( أتوقع حدوث حرب أهلية في العراق وخصوصا بعد الانتخابات)، وردّد العبارة ذاتها وزير الدفاع ( رامسفيلد) حيث توقع هو الآخر حدوث الحرب الأهلية، بل قال رامسفيلد قبل أيام قليلة جدا ومن خلال الصحافة الأميركية ( لن نتمكن من كسب المعركة على المتمردين داخل العراق) والتي تزامنت مع قرار السماح بإعلان عدد الجنود القتلى في العراق، والذي أرتفع كثيرا، وكذلك سمحوا لذوي القتلى بإجراء مراسيم العزاء، فكلها مؤشرات إنهم سينسحبون خارج المدن العراقية أولا، والغاية ليست كي يكون هناك هدوءا وأمان، بل العكس ستكون هناك فوضى إضافية في المدن العراقية، كي تغرق حكومة السيد الجعفري في بحر الدم والمشاكل، وبالتالي ستسقط بنظر من رشحها وبنظر الشعب العراقي، خصوصا والفريق الاحتياطي ( فريق علاوي) يجلس منتظرا الإشارة من حكم اللعبة والحلبة، كي يعود إلى المنطقة الخضراء رئيسا للوزراء ثانية، خصوصا وإن الولايات المتحدة هي التي أتعبت الجعفري في عملية التشكيل الحكومي كي تسقطه بنظر الناس، ومن ثم تُضعف قائمة الائتلاف، لأن الولايات المتحدة الأميركية لازالت تشعر بهول المأزق، حيث هي الوحيدة التي تجني الخسائر بالأرواح والمعدات والأموال يوميا، مقابل إيران التي احتلت العراق دون ضجة ودون دماء ودون خسائر لحد الآن، وتقابلها إسرائيل التي حققت حلمها ( من النيل إلى الفرات) عندما كسبت ما كانت تحلم به وأكثر، حيث هي الآن تصول وتجول في العراق والمنطقة بفضل الولايات المتحدة التي أصبحت رأس الحربة نيابة عن إسرائيل، لهذا يشعر الرئيس الأميركي ( بوش) إنه في ورطة حقيقية، حيث ورط الولايات المتحدة في حرب صعبة للغاية، والرابح الأول هي إسرائيل وإيران، وبالمقابل يشعر ( ديك تشيني، وولفويتييز، ورامسفيلد) بالفخر ونشوة النصر، لهذا تراهم يدفعون بالرئيس الأميركي نحو دول أخرى كي ينشغل عن التفكير في ورطة العراق، وكي لا يعرف الحقيقة كلها، ومن ثم كي لا تكون هناك فرصة لمجيء المعتدلين إلى الإدارة والقصر الأبيض، فهم لا يريدون تكرار ( كولن باول) الذي أتعبهم بواقعيته وقراءاته للواقع بشكل سليم.

لذا لم يبق أمام الولايات المتحدة إما الانسحاب من العراق والتخلص من الخسائر اليومية في الأرواح والمعدات والأموال، أو خوض المعركة مع إيران داخل العراق، خصوصا وإن الولايات المتحدة الأميركية لن تستطع خوض حرب أخرى كالحرب التي قررها الرئيس ــ بوش ــ زورا على العراق، لهذا فعند قراءة مشهد المنطقة بدقة سنرى إن إيران أقوى من الولايات المتحدة في المنطقة وداخل العراق، لهذا لم يبق أمام الولايات المتحدة الأميركية إلا الإنسحاب من المدن كي تغرق حكومة الجعفري وتيارات الائتلاف، والتي بنظر أغلبية الشعب العراقي والمراقبين توالي إيران قبل العراق، وكي تكون حكومة الجعفري بفوهة مدفع المقاومة العراقية، ومن ثم تجعل حكومة الجعفري بمثابة الطفل المشلول أو المصارع المنهار بنظر العراقيين، يقابلها من الجانب الآخر زيادة وتيرة التفجيرات والمفخخات، وزيادة انهيار الوضع الأمني الذي يقود إلى التفجيرات التي تطال المساجد السنية والحسينيات الشيعية وقادة الأحزاب الشيعية والسنية للوصول إلى الصدام الطائفي و الحرب الأهلية، والذي على ما يبدوا هو الخيار المتبقي لقوات الاحتلال وإدارة الرئيس جورج بوش كي يتم الهروب من مستحقات الإعمار والمستحقات التي لازالت تتهرب منها الولايات المتحدة بحجة الوضع الأمني، وكي تطرد إيران من العراق وبدماء العراقيين، ومن ثم تنهي نفوذ قائمة وجماعة الائتلاف وإيران وحتى نفوذ المرجعية الشيعية في العراق خصوصا بعد أن تخادم جزء منها مع قوات الاحتلال، كي يتم الإتيان بشيعة أميركا مقابل سنة أميركا ليكونوا على رأس الحكومة في العراق، خصوصا عندما ستوقع جميع الاتفاقيات الطويلة والمتوسطة والسرية والعلنية من قبل حكومة الجعفري وبوسائل الترغيب والترهيب كي تتحمل مسؤولية كل شيء أمام الشعب العراقي والمستقبل، وكي لا يكون لها طريقا للعودة ثانية، وحينها ستنفرد مجموعات أميركا الشيعية والسنية في كل شيء وتحت حماية الولايات المتحدة.

لهذا نتوقع زيادة وتيرة التفجيرات والاغتيالات، وستكون حتما مرعبة في الأيام المقبلة وصولا للحرب الطائفية، لذا لن نستبعد أن يتم إغتبال آية الله السيد علي السيستاني خصوصا بعد أن أخذت منه قوات الاحتلال ما تريد فأصبح ربما عبئا عليها الآن، أو تفجير المرقد العلوي الشريف في النجف الأشرف، أو المرقد الحسيني في كربلاء، وذلك من اجل إشعال الحرب الأهلية بين السنة والشيعة، لذا لابد من اليقظة الشعبية داخل العراق، والعربية خارج العراق وعلى المستوى الشعبي والرسمي، فالولايات المتحدة الأميركية تعيش أزمة حقيقية نتيجة التخبط في العراق، وذلك بفعل ضربات المقاومة العراقية، لذا أصبحت كالنمر الجريح الذي يصول ويجول بطريقة عشوائية داخل العراق والمنطقة.