الصحراء الغربية بين طموحات الشعب الصحراوي وتخاذل النظام الملكي بالمغرب
علي لهروشي
مواطن مغربي مع وقف التنفيذ
مقيم بهولندا
alilahrouchi@hotmail.com
 



ليس من المفروض على البحر أن يملأ بالماء فقط ليصير بحرا من الماء الأزرق، بل قد يملأ بالرمال كذلك ويصبح بحرا من الرمال الصفراء الذهبية ، لكن القاسم المشترك مابين البحرين هو الخوف من مواجهة المجهول ، و الخوف من الفشل كلما كانت الرغبة وطيدة في اكتشاف عمق البحرين ، وعجبا لمن يتحدى عمقهما ، ليستمد قوته اليومي ، وبقائه و قوته ، وعيشه مما ينتجانه البحرين من خيرات رغم الصعوبات و المخاطر المحاطة بمن يسبح في عمقهما المخيف ، فيرسل المرء بصره ليتقاسم بنظرته حدود بحر الرمال الأعظم المنطلق من الشواطئ الغربية لواد النيل شرقا ، و الممتد بين الصحاري المصرية إلى الليبية ، وصولا حتى جنوب كل من تونس و الجزائر و المغرب ، حتى شاطئ المحيط الأطلسي غربا ، وكان من حظ الصحراء الغربية أن تتموقع جغرافيا حسب من يقسم الكرة الأرضية على هواه ، ووفق مصالحه ، بين ثلاثة بلدان لا يسير ،و لا ينطبق عليها منطق الدول ، وهي كل من موريتانيا من الجنوب , و الجنوب الشرقي فيما الجزائر من الشرق ، و المغرب من الشمال ، والمحيط الأطلسي من الغرب ممتدا على حدود 1500 كيلومترا من الجهة المقابلة لجزر الخالدات " الكناري " التي تبعد عن شاطئ الصحراء الغربية بحولي مائة كيلومتر ، وهي صحراء منقسمة إلى ثلاثة مناطق رئيسة :
- المنطقة المعروفة ب – طرفاية – و تقدر مساحتها بحوالي مائتين وخمسة وستون ألف كيلومترا مربع وعاصمتها – طان طان – يحدها من الشمال واد - درعة - ومن الشرق خط 11 غرب غرينتش ، ومن الجنوب خط العرض ،25 و من الشمال و الغرب ،المحيط الأطلسي .
- ثم منطقة الساقية الحمراء وعاصمتها العيون بمساحة تقدر باثني عشرة ألف كيلومتر مربع تمتد جنوبا حتى خط عرض ستة وعشرون .
- بينما منطقة واد الذهب و عاصمتها الداخلة بمساحة تقدر بحوالي مائة و تسعون ألف كيلومتر مربع يحدها شرقا خط الطول أثنى عشر غرب غرينتش ، حتى الحدود مع ما يسمي بموريتانيا ،
و للصحراء مناخا معتدلا ، لكونها محاذية للساحل الأطلسي ، كما لها مناخا داخليا صحراويا قار تصل درجة حرارته ليلا إلى ما تحت الصفر ، لكنها تصل إلى واحد وخمسون درجة نهارا ، وهي تعاني من قلة الأمطار ، حيث أن معدلها الطبيعي هو ثلاثة و أربعون مليمترا في العيون ، وخمسة وأربعون مليمترا بالداخلة ، و خمسة وثلاثون في الكويرة ، كما تتكون الصحراء الغربية من حوالي ثلاثة عشرة موقعا حضريا ، وقرويا من بينهم : العيون ، الداخلة ، السمارة ، الكويرة بئران زران ، بوجد ور ، العركوب ، كلتة زمور ، تيشلا ، و المحبس ، وقد تعود أصولها البشرية غالبا إلى قبائل الأمازيغ المنعوتين بالمصطلح القدحي – البربر – و هي من الأصل المعروف بالصنهاجي ، وهي القبيلة الأمازيغية الأولى التي عمرت الصحراء ، حيث كان أفرادها ، وجماعاتها يجوبون تلك الصحراء من شمالها إلى جنوبها ، وصولا حتى نهر السنيغال ، قبل أن يلتحق بها عرب بني معقل ، في رحلة في عهد الموحدين ، الذين استقروا بالأساس بالساقية الحمراء ، والمعروفين ببني منصور ، قبل أن يختلط معهم فيما بعد بنو حسان الذين جندوا من قبل علي بن بدر في ثورته ضد الموحدين ، كما هاجر إليها أولاد أبي السبع ، و نظرا لهذا الاختلاط فقد يصعب تصنيف هذه القبائل ، وتقسمها ، من حيث أصولها البشرية ، و العرقية والقبلية ، إلا في حالة وجود الشجرات العائلية ، وهذا من باب المستحيل ، فتبقى الذاكرة الإنسانية هي المصدر الوحيد للمعلومات ونقلها من جيل لأخر ، عبر ألحكي و التذكر ، لكن من الواضح و البين أن أكبر القبائل هي قبيلتي الركيبات المنسوبة للعرب ، و قبيلتي التكنا و أولاد الدليم الأمازيغيتين ، إلى جانب القبائل الزنجية التي توافدت على الصحراء من مختلف المناطق الإفريقية ، وهذا الأمر هو الذي يفند بالمطلق إدعاء بعض القبائل بانتمائها لأهل البيت أي لسلالة النبي محمد ، كم تنقسم قبيلة الركيبات إلى ركيبات الساحل وهم المعروفين بأولاد موسى ،السواعد ، أولاد داود ، الموذنين ، أولاد الطالب التهلات . إلى جانب ركيبات الشرق وهم : البيهات ، الفقرة ، أهل إبراهيم وداود ، ويدعي هؤلاء انحدارهم إلى صلب مولاي عبد السلام بن مشيش ، و بالضبط بإدعائهم النسب إلى أحد أحفاده المدعو أحمد الركيبي الإدريسي ، و اعتباره أول من هاجر إلى الصحراء ، ولكن دون إثبات الدليل ، وهؤلاء يتواجدون بكل من منطقة الساقية الحمراء و واد الذهب ، وكلتة زمور
- أما قبيلة تكنة فتنقسم إلى أثنى عشرة قبيلة من أصول أمازيغية وهم من الرحالة الذين يمارسون الزراعة في الواحات الخصبة ، والتجارة عبر قوافل الترحال ، و أهم فروع هذه القبائل هي : أيت موسى و علي ، الزرقيون ، أيت حسن ، يكوت ، أولاد تدارين ، العروسين ، أيت يوسي ، و هي أسماء توحي بالفعل إلى معاني أمازيغية.
- أما قبيلة أولاد دليم فهي متمركزة في واد الذهب ، وتتوزع على ثلاثة فروع : الشناكلة ، المناصير ، إيموراكين
- إلى جانب قبيلة مسقلة وهي متكونة من : ال ماء العينين ، كوبالت ، فيلالة ، وكلها قبائل تستعمل في نطقها و تواصلها اللغوي اللهجة الحسا نية الممزوجة ما بين اللغة العربية ، واللغة الأمازيغية ، والدارج المغربية ، كما أنها قبائل تدين بالدين الإسلامي كعقيدة ، و بالمذهب السني المحمدي ، بينما يبقى الرقم الحقيقي ، و الواضح للسكان غير معروف ، اللهم الأعداد التي تتناولها كل من الموسوعة الإيطالية ، و المصادر الإسبانية ، ثم المصادر الرسمية المغربية ، و مصادر الجبهة الشعبية لتحرير الصحراء الغربية ، أو ما يطلق عليه بالبوليساريو ، و كلها مصادر متناقضة ، وأرقام متضاربة حسب المصالح السياسية التي يفترضها ملف تسوية هذا الملف العالق من جهة لأخرى خدمة لمصالحها ، و خلق موازين القوة لإظهار الانتصار لجهة على أخرى ،على حساب جهة معادية ، لكن الشعب الصحراوي هو الضائع بكل المقاييس ، وهو ضحية هذا الصراع الدائم ، و الشائك بين القوى المتحاربة حول الصحراء ، ناهيك على أن رحيل ، وترحال الصحراويين بين المناطق ، وفق ما يفرضه عليهم ، المناخ المضطرب ، و عدم استقرارهم قد يعيق بدوره عملية الإحصاء الدقيق لهذا الشعب من هذه الساكنة الصحراوية .
وبما أن الإستراتيجية الاسبانية تنبني أساسا على حماية حدودها ، و أمنها مند أن طردت سكان شمال إفريقيا من الأندلس من قبل الملك فرناندو , و زوجته إيزابيلا الثانية ، بعدما تمكن القائد الأمازيغي المغربي طارق بن زياد ، أن يغزوها ، ويغرس فيها أوتاد جيشه لمدة ثمانية قرون ، مما جعل الإسبان يصطدمون في حروبهم مع كل شمال إفريقية ، التي شهدت توسعا للإمبراطورية الإسبانية ، وبذلك تمكنت من امتلاك بعض المستعمرات ، لكن بالقرن التاسع عشر ستتراجع تلك الإمبراطورية التوسعية ، نظرا لأسباب تجلت أساسا في التحولات الناتجة عن المتغيرات السياسية التي عرفتها آنذاك الساحة الدولية من جهة ، ثم على البيت الداخلي الإسباني من جهة ثانية بعد انهزامها السحيق بكوبا سنة1898 مما أجبر الإسبان على المطالبة بالتخلي عن المستعمرات المتواجدة تحت نفوذها ، لعودة الجيوش إلى البلاد ، و التجنيد للقيام بإصلاح الأحوال الداخلية ، وهو ما فتح الباب أيضا لبروز تنافس حاد بين القوى الأوروبية العظمى كفرنسا ، وبريطانيا ، و إيطاليا ، و ألمانيا على اقتسام المستعمرات التي ستتخلى عنها الإمبراطورية الإسبانية ، حينئذ تم تسهيل الطريق أمام فرنسا للدخول إلى المغرب كي ترث إسبانيا التي لم تكتفي سوى بتدعيم تواجدها في المواقع التي تراها على أنها مواقع إستراتيجية بالمغرب كمدينتي سبتة ومليلية السليبتين ، و الجزر الواقعة في حدودها و على مياهها البحرية ، ثم بالصحراء الغربية حتى نهر السينيغال ،و تسبب ذلك في مواجهة مع فرنسا التي انطلقت من السينيغال نحو الشمال حتى المغرب ، مما أدى إلى المحادثات بين الدولتين المتنازعتين لتقسين المغرب ، كانت نتيجة تلك المحادثان إبرام اتفاقية يوم 27يونيو 1900 اعترفت فيها فرنسا بسيادة اسبانيا على الصحراء دون تحديد الحدود الشمالية لمنطقة السيادة هذه ، . ثم في سنة 1902 أبرمت اتفاقية جديدة ، ثم اتفاقية ثالثة في 3 أكتوبر 1904 كان الهدف منها الحصول على تأييد اسبانية للإعلان الفرنسي البريطاني الصادر في 4 أبريل 1904 مقابل اعتراف فرنسا لاسبانية بمنطقة نفوذ في شمال مراكش ، . ونصت المادة الخامسة من تلك المعاهدة على استكمال رسم الحدود الشمالية للصحراء حيث أدمجت الساقية الحمراء ، من ضمن الأراضي الخاضعة لاسبانيا ، كما اعترفت المادة السادسة بحق اسبانيا في التواجد في – ايفني – بشرط موافقة السلطان بالمغرب ، وقد اعترف بذلك لأن حسابات جلوسه على العرش أكثر من غيرته على الدفاع عن الوطن ، كما اعترفت المعاهدة على أن كل المناطق الواقعة شمال الساقية الحمراء تابع للمغرب ، ورغم هذه الاتفاقيات فإن كل من فرنسا و اسبانيا حذرتين بعضهما من البعض ، فاستعملت اسبانيا سكان الشمال المغربي بجبال الريف ضد التواجد الفرنسي على أرض المغرب ، فيما استعملت فرنسا أبناء الشرق ب - وجدة و بني يزتاسن – ضد التواجد الاسباني ، ومن هنا بدأ الشعب المغربي يهدد مصالح الدولتين ، مما أدى بهما إلى الإنزال القوي بالجيوش و العتاد من كلا الدولتين بتحالف مع السلطان لقمع المغاربة ، انتهت بفرض الحماية الفرنسية في 30 مارس 1912 على الأراضي المغربية الواقعة تحت نفوذها ، ثم الحماية الاسبانية على الأراضي المتبقية من جغرافية المغرب ، و التي وقعها السلطان كصك لبيع المغرب ، وقد تم ذلك بين الدولتين طبقا للمعاهدة الاسبانية الفرنسية الموقعة يوم 28 نوفمبر 1912 إلى جانب مساعدة اسبانيا للسلطان بالمغرب ، و باسمه فتحت الجيوش الاسبانية الشمال المغربي مثلما فتحت منطقة - ايفني – و قد اتضح أن النظام الملكي باسبانيا مساند للنظام بالمغرب الذي لم يولي أي اعتبار لحمام الدم الذي غرق فيه المغرب ، فقد كانت نهاية الشعب المغربي ستقع لولا سقوط الحكم الملكي ، و إعلان الجمهورية الاسبانية في مدريد ، الأمر الذي خفف قليلا من إرهاق دم ، و إزهاق أرواح المغاربة ، لكن سرعان ما تبخر أملهم بفعل التناقضات الداخلية الاسبانية التي أضعفت دور النظام الجمهوري ، وعملت على إفشاله ، وقد نجحت تلك التناقضات في تحقيق ذلك الفشل . وقد سارع الجيش الاسباني بذلك إلى احتلال إيفني في أبريل 1934 ، وتم الاتفاق بين كل من فرنسا و اسبانيا في أواخر عام 1932 على تنظيم حملة درعة وضم واد الذهب و الساقية الحمراء إلى التراب الاسباني ، و في عام 1936 حدث انقلاب الجنرال فرانكو الذي انطلق من الشمال المغربي ، بدعم من الشعب المغربي ، الذي تلقى وعدا من الجنرال سنة 1939 بأنه سيجازيه بشيء لا ينتظره ، عندما يتكلل الانقلاب بالنجاح ، إلا أن الفوز كان للعسكر و للكنيسة معا التي مارست الديكتاتورية ، وقمعت الإسبان والمغاربة من الشعب ، بينما تمت المساومات في السر و العلن بين تلك الحكومة الاسبانية ، و النظام القائم بالمغرب ، و في هدا الشأن أصدرت الحكومة الاسبانية تصريحا رسميا في 13 يناير 1956 أكدت فيه أن هدفها و موقفها الثابت يتمثل في " الدفاع عن سلطة صاحب الجلالة السلطان الشرعي محمد الخامس ووحدة المملكة و استقلال المغرب " وكيف سيتخلى الأسبان عن هذا السلطان بين قوسين ، وهو من يخدمهم فوق العادة ، وهو من تآمر معهم ضد مصالح الشعب المغربي ، لا لشيء إلا ليكتسب تلك الشرعية التي تجعله جالسا على عرش الحكم ، مدعما من طرف القوى الخارجية أ لتركيع القوى الوطنية الداخلية ، ومع ذلك يكتب التاريخ بالعكس ، ويصف الوطني بالخائن ، و الخائن بالوطني ، وهو العمود الأساسي للتاريخ المغربي مند استيلاء العرب على الحكم فيه ، و خاصة بالحقبة العلوية التي باعت أطراف من أراضي المغرب ، متحدية بذلك مشاعر المغاربة الأحرار و الأصليين منهم .
وطبقا لاتفاقية مارس 1956 فقد انسحبت فرنسا من بعض المناطق المغربية المتواجدة بها ، مما فرض على اسبانيا كذلك الانسحاب من عدة مناطق على أساس أن تظل الأجزاء الأخرى موضوع المحادثات ، وهذا الاستقلال الناقص الذي قبله القصر بالمغرب ، هو العامل الأساسي على تفجير الوضع بالجنوب المغربي ، بالصحراء الغربية ، وبمنطقة قشنيط المعروفة الآن بموريتانيا ، بينما الحدود المغربية الحقيقية تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالا ، حتى نهر السينيغال جنوبا ، و المحيط الأطلسي بجزره المحاذية غربا ، حتى الحدود مع الجزائر على النقطة الأخيرة بمنطقة تندوف المغربية شرقا ، وهو الإشكال الجغرافي و السياسي الذي سيؤدي إلى حرب قاتلة مستقبلا بالمنطقة ، خاصة و أن الجيل المغربي يحمل المسؤولية الكاملة للنظام العلوي المغربي وذيوله من الأحزاب ، والمنظمات ، و الجمعيات ، و الإعلام المسخر من قبله ، وكل من مارس الصمت على الصفقات السرية و العلنية التي ذهبت ضحيتها الأراضي المغربية ، والشعب المغربي ، ومصالحه الوطنية ، وتلك مسؤولية لن يغفرها التاريخ مهما كانت نية من يتولى الحكم في هذه المرحلة ، لأن الذئاب لا يمكنها أن تنجب الغنم ، بينما لا تنتج سوى الذئاب التي مزقت المغرب و المغاربة ، وسيصعد جيل مغربي وطني حر يضرب عرض الحائط ما يسمى بالقوانين الدولية الجائرة التي فرقت أرض المغرب ، بتحالف مع النظام السائد ،الذي لا يهمه سوى الجلوس على العرش ، وخدع الشعب بأساطير التوحيد و الوحدة ،وضمان الاستقرار، وتحت تلك الأكاذيب تم تمزيق الأرض المغربية ، حيث ضاع منها جزء كبير يسمى الآن موريتانيا التي تتعاقد مع الكيان الصهيوني في السر و العلن ، و في تحدي واضح للمشاعر الفلسطينية خاصة ، وللمغربية عامة ، كما اقتطع الجزء الآخر من الأرض الواقع الآن تحت النفوذ الجزائري ، المسمى بتندوف ، و الذي ضاع في مطلع الستينات ، ومن الملاحظ أن المغرب خسر الكثير بتواجد النظام السلطاني أو الملكي ، فإذا كان السلطان عبد الحفيظ هو من وقع وثيقة الحماية سنة 1912 ، فإن محمد الخامس هو من نفدها بنودها ، و سهر على استمرارها ،حتى سنة 1956 بالرغم مما قيل عن فترة نقاهته بما أطلق عليه بالمنفى ، ثم جاء دور الحسن الثاني الذي اعترف بما يسمى بموريتانيا ، ثم بالحدود مع الجزائر التي أخذت من جغرافية المغرب منطقة تندوف ظلما و عدوانا ، وقد جاء الآن دور محمد السادس الذي من الأكيد أنه سيسمح في الصحراء الغربية ، نظرا لاستمراره في نفس نهج سياسة من خلفه ، وهي إعطاء الأولوية للبقاء على كرسي العرش ، حتى ولو تمت التضحية بالمغرب و بالمغاربة ، لأنه لا يعقل أن يستمر صراع الصحراء الذي كلف المغاربة ثمنا باهظا في الأموال ، والأرواح ، لا لشيء إلا لأن الشعب الصحراوي انتفض ضد ممارسات الملكية القمعية التي لا تعرف شيئا عن الحقوق ، والعدل و الحرية ، والديمقراطية ، و المساواة ، وهي المتطلبات الشعبية التي لو تم تحقيقها لعاد الشعب الصحراوي ، والموريتاني ، والتندوفي ، وحتى سبتة و مليلية و الجزر المغتصبة إلى حظيرة الوطن المغربي الأم ، لكن للأسف في غياب ذلك قد يجد المغرب نفسه تحت النظام الملكي اللاديمقراطي ، و اللاوطني ، و اللا شعبي ، يرضخ ويعطي كل شيء في سبيل كرسي العرش ، وبذلك ينطبق عليه واقع من أعطى القليل سيعطي الكثير ، ومن رضخ لمشكلة كبيرة سيرضخ لمشكلة صغيرة و العكس صحيح ،وهو ما يخفي مواجهة قاتلة بالمنطقة ستظل كقنبلة موقوتة تنتظر الانفجار في أي زمن ومكان ـ ما عدا إذا استعاد السكان الأمازيغيون الأصليون الحكم بكافة التجمعات البشرية الملقبة بدول شمال إفريقيا ،ا حتى الحدود مع السينيغال ، ومالي جنوبا ، ومصر شرقا، والبحر الأبيض المتوسط شمالا ، و المحيط الأطلسي غربا ، حينها يمكن للوحدة ، والاندماج أن يتحققا بينهم ، لأنه شعب يتقاسم نفس العادات ، والتقاليد ، و القيم ، و اللغة ، و الثقافة ، وهو متشابه و متقارب سيكولوجيا ، وفسيولوجيا كذلك ، وقد يكون آنذاك من السهل على الاتحاد الأوروبي أن يحقق وحدته مع هذا الشعب العظيم ، نظرا لتقاربه الجغرافي ، و لموقعه الاستراتيجي ، ولتوجهه الإيديولوجي الانفتاحي عن الغرب ، و الممزوج ما بين الإسلام المتنور ، و المنفتح ، و العادات ، والتراث الأمازيغي التحرري ، الذي لا تربطه سوى حبال العقيدة الإسلامية مع العالم العربي ، الذي فرض وصايته على المنطقة لعقود من الزمن ، لكنه سيأتي وقت سيستعيد فيه الشعب الأمازيغي قوته ، وزمام الأمور بالمنطقة ، مهما فعل الرافضون لذلك ، خوفا على امتيازاتهم ،ومصالحهم الذاتية ، و الشخصية .
و لأن الصحراء الغربية تزخر بثروات طبيعية ، فإن ذلك انعكس على ساكنتها سلبا بتشبث كل من فرنسا و اسبانيا بالبقاء بها ، خاصة لما تم إعلان اكتشاف البترول ، و الغاز من قبل فرنسا بمنطقة الجنوب الشرقي عند - حاسي مسعود- بالإضافة إلى مناجم الحديد بتندوف ، ونظرا لاكتشاف كمية هائلة من الفسفاط على سطح الأرض ذات النسبة العالية من المعدن ، فقد تأسست بذلك في عام 1964 شركة – فوس بوكراع – برأسمال يقدر بحوالي تسعون ملين دولار من رؤوس أموال أمريكية ، و أوروبية وهو اكتشاف يكفي حسب المختصين للاستغلال لحوالي 130 سنة ، و يمتاز بقرب مناجمه من ميناء التصدير على ساحل المحيط الأطلسي 100 كيلومترا مما جعل اسبانيا تصر على بقائها هناك بالصحراء بمبرر أن ليس هناك شعب يسكنها من قبل ، فسارعت بذلك إلى التعاون مع فرنسا ، و ألمانيا الاتحادية ، والمجر و بالخبرة الأمريكية لتطوير عملية استغلال المنجم ، كما اتبعت سياسة استقطاب ألاف من العمال و الأسر الاسبانية ، والإفريقية ، إلى الصحراء للعمل على طرد سكانها الأصليون ، لكن شاء التاريخ أن تطرد اسبانيا سنة 1979 من الصحراء لكنها ظلت محتلة للجزر المقابلة لها ، و لمدينتي سبتة و مليلية ، الأمر الذي يستدعي ليس الكلمات و الشعارات الرنانة ، التي تتغنى بالتحرير على ألسنة الأحزاب و جرائدها ، أو على لسان الحكام ، و إنما الفعل حتى و لو تطلب الأمر القيام بحرب لاسترجاع كل شبر ضاع من جغرافية المغرب ، وتلك هي الوطنية الحقيقية .
لم يتوقف الكفاح الوطن بالصحراء مند اندلاعه ، حتى تدخل العملاء و الخونة الذين عقدوا اتفاق – ايكوفيون – الذي تمكن من التقليص من حركة الكفاح المسلح ، و العودة إلى ما يسمى بالكفاح السياسي خاصة في المجالات الدولية و عبر لجان الأمم المتحدة ، حيث طرح النظام بالمغرب مطالبه لاسترداد الصحراء من اسبانيا ، وقد قدم حججا في ذلك ممثلة في :
- على الصعيد القانوني يقول النظام المغربي أن سيادته كانت مبسوطة على هذه الصحراء على الدوام ، ولما حل العصر الاستعماري كانت سيادة المغرب تمتد حتى حدود نهر السينيغال .
- أما على الصعيد السياسي فإن دلائل هذه السلطة السيادية تثبت من خلال تعين سلطان المغرب لقادة هذه المناطق ، وحكامها فقد أصدر السلطان عبد العزيز مرسوما عين من خلاله آخر أمراء منطقة - الترارزة – المتاخمة لنهر السينيغال ، كما أن السلطان كلف قي عام 1905 كبير وزراءه المدعو الشيخ - بن يعيش- بتفقد تلك المناطق ، ليسلم مراسيم التعين لقادة المناطق ،
- أما على الصعيد العملي فقد تم الاحتفاظ للسلطان بالمغرب بنوع من السيادة كتقديم مشايخ القبائل الصحراوية البيعة ، و إثبات الولاء له ، و ثانيهما الدعاء للسلطان في خطبة كل جمعة والصلاة بالمساجد .
- أما الحجة الأخيرة التي ساقها النظام المغربي فهي الروابط العديدة التي تربط الصحراء بالمغرب مثل وحدة الإقليم ، وطبيعة البيئة ، و الجنس و اللغة ، والدين والتاريخ المشترك .
ويبقى التعليق على هذه الحجج يتراوح ما بين الحقيقة و الخيال ، وتنطبق عليها مقولة الشافعي مؤسس المذهب الشافعي الذي قال : " رأيي صواب ينطوي على خطأ، ورأي غيري خطأ ينطوي علي صواب " حيث لا يعقل أن يلزم الشعب كيف ما كان ، وحيث ما كان بالالتزام بالبيعة التي فرضت عليه بقوة الحديد والنار ، في عقود مضت بكل تجاوزاتها ، مهما كانت تبريراتها ، كما هو الشأن حتى حدود الآن بالمغرب ، حيث تؤدى مراسيم تلك البيعة من قبل مجموعة من الوفود ، والجماعات و الأفراد المستفيدة من الوضع ، التي لا تمثل الشعب حق التمثيل بل هم إفرازات للوضع المزيف ، المزور من الذين يسايرون خطط النظام الداعية إلى البقاء و الدوام على كرسي العرش ، وبالتالي فمبرر البيعة لكسب ملف الصحراء غير جدي ، ولا يملك القوة و الفعالية ،بل يزيد من ضعف القصية ، وتقوية كفة الخصوم ، لأنه لا يعقل , و لن يحدث أن يطالب الرئيس العراقي ، أو السوري ، أو الأمير السعودي حاليا الشعوب بشمال إفريقيا لتأدية البيعة و العودة إلى الماضي الظالم ، حيث كان الخليفة يحكم ببغداد أو دمشق أو بمكة , وهو ما يفند مطالبة النظام المغربي للشعب الصحراوي بالاندماج الكلي في المغرب بمبرر البيعة ، التي تمت بين البعض من الشعب الصحراوي و السلطان ، في تاريخ معين ، و في ظروف معينة ، و تحت ضغط معين ، كما أن الدعاء للسلطان بالمساجد ، و تعينه لقادة المناطق ليس بمعطى قوي لتسوية ذلك الملف العالق ، بينما يبقى الحل الوحيد ، والأذكى هو الديمقراطية ، والحرية ، و المساواة والعدل ، وحق الشعوب في تداول لغتها ، وتسمية أبنائها بالأسماء التي تراها مناسبة ، والتمتع بالمواطنة الحقة ، وتساوي فرص الحياة ، و العيش بين المغاربة من البحر الأبيض المتوسط شمالا ، حتى نهر السينيغال جنوبا ، ومن المحيط الأطلسي غربا حتى تندوف شرقا ، وتلك هي الحدود الشرعية للمغرب الأقصى ، في انتظار التخلص من الطغاة لجمع كيان ، وشعب ، وثروات مناطق شمال إفريقيا في وطن أسمه المغرب الكبير، أما تسمية المغرب العربي فهو تكريس للتفرقة ، و اضطهاد للشعب الأمازيغي الأصيل ، وتمزيق استعماري لجغرافية المغرب الكبير .
لقد تم و أن صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 دجنبر 1966 على القرار رقم 2229 الذي أشار إلى أن اسبانيا لم تطبق المباديء التي تضمنها القرار رقم 1514 الصادر في شهر دجنبر 1965 و المتعلق بايفني و الصحراء ، كما حث ذلك القرار عللا التشاور مع كل من المغرب و موريتانيا ، و أي طرف معني آخر بذلك الصراع ، لوضع الترتيبات الضرورية لإجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة ، لإتاحة الفرصة لسكان الصحراء لممارسة حقهم في تقرير مصيرهم ، مما فتح الباب أمام الجزائر للتدخل في القضية الصحراوية لعدة عوامل نذكر منها :
- رد الصفعة للمغرب ، و لانتقام منه من خلال الحرب التي شنها معها سنة 1963 و التي أطلق عليها الجزائريون أنذال حرب- الحكرة - أي الاحتقار.
- الأطماع حول منطقة تندوف الغنية بالحديد ، ليتوسع الصراع إلى ما بين أربعة أطراف مباشرة ، ناهيك عن أطراف غير مباشرة.
- اختلاف النظام السياسي ، وتناقضه بين البلدين، حيث النظام الملكي التبعي للرأسمالية الامبريالية بالمغرب ، و النظام الجمهوري الاشتراكي بالجزائر، حيث تضارب المصالح وتصادم الإيديولوجية
- رغبة الجزائر في الحصول على منفذ بالمحيط الأطلسي ، في حالة فوزها في الصراع الدائر بالمنطقة ، بممارسة نفوذها المباشر و غير المباشر على الشعب الصحراوي ،
- تطلع الجزائر لمساعدة المغاربة على القضاء على الملكية ، وفق شعار التحرر ، والانعتاق من أغلال الارستقراطية ، و الديكتاتورية ، و الإقطاعية ، والبرجوازية المتوحشة .
- رغبة نظامي كلا البلدين للهيمنة على منطقة شمال إفريقيا خاصة ، وعلى القارة الإفريقية عامة بمنطق الزعامة ، وتطبيق أدق التوجيهات التي يتلقاها كلا النظامين من قبل القوى المؤثرة في صراع ، ومواجهة المعروفة بالحرب الباردة ، بيت القطبين القويين ، الاتحاد السوفيتي ، و أمريكا
وفي 19 دجنبر من سنة 1967 صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرة أخرى على قرار 2354 الذي طالب الحكومة الاسبانية بإلحاح شديد لتطبيق مباديء حق تقرير المصير على سكان الصحراء . وفي 18 دجنبر 1968 صدقت الجمعية العامة أيضا على قرار 2428 لتكرر به مطالبة اسبانيا بتطبيق حق تقرير المصير . وفي 16 دجنبر 1969 يصدر قرار أخر لمطالبة اسبانية بتنفيذ نفس الأمر ، كما أن النظام المغربي استسلم للاعتراف بما سمي باستقلال موريتانيا في سنة 1970، بالرغم من كونها جزء من الأرض المغربية ، التي اقتطعتها منه فرنسا لتمارس على شعبه المقاوم الضغط من الجنوب ، فيما يمارس عليه الضغط من الشمال من قبل اسبانيا ، كما اقتطعت منه فرنسا كذلك منطقة تندوف ، وضمتها للجزائر ، فأسرع الحسن الثاني يوم 10 يناير 1969 لتوقيع اتفاقية بمدينة- ايفران – المغربية مع الرئيس الجزائري هواري بومدين ، ثم اتفاقية مدينة الدار البيضاء الموقعة بين الحسن الثاني ، و الرئيس الموريتاني المختار ولد دادا يوم 8 يونيو 1969 ، ثم معاهدة مدينة الدار البيضاء ليوم 8 يونيو 1970 يتخلى الحسن الثاني بمقتضاها عن ضم موريتانيا المعروفة حينها بقشنيط ، و بالتالي فقد تكبد المغرب و المغاربة الخسارة من تلك الاتفاقيات التي أبرمت من قبل نظام ديكتاتوري غير شرعي ، حيث فرض تواجده بتواطئه مع القوى الاستعمارية ، نصبته لخدمة مصالحها على حساب الشعب المغربي ، و هذه هي الحقائق التي يتوجب مناقشتها عبر الإعلام الحر و الديمقراطي ، و من قبل الوطنيين المغاربة الأصليين و الأحرار.
فإذا كان النظام الملكي هو السائد بالمغرب ، فإن النظام الجمهوري رغم عيوبه هو الحاكم في كل من الجزائر ، وما يسمى بموريتانيا ، و هما النظامين اللذان نعتا المغرب بممارسة سياسة توسعية استعمارية ، الأمر الذي أدى إلى تقارب الأهداف ، ووجهات النظر بين النظامين الجمهوريين ، فتشبثا بمساعدة الشعب الصحراوي على تقرير مصيره ، الذي هو الانفصال عن المغرب ، وهو نفس الرأي الاسباني ، وإن اختلفت المصالح الذاتية و الموضوعية بين الأنظمة الثلاثة المتآمرة مباشرة على التراب المغربي ، دون نسيان القوى المتآمرة سرا من المتعاملين مع النظام السائد بالمغرب ، و من هنا يفقد المغرب جزءا من جغرافيته كلما تغير الحاكم من أب لابنه عن طريف إرث السلطة ، والنفوذ ، والمال ،فحمى الله المغرب الحبيب من شر الملكية المستبدة المطلقة ، وعهدا على مواصلة النضال بما أوتينا من قوة للعمل على كشف الحقائق للأجيال الصاعدة عسى أن تتحرك الوطنية الفعلية في نفوس ، وشعور المغاربة للعمل على استرجاع كل شبر من أرضه المغتصبة .