From : raidzk2000@yahoo.com
Sent : Thursday, May 19, 2005 3:26 PM
To arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

الــزواج يا ســادة
رائد عبد الرازق - غزة





في عصر الجاهلية كانت تنتشر العديد من أشكال الزواج التي ألغاها الإسلام لأنها كلها كانت تضر بالمرأة و تتعامل معها كجارية أو بضاعة و كوعاء فقط و لا تتعامل معها على أنها إنسان بكامل المقومات و الحقوق و المشاعر، بالإضافة لذلك كانت الشعوب الأخرى تتعامل مع المرأة بنظرة أكثر دونية ، فمنهم من كان يعتبرها شيطاناً و منهم من كان يعتبرها مدعاة للشؤم و النحس، إلى أن جاء الإسلام فأعطى للمرأة مكانتها و حدثت العديد من الثورات الثقافية و الفكرية في مختلف دول العالم أنصفت المرأة و أصبحت تعامل بشكل لائق على الأقل .

ما هو الزواج ؟ قد يستغرب البعض من هذا السؤال و يقولون : و من لا يعرف الزواج ؟ أنا أعي أن الكل يعرف ما المقصود بالزواج، لكن هل الكل يعي المعنى الجوهري لكلمة زواج ؟ هل الكل يعرف عمق مفهوم الزواج ؟ هل الكل يدرك الفلسفة السامية التي ينطلق منها الزواج و يغذيها ؟ الجواب بلا شك " لا " و إلا لما كان حال المتزوجين لدينا كما هو اليوم، سيقول آخرون " و مال المتزوجون كلهم يعيشون بخير " فأرد قائلاً: ادخلوا عينات عشوائية من البيوت و اسمعوا من الأزواج و الزوجات، ستعرفون بعدها أننا لسنا بخير أبدا و أن حالنا سيء على هذا الصعيد ، راجعوا المحاكم الشرعية ، تفحصوا بعض إحصائيات مراكز رعاية النساء لتدركوا حجم المأساة ، وضعنا سادتي ليس بخير مطلقاً و نحن مهددون بالانفجار في أي لحظة من الناحية الاجتماعية .

الزواج يا سادة هو اتفاق ( عقد شراكة ) بين رجل و امرأة ( جنسين مختلفين ) ليعيشا معاً مكونين أسرة ( خلية ) جديدة في المجتمع ( النسيج ) الذي يعيشون وسطه، هذين الشخصين قد لا يكونا من نفس النسق الفكري أو الطبيعة العقلية و قد تكون مفاهيمهما مختلفة و أرائهما متضاربة و وعيهما للأمور متناقض، لكن ذلك لا يعني أن هذا الارتباط سيفشل، بل يحتاج للإرادة كي ينجح ، و مكمن القوة هو احترام الغير و القبول بالرأي الآخر .

الزواج تواصل و تراحم و اختلاط للدماء، و هل هناك أقدس من ذلك ؟

و عندما نقول أن الزواج هو عقد اتفاق فمعنى ذلك أن لكل طرف من طرفي الاتفاق حقوقاً و واجبات واضحة و لا لبس فيها ، فلو يعي كل زوج و زوجة ذلك لكنا بخير .

سيقول بعض المعترضين أننا أحسن من أمم كثيرة و نحترم المرأة و نقدرها ، أعترض و أقول لماذا لم ننتصر إذا ؟ سيقولون و ما دخل المرأة في النصر ؟ فأرد قائلاً : إذا كانت الأم المربية و المرضعة و الوالدة ليست حرة و تتحكم فيها أفكار بالية تحولها بحجة الدين إلى جارية فكيف ستربي أحراراً يرفضون الهزيمة . أليس كلامي معقولاً ، يجب أن نمتلك الشجاعة الأدبية و الأخلاق السامية و نعترف بأننا جميعاً لسنا أحراراً و السبب أن أمهاتنا اللائي ربيننا لسن حرات ، و ليس الحرية أن تأكل و تنام و تلبس ، بل الحرية أن يكون لها رأي و مشورة و مساهمة في القرار ، سيقولون أنك تحرض على تمرد المرأة ، فأقول ببساطة شديدة راجعوا آيات القرآن و نصوص الأحاديث و قصص الرسول و الصحابة ستجدون أننا نعامل النساء كرقيق بحجة الدين و القيم ، في حين الدين براء مما نقول .

الزواج يا سادتي شيء آخر ، ليس عرس فنوم فجنس فأولاد فأكل و ما إليه ، الزواج مؤسسة كاملة بمقومات كثيرة ، شراكة بحقوق و واجبات ، بناء لأجيال و تكوين لمجتمع ، الزواج شيء أقدس مما تتخيلون ، لا يعني أن تمتلك مهراً بأنك مؤهل للزواج ، و لا يعني كونك ذو دخل فانك مؤهل للزواج ، الزواج يتطلب الوعي الكافي و القدرة على تحمل المسؤولية و الإصرار على النجاح ، الزواج ليس حفلة ماجنة يتنطط فيها الشباب كالذي يتخبطه الشيطان من المس أو كالمصعوق بالكهرباء أو كالمسكوب على رأسه بالقطران .

الزواج أروع مما نعرف و نتخيل بكثير كثير ، نحن نتزوج لتصبح لنا نساء يتبعننا نمارس معهن الجنس و ننجب الأطفال و نقمعهن فقط لنظهر بأننا رجال ، و دليلي فيما أقول أننا كلنا نعتبر من يعطي زوجته حقوقها الكاملة بأنه غير رجل و نعتبر من يتعامل مع زوجته بإنسانية بأنه محكوم ، أليس كذلك ؟ لكن في الزواج أشياء أسمى من ذلك بكثير ، الزواج نضج و وعي و تكامل للبناء الجسدي و النفسي و المعنوي .

و يؤكد قولي كل الأبحاث و الدراسات التي تثبت أن المتزوجين أطول عمراً من العزاب ، و أن المتزوجين أكثر صحة و بعداً عن الأمراض من الغير متزوجين ، و أن المتزوجين لديهم القدرة على التعامل مع الصدمات و المواقف الصعبة أكثر من غيرهم ، و أن من يعيش حالة حب يفرز عقله العديد من الإشارات التي تؤدي لإفراز هرمونات كثيرة تريح القلب ، فهل يعي كل منا معنى ذلك ؟ لا أعتقد ، بل أكاد أجزم بأن لا أحد منا يعرف ذلك ، اقرؤوا يا سادة لتعرفوا معنى الزواج الحقيقي .

الزواج يا سادة مودة ( حب ) و رحمة ( لين و تواصل ) و سكن ( هدوء للنفس ) و لكل كلمة من الثلاث مجلدات من العلم و المعرفة و الحقائق ، و ليس الزواج قمع و قهر و إرهاب ، فارحمونا و أفسحوا المجال لولادة جيل حر علنا ننتصر و لو مرة على هزائمنا الداخلية على الأقل .