|
From : mossad_Hegazy@hotmail.com
Sent : Friday, June 10, 2005 6:58 PM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
منطق الصراع العربي – الإسرائيلي: النفط، الأحلاف،
والدولار ( 1 )
مسعد حجازى ـ تورونتو/ كنـدا
كاتب وصحفى مصرى - كندى
لعل أكثر ما يعجبنى فى الصديق المفكر والعالم الأمريكى " توماس بوشارى " هو
سعيه الدائم فى البحث عن الحقيقة وانشغاله الكبير بالمستقبل، إنه مفكر وعالم من
طراز جديد يتمشى ويتواكب مع الثورة التكنولوجية الهائلة التى يشهدها العالم
الآن، وهو يريد أن يكون لاعبا أساسيا فى هذه الثورة التكنولوجية من خلال مشروعه
الذى يستغرق معظم وقته وإتصالاته منذ أكثر من عام مضى ، وهو مشروع طموح يدعم
مفهوم القرية الكونية، والذى يتوقع له عندما يخرج الى حيز الوجود أن يحدث ثورة
هائلة فى عالم النشر والصحافة الإلكترونية سوف تهز معها عروش الصحافة المطبوعة
ودور نشر الكتب كما نعرفها الآن .... إنه مفكر طبعة القرن الـ 21، وسوف أعرض
لحديثى ومناقشاتى معه حول هذا الموضوع بالتفصيل فى مقال مستقل قريبا إن شاء
الله.
من خلال معرفتى به يمكننى القول أن النقاش والحوار مع الكاتب والمفكر والعالم
الأمريكى " توماس بوشارى " أشبه ما يكون " بدور شطرنج " يستغرق ساعات دون ملل،
نتفق على أشياء ونختلف على أشياء أو بعض الجزئيات لكن الحوار يتواصل دون أن
يدعى أحد إحتكاره للحقيقة ، ولذا فهو مثير للعقل والفكر، أو رحلة ممتعة يأخذك
فيها بعيدا عن سطوح الأشياء لتغوص معه إلى أعماق المشكلات والأزمات الدولية،
فتكتشف أن ما كنت تظن أنه واضح وجلى هو أعقد بكثير مما تتصور والعكس صحيح.
هو توماس بوشارى ـ 47 عاما ـ كاتب ومفكر وناشر ورئيس تحرير مجلة الشئون الدولية
الشهرية الأمريكية والتى يقدم فيها تحليلات ورؤى سياسية للكثير من القضايا
الدولية والتى تختلف كثيرا عن التحليلات التقليدية والسائدة فى الإعلام
الأمريكى، أو حتى مراكز الأبحاث المتعددة، لأنه وكما قال لى دائما يبحث عن
الحقيقة ولن يسمح لنفسه بأن ينشر أى تزييف أو تضليل للحقائق فى مجلته والتى
يهتم بها على حد قوله رؤساء دول وحكومات وعدد كبير ممن يشاركون فى عملية صنع
القرار السياسى فى مناطق مختلفة من قارات العالم، ولذا فإن ما يكتبه قد أكسبه
عداء كثير من الدوائر الصهيونية المتغلغلة والمهيمنة على كبريات وسائل الإعلام
الأمريكية والتى تسعى دائما إلى فرض وجهة النظر الإسرائيلية والصهيونية على
المواطن الأمريكى، يقابلها نشر صورة سلبية منفرة عن كل ما هو عربى أو إسلامى،
غير أنه لا يعير هذه الدوائر إهتماما كبيرا، وقد أكد لى أكثر من مرة أن لديه
شبكة كبيرة من الإتصالات مع كبار المسئولين فى واشنطن سواء فى الحكومة أو
المنظمات الدولية أو فى دوائر المال وعالم رجال الأعمال فى المؤسسات الإقتصادية
الكبيرة ، وفى كبريات الشركات الأمريكية فى وادى السيليكون بولاية كاليفورنيا
فى أقصى الساحل الشرقى للولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم فى مدينة " بوديجا
باى " – والتى تبعد حوالى نصف ساعة بالسيارة من مدينة " سان فرانسيسكو "
وهو صاحب رؤية خاصة ومتميزة فى نظرته وتحليله لمجمل الصراع العربى ـ الإسرائيلى
بالمقارنة بكثير من المفكرين والكتاب والصحفيين الأمريكيين ، وأعترف أنها قد
جذبت إهتمامى بشدة، لأنها تكشف عن عقلية فذة تتمتع بقدرة تحليلية قوية ونافذة
أشاد بها دكتور هنرى كيسنجر وزير خارجية أمريكا السابق فى خظاب كان قد بعث به
اليه منذ عدة سنوات.
ولقد سألت العالم والمفكر توماس بوشارى عما إذا كان السبب فى تميز آراءه
البعيدة النظر وتحليلاته العميقة لكثير من القضايا المختلفة ربما يرجع إلى
تأثره بدراساته لعلوم الآحياء والكيمياء والطبيعة وعلم النفس فجاء رده بالإيجاب
مؤكدا أن معظم القضايا والظواهر يصعب فصلها عن بعضها البعض، لأنها تترابط
وتتفاعل داخل نظام كلى ومتكامل.
فى خريف عام 2000 نشر توماس يوشارى دراسة فى غاية الأهمية تحت عنوان " منطق
الصراع العربى الإسرائيلى: البترول والأحلاف والدولار " ." وهذه الرؤية
المتميزة كان توماس بوشارى قد عرض لها بالتفصيل فى دراسة تحليلية نشرها فى
مجلته منذ نحو خمس سنوات، وبالتحديد فى الثامن من نوفمبر عام 2000 أى بعد شهر
وعشرة أيام من اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية فى الأراضى المحتلة، وقد
احتدم حولها النقاش والجدل بين التأييد والمعارضة، وبعد مرور حوالى شهرين على
نشرها استضافته قناة الجزيرة القطرية فى الدوحة لمناقشته فى حلقة خاصة من
برنامج " بلا حدود " الذى يقدمه أحمد منصور."
فى دراسته التحليلية قدم العالم الأمريكى بوشارى رؤية جديرة بالتأمل والنظر،
تنبأ فيها بوقوع الكثير من الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية بعضها قد وقع
بالفعل، وبعضها الآخر لا يزال فى علم الغيب.
ولعل أهم وأخطر ما ورد فى دراسته هو نبوءته بإضمحلال دولة اسرائيل ، وحدوث هروب
جماعى لليهود من الشرق الأوسط بعد اندلاع حرب كبيرة عنيفة ومدمرة ، ودخول
الولايات المتحدة الأمريكية فى حلف مع العرب بعد أن ينتهى التحالف الأمريكى
الإسرائيلى ... تنبؤات جريئة قد يتفق البعض معها، وقد يراها البعض الآخر ضرب من
الجنون والأوهام والخزعبلات.
ومنذ نشر الدراسة فى عام 2000 وقعت أحداث خطيرة وتغييرات كثيرة فى العالم وفى
الشرق الأوسط، لعل أخطرها أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، وقد قمت مؤخرا
بسؤال العالم والمفكر الأمريكى عما إذا كانت هذه الأحداث قد غيرت من وجهة نظره
ورؤيته وتنبؤاته التى عبر عنها فى دراسته، فأجاب بالنفى وأكد أنه لا يزال
متمسكا بكل الأفكار الرئيسية والتوقعات التى وردت بها، وقد استأذنته فى أن أقوم
بإعادة نشر وتقديم هذه الدراسة للقارئ العربى الذى لم يعرف بها من قبل فوافق
مشكورا وبلا تردد، ونظرا لأنها دراسة طويلة فلا مفر من أن أعرض لها فى عدة
حلقات، ودون تدخل أو تصريف من جانبى، وأترك التعليق والحكم النهائى عليها
للساده القراء، وهذه هى الحلقة الأولى .
منطق الصراع العربي – الإسرائيلي
النفط، الأحلاف، والدولار
كاليفورنيا- نوفمبر 2000
لقد بدأت معركة الشرق الأوسط. وكما يصف التاريخ فان صراعاً وحشياً، على شكل
تحركات خطيرة ومثيرة، يتشكل الآن، مع توقع الكثير من الضحايا والدمار؛
والحقيقة، والتي دائماً ما تنفخ الروح في المعارك، ولكنها أيضاً دائماً ما تقمع
عند السلام، أخذت تظهر الآن. فالجنود يتحركون والقادة يناقشون الأساليب
والاستراتيجيات. إن تلك الأحداث والتي تقع في واحدة من أكثر المناطق فقراً فى
العالم تذكرنا بالمعارك من أجل البقاء، وتدعم الثقة وتعيد الكبرياء لنحو
خمسمائة مليون مسلم يعانون في هذه المنطقة.
إن المواجهة قد جاءت الآن بعد قرن من الزمان، وبعد زوال الاستعمار وانتهاء
الشيوعية وبعد عقد من عملية السلام. إن الصراع من أجل الثروة الطبيعية الهائلة
ـ ومن أجل الأماكن المقدسة ـ في الركن الجنوبي الغربي من آسيا قد دخل مرحلته
النهائية وغذته دماء الآلاف من الشباب العرب الفلسطينيين من الرجال والفتيان
والتي كانت هي الحافز لأحداث العنف المروعة.
إن منطق الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والذي تعود أصوله إلى عهد انهيار
الإمبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى إعلان وعد اللورد بلفور المؤيد للصهيونية
في عام 1917م، قد بدأت تتكشف معالمه الآن ـ على أنه محاولة يائسة لكنها محسوبة
بدقة لفرض سياسة "فرق تسد" على العرب والمسلمين في الشرق الأوسط، وشق واضعاف
التزامهم بالإسلام، وفرض سياسة "التغريب" عليهم بكل نفوذها ورموزها، والسيطرة
ليس فقط على الاحتياطي الهائل من النفط والغاز بل وحتى على أسعاره وتجارته
العالمية.
إن هذه المرحلة الأخيرة من الصراع العربي الإسرائيلي الطويل، والتى تدور رحى
معاركها الآن في الأراضي المحتلة وغزة بل وحتى في الأراضي الإسرائيلية نفسها،
سوف تقدم دعماً لنهضة كل القوى في الشرق الأوسط، ولظهور قادة جدد وأجواء عنف
جديدة والى خلق ظروف تشجع تجدد الدمار، كما تؤدي فيما بعد إلى قيام مؤسسات
جديدة وحضارة جديدة(1)
إن الأمة الإسلامية المتجددة ستبدأ في الظهور تدريجياً، كمركز هائل للقوة في
العالم، يدعم احتياطي الخليج الضخم من النفط. إن الشهداء الشباب في الهلال
الخصيب والمسلحين بالحجارة والأسلحة الخفيفة هم الذين سيكونون البداية لتلك
العملية الطويلة والقاسية من البعث الجديد.
انهيار الحصن الصليبي
بإعلانها دولة ذات سيادة في 14 مايو من عام 1948م، نجحت إسرائيل ولنحو نصف قرن
من الزمان في الظهور بمظهر القوة، والوحدة، وأنها الدولة ـ الأمة التي تسيطر
على الأرض المقدسة ولا سبيل لإزالتها، وهي ذلك المخلوق الشجاع والفريد الذي لا
يتطرق الشك لقوته ومستقبله. وقد تعزز ذلك الفهم بصورة كبيرة بسبب الأداء القوي
لإسرائيل في ميادين الحرب، حيث كان على الجيوش العربية الضخمة، ولعقود من
الزمن، أن تتقبل الهزائم والانكسارات بشكل متكرر وبدقة أكثر وعندما بدأت تلك
الصورة تتبدل وأخذ الاضمحلال يظهر فان لا أحد فى العالم، وعلى الأخص في إسرائيل
نفسها، كان يرغب في مناقشة ذلك. من جهته استجاب رئيس الوزراء أيهود باراك
للرغبة الشعبية المخلصة في وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فقام في
شهر مايو 2000م ومن جانب واحد بسحب قواته وأسلحتهم الثقيلة إلى ما وراء حدوده
الشمالية، ودفع هذا الانسحاب إلى أن يتساءل اليهود في إسرائيل وغيرها عن مدى
إخلاصهم للصهيونية. وبدأ اليهود في داخل إسرائيل يتحدثون عن" فقدان إرادة
اللاعنف". وهل يستطيع إيمانهم في خلقهم،مع تلك القوة وذلك التوسع ـ ومازالت
دولتهم صغيرة ـ كأمة عبرية، ودولة توحدها وتلهمها الديانة اليهودية، أن يترددوا
ويحجموا ؟
هناك علامتان تنذران بالسوء لكنهما صحيحتان، تشيران إلى بدء اضمحلال إسرائيل،
ذلك الحصن الصليبي في الهلال الخصيب للشرق الوسط. إنها تطورات خطيرة لكنها لم
تعد تنكر، وهي تحمل في طياتها الكثير من القلق والخوف وكذلك العنف، لما يطلق
عليه عادة بالصراع العربي الإسرائيلي. كلا التطورين سيؤديان لا محالة إلى
الثورة والحرب وذلك ما سيدفع بدوره الإسرائيليون إلى البدء في الهجرة وبأعداد
كبيرة من إسرائيل:
العلامة الأولى: الانهيار البطئ، وإن كان متصلبا، للصهيونية، أو لذلك الأيمان
الذي يبلغ من العمر أكثر من قرن، في أن الدولة اليهودية ستوفر الرفاهية والعيش
الكريم لليهود وليهود الشتات في أرجاء العالم. إن إسرائيل اليوم في أزمة
اقتصادية وسياسية عميقة. إن المعركة تدور الآن في الأراضي المحتلة وهى التي
فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار.
الكاتب اليهودي الأمريكي المولد والمدافع بعناد عن إسرائيل والصهيونية دانييل
بايبز، يسلم في إحدى مقالاته بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بأن الروح بين
الفلسطينيين، بالإضافة إلى مؤيديهم من العرب والمسلمين، تشير الى مرحلة طويلة
من العنف لعدة أسباب، لكن أهمها أن الفلسطينيين قد أدركوا أن إسرائيل لم تعد هي
تلك الدولة القوية، بل هي على النقيض من ذلك دولة ضعيفة ومنهارة ويمكن بسهولة
إدخال الرعب عليها بأصغر دائرة من العنف.
إن الحرب الباردة قد أسهمت بشكل رئيسي في دعم إسرائيل وساندت الإيمان بالفكرة
الصهيونية. ومما لاشك فيه أن بلايين الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة
ذات التقنية المتطورة من الولايات المتحدة قد مكنت بدورها اليهود في إسرائيل من
تجنب الدخول في اختبار حول مدى إخلاصهم للصهيونية، والتي تمثلت في الانسجام
والتناغم بين الساسة البريطانيين والمثقفين من اليهود الأوروبيين ومن النشطاء
السياسيين. لقد أدى اقتناع وإيمان المواطنين الإسرائيليين العاديين بقابلية
دولتهم للنمو والبقاء، إلى أن يقوموا بدعم ومساندة الدولة بمال وفير من حكومة
الولايات المتحدة ومن المانحين من يهود الشتات في كل أنحاء العالم. إن هذا
الإيمان، والمبالغ فيه بصورة دائمة، قد أخذ في الانهيار. إن الجماهير
الإسرائيلية وخاصة الشباب، والذين يفهمون الحقيقة جيداً، يطلب منهم تحمل
المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.
العلامة الثانية: الانهيار البطئ والعنيد للعالم العربي المستعمر، أو لذلك
الاعتقاد، الذي يعود لقرن مضى، بفكرة أن الدول وحدودها التي رسمها الأوربيون
ستعود بالرفاهية والعيش الكريم لعرب الشرق الأوسط، فالعالم العربي يعيش أزمة
اقتصادية وسياسية عميقة. إذ أن المعارك التي تدور رحاها الآن في الأراضي
المحتلة هي التي فجرت وزادت من حدة ذلك الانهيار، وقد قال قال لي دبلوماسي
عربي، من المهتمين بما يبدو من عدم قدرة العالم العربي على الاندماج في اقتصاد
العالم المزدهر:
- "إننا نعلم بأن وضعنا لا يختلف بالضرورة عن الوضع الذي تواجهه أفريقيا الآن ـ
فالدول والحكومات تقوم بخدمة الغرب بدلاً من أن تخدم شعوبنا ـ وبينما نتفق
جميعاً، بصورة خاصة وغير معلنة، مع وجهة نظرك المعقولة فإننا نمتنع عن مناقشة
تلك الوقائع القبيحة والمحزنة بصورة علنية. فالكثيرين منا يخشون النقد وتبعات
ذلك النقاش".
إن الحرب الباردة قد دعمت بشكل فعال العديد من الدول العربية، كما أنها ساندت
الإيمان بفكرة ذلك الخلق الاستعماري الواسع، ومن الواضح مع ذلك أن آلاف
الملايين من الدولارات من المساعدات وإمدادات الأسلحة ذات التقنية المتطورة من
الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد مكنت الكثير من الدول العربية على تجنب
الدخول في امتحان حول مدى ولاءهم للدول التي صاغها الساسة الأوروبيون في جهودهم
من أجل بناء الإمبراطورية. لقد أدى إيمان واقتناع المواطنين العرب العاديين
بمدى قابلية دولهم للبقاء والنمو إلى أن يبحثوا عن الدعم المالي الوفير من قبل
حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. والآن فان ذلك الإيمان ـ والذي
دائماً ما يكون مبالغا فيه ـ قد أخذ في الانهيار والسقوط.
إن الجماهير العربية، وخاصة الشباب منها، يفهمون تلك الحقيقة جيداً، حيث هم
الذين يطلب منهم تحمل المعاناة والتضحية بلا حدود، وكل ذلك لأسباب مشكوك فيها.
عالم الخيال والحرب
ان تاريخ العالم يعطينا الكثير من الدروس والعبر، لكن أحد هذه الدروس يقف
ليذكرنا ليس فقط بأخطائنا بل أيضاً بتفضيلنا الغريب لتدمير النفس في الصراع حول
مؤسسات وتعهدات اكثر عقلانية. إن هذا الدرس هو في العقل الواعي للإنسان. وهو
يشير إلى حالة من الضعف والتي نعرفها جميعاً على أنها وبائية ومدمرة، وهذه هي
حالة الخيال، والتي قد تكون من أكثر مظاهر الحياة الإنسانية أهمية... الناس
ينكرون الحقيقة أمام أنفسهم، يتراجعون إلى عالم من الأكاذيب وخداع النفس. إن ما
يرفضون قبوله هو بطبيعة الحال أمر مؤلم جداً ومن الصعب تقبله. إن الإنسان،
وبسبب الضغوط النفسية وأهوال الحياة، يعمل على بناء تفسيرات خيالية، وكل ذلك
باسم الدفاع عن النفس. إن هدوء وقوة العقل الإنساني قد تم تعليق العمل بها.
وهذا بالطبع هو احد أسباب الحرب.
إن اليهود في إسرائيل وفي الشتات قد قاموا وخلال سنين عدة بوضع مجموعة من
الخيالات المعقدة، توهموا أنهم لن يقهروا وأنهم متفوقون وأن مصيرهم السيطرة على
الأماكن المقدسة، والعرب أنفسهم بنوا بدورهم مجموعة من الخيالات المعقدة، عن
بواعث الغرب واستراتيجيته، وعن ضعفهم وانقسامهم، وعن فشلهم في استعادة القوة
التي كانوا يتمتعون بها يوماً ما.
إن كل هذا هراء، رغم أنه يخدم هدفاً حقيقياً ـ وهو فقدان الحس. إن اليهود
يشجعون صورة سلبية عن العرب، وكأن على العرب أن يتقبلوا ما هم فيه من مأزق ومن
بؤس. ، العرب من ناحيتهم أيضاً يشجعون صوراً لا تحتمل التصديق عن مقدرتهم على
العيش في عالم بناه لهم الأوروبيون قبل نحو قرن مضى.
انه لموقف محزن ومثير للشفقة وقابل أيضاً للانفجار. أنه وضع غير مستقر، وهناك
العديد من الأسباب التي تشير إلى أنه يتجه نحو التدهور وربما بشكل سريع جداً.
إن المعركة قد بدأت الآن ـ بين من ليس في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم من عرب
فلسطين وبين يهود إسرائيل المدججين بالأسلحة الثقيلة ـ مما يعيد واقع الحياة
مرة أخرى إلى المقدمة.
وكما عاد الواقع إلى الظهور ثانية بشكل أكثر وحشية وإهانة فان الحرب أصبحت
محتملة جداً هذا إذا لم يكن من المتعذر تجنبها. تلك الحرب ستكتشف منطقها
وحياتها بنفسها. إن التقنيات والاستراتيجيات ستظهر بشكل تلقائي، للحروب التي
ينبغي أن تدار بفهم عميق لحدودها وعقباتها. إن حمى الحرب تنتشر بسرعة وأكثر
أسبابها عمقاً هو النفط ـ المصدر الطبيعي والضخم للثروة في الخليج الفارسي.
فالنفط هو شريان حياة الاقتصاد الصناعي.
إن الجماهير العربية المسحوقة فقراً والمحرومة من كل الامتيازات لم تعد تود
البقاء معزولة عن هذا الاقتصاد المزدهر. انهم يعلمون بأنهم لا بد من أن يحصلوا
على نصيبهم من تلك الرفاهية والسلطة. كما أنهم يعلمون بأن لا بد لهم من
المشاركة في هذا النمو السريع للعالم الصناعي.
انهم يفهمون الآن بأن عليهم أن يقاتلوا من أجل ذلك الحق. انهم يعرفون بأن القوة
ـ والقوة وحدها والمتمثلة في الحرب والعنف ـ هي التي تحترم. هذا هو أساس بناء
النفس البشرية، فالتفاوض في غالب الأحيان أمر عديم الجدوى ويصور بأنه هو الحل،
كما يصفه أصحاب السلطة والثروة بأنه دواء لعلاج كل الأمراض.
إن الصراع من أجل الثروة في الشرق الأوسط قد بدأ. ومن المتوقع أن يكون صعباً
وخطيراً. انه صراع يظهر في شكله الأولي على أنه حرب دينية. فالرجال والنساء في
العالم الإسلامي يخوضون حرب جهاد لاستعادة كبريائهم وقوتهم وحضارتهم ـ وليدمروا
عالماً لم يجلب لهم سوى البؤس والشقاء.
وكما هو في كل شأن من شئون الحياة البشرية فان المعارك تكون معقدة جداً، فهي
تمتزج بالخداع، أما البواعث والنوايا الحقيقية من تلك المعارك فهي نادرة
الظهور، هذا إذا ما ظهرت. لأنها في الغالب تكون مخفية. إن المعارك التي تدور
الآن في منطقة الهلال الخصيب ليست إستثناءا من هذا، ومع ذلك فان هناك دائماً
ظاهرة واضحة وجلية ـ وهي عناصر المعركة ـ وتلك الظاهرة هي التي يجب أن يتم
التحقيق بشأنها وتحليلها. فالنفط، والحلفاء، والدولار هي أكثر تلك العناصر
أهمية.
عناصر المعركة
برغم العدد الكبير من الصفحات التي ألفها الباحثون حول الصراع العربي
الإسرائيلي، وعلى الرغم من عقود من المقالات التي لا تنتهي أعدها الخبراء
والصحفييون، ورغماً عن الوصفات المتعددة الغبية والتافهة للساسة الأمريكيين
والأوربيين لحل الأزمة، وبالرغم من حملات الأكاذيب والدعاية المتواصلة
والمستمرة لمراكز البحوث والدراسات في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية فان
هناك القليل ـ أو انه حتى لا يوجد ـ من الجهود للشرح باختصار ووضوح لماذا أن
هناك 7 مليون فلسطيني ( داخل الأراضي المحتلة إضافة للاجئين من ضحايا الحروب )
ما زالوا يعانون وهم في حالة معيشية مزرية. تلك الحقيقة المحزنة توحي بأن على
هؤلاء الناس أن يتقبلوا مصيرهم، فما يوجد بتلك المشكلة التي يعود عمرها لأكثر
من قرن من الزمان من تعقيدات هو ببساطة أمر مروع جداً لا يستطيع أكثر الناس
رحمة أو معرفة أن يستوعبوه.
إن ما يصوره الغرب على أنه لغز هو في الواقع حيلة ماكرة يستطيعون من خلالها
الوصول لأهدافهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
إن من المؤكد أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي أمر يصعب تحليله، لكن من الممكن
شرحه في بضع كلمات وبقليل من الأفكار والمفاهيم (2) ، ويمكن تحقيق ذلك بكفاءة
ودقة محكمة عن طريق طرح سلسلة من الأسئلة. فالمعرفة، والتي تتطلب دائماً جهداً
لفهمها واستيعابها، يمكن رغم ذلك وضعها في شكل يمكن خشيته وهو ينضح قوة.
والمعرفة بهذه الصورة هي سلاح وسلاح مدمر ولذا فان الباحثين قد لفتوا الانتباه
للاهتمام بها لفهم العالم.
ما هو السبب الرئيسي للصراع العربي ـ الإسرائيلي ؟
مما لاشك فيه أن التصنيع الذي حدث لاقتصاديات العالم في النصف الثاني من القرن
التاسع عشر قد وضع الأساس للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهذا أمر لم تتم مناقشته
أبداً في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى، وقد بدأ الأمريكيون في
استخراج النفط لأول مرة في عام 1860، وقد أدركوا بسرعة إن النفط سيكون أداة
فعالة في الاقتصاد الصناعي حيث أن التصنيع والاحتراق الداخلي للماكينة يتطلب
قدراً هائلاً من الطاقة.
بدأ الصراع العربي ـ الإسرائيلي عندما تم اكتشاف النفط لأول مرة في إيران في
بواكير القرن العشرين. وقد بدأ عمل أول مصفاة للنفط في إيران عام 1913. وكانت "
اللعبة الكبرى "ـ وهو تعبير استخدمه ضابط الجيش البريطاني آرثر كوناللي الذى تم
إرساله إلى منطقة آسيا الوسطى في عام 1831 من القاعدة الاستعمارية البريطانية
الأمامية في كلكتا بالهند ـ هي سباق كبير للقوى العظمى للسيطرة على الأمم وعلى
المواقع الاستراتيجية في العالم. إن اكتشاف النفط ـ وقيمته الكبرى في الاقتصاد
الصناعي ـ قد زاد من السباق من أجل السلطة والنفوذ. روسيا وبريطانيا تقاسمتا
إيران، وفي هذا الوقت أيقن الخبراء الاستراتيجيون البريطانيون في لندن أن عليهم
الاستفادة من كل الوسائل الممكنة لإيجاد موضع قدم لهم في منطقة الخليج الفارسي،
حيث الاحتياطي الرئيسي للنفط يقع في مصب نهري دجلة والفرات.
أظهرت الحرب العالمية الأولى بوضوح ودون خطأ لغوي ـ العنف المنظم ـ أن الحرب
الميكانيكية، والتي هي بالضرورة قوة الاقتصاد الصناعي الذي يجري تطبيقه على
صناعة الحرب المربحة، لن تكون ممكنة دون النفط. ولذا أصبحت بريطانيا مصممة على
الفوز بمواقع ثابتة لذلك النفط، وبدأت في تكثيف جهودها للتأثير على جهود دول
الشرق الأوسط، والتي تشمل بالطبع إيران.
إن الوسائل التي اتبعتها بريطانيا للحصول بواسطتها على موضع قدم في الشرق
الأوسط أصبحت بعد قليل واضحة لطموحات الخبراء الاستراتيجيين في لندن، ولعدة
عقود من السنين ظل المثقفون اليهود في أوروبا الشرقية وروسيا يتأملون في المأزق
الذي يعيشه الشعب اليهودي في أوروبا. أولئك الرجال والذين كانوا يناصرون علناً
وجهة النظر الخيالية حول المستقبل، إضافة للاشتراكيين، كانوا يردون بذلك على
يأس وقنوط اليهود الأوربيين. إن ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، كان
ملحداً، كما كان من المنادين بحماس شديد لابعاد اليهود من أوروبا إلى دولة خاصة
بهم، وحمل هرتزل وجهة النظر تلك إلى كل المدن في أوروبا في بدايات عام 1900
ساعياً بالبرهان والحجة للدعوة من أجل الانفصال والعزل العرقي. وقد وجد تعاطفاً
في لندن فى أوساط السياسيين البريطانيين البارزين وكبار رجال المال اليهود من
ذوي النفوذ ومن بينهم اللورد " ليونيل والتر روتشيلد " واللورد " آرثر بلفور "
الذي عمل بشكل مباشر مع اللورد " الفريد ملنر " والذي كان عضواً بارزاً في
حكومة الحرب برئاسة لويد جورج. وهذه هي الطريقة التي كتب بها فيما بعد وعد
بلفور المشؤوم. بدون أي مناقشة عامة.
ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية التي هيأ إنهيارها فرصة استراتيجية، قام
الساسة البريطانيون باستغلال تلك الفرصة سريعاً، وقاموا بصياغة خطة سياسية
لتشجيع يهود أوروبا المضطهدين على الاستيطان في أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان
في الشرق الأوسط، منطقة الهلال الخصيب.
وكانت هجرة اليهود إلى فلسطين بطيئة جداً حتى عام 1930، غير أنه في عام 1944
أصبح عدد اليهود يمثل 31% من العدد الإجمالى للسكان والبالغ قرابة 2 مليون
نسمة، وبدأت أول انتفاضة عربية في عام 1930 واستمرت لسنوات عدة.
عمل فلاديمير جابوتينسكي وغيره من المقاتلين الصهاينة عملوا بحماس لضمان سرعة
وسلامة الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومع إسرائيل ـ تلك القاعدة العسكرية
الأمامية للغرب في الشرق الأوسط ـ قامت الحكومة الأمريكية، والتي ورثت عقب
الحرب العالمية الثانية بقايا الإمبراطورية البريطانية بالإضافة إلى سعيها
للسيطرة على العالم، بإيجاد الظروف الملائمة والتي تسمح لها بالسيطرة على
المنطقة وعلى النفط.
لقد خلق الوجود العسكري الإسرائيلي أزمة ونزاعاً وحقداً وغضباً وكراهية وعنفاً
وحرباً، وكانت النتيجة قابلة للتنبوء ومفزعة: فواقعياً لم يكن هناك استثمار
أجنبي مباشر في المنطقة يحافظ على صناعة النفط؛ حيث كانت رؤوس الأموال تنقل
بشكل متواصل إلى نيويورك وزيورخ ولندن؛ وأخذ ظهور الديكتاتوريات العسكرية يتم
بدعم وسند بالسلاح والمال من الغرب؛ وهناك أخيراً النفط الرخيص.
إن السبب الرئيسي للصراع العربي ـ الإسرائيلي ليس هو النزاع على الأرض والماء
أو الأماكن المقدسة ـ رغم أهمية تلك الأسباب ـ إنما هو على النفط والقوة غير
العادية التي يوفرها. إن النفط والسيطرة العملية عليه وعلى تجارته وعلى تنقيته
وعلى أسعاره، هي أسباب اندلاع الصراع في بواكير القرن العشرين واستمرار الأزمة
في القرن الحادي والعشرين.
إن من المعروف الآن أن الغالبية العظمى من احتياطي النفط في العالم موجود في
الشرق الأوسط، كما أنه من المحتمل جداً أن هناك من الاحتياطات الكبرى التي
تنتظر الاكتشاف لتمنح الاقتصاد العالمي عقوداً أخرى إضافية من الطاقة.
قبل قرن مضى وعندما كان النفط يعتبر من أكثر الأشياء قيمة ومرغوباً بشدة ـ
كسلعة استراتيجية ـ شهد العالم خلاله اندلاع أكثر الصراعات وحشية وحقداً في
تاريخ البشرية. ففي السنوات الأولى من القرن العشرين بدأ أكبر انتقال للثروة من
الشرق الأوسط إلى العالم الغربي. وكان الصراع حول ذلك الانتقال للثروة. أرادت
الولايات المتحدة أن تمنع وقف ذلك الانتقال. حصل الغربيون على ذلك الكم الهائل
من الطاقة من الشرق الأوسط، واستغلوا تلك الطاقة بشكل كامل وبثقة وبحرية كاملة
ـ وأستمر ذلك حتى أكتوبر من عام 1973. عندما قام العرب والمسلمون، والذين
أقاموا منظمة الأقطار المصدرة للنفط في 1960، عاقدين العزم على تحدي سيطرة
الغرب على شريان حياة الاقتصاد الصناعي.
لماذا تزداد أزمة الشرق الأوسط الآن حدة، وتتحول إلى معارك صغيرة ضارية بين
العرب الفلسطينيين المسلحين بأسلحة خفيفة واليهود المسلحين بأسلحة ثقيلة ؟
على الرغم من إن المؤرخين ورجال السياسة ينفرون من الاعتراف بتلك الحقيقة، إلا
أن الدبلوماسية والسرية والتآمر قد لعبت كلها دوراً كبيراً في التاريخ، وفي
العلاقة التي كانت بين الحكومة من جهة والمؤسسات من جهة ثانية أو بين الجماهير،
سواء كانت تلك الجماهير متعلمة أو جاهلة. هذه هي الطبيعة الإنسانية. إن
الاندفاع نحو السلطة والثروة، نحو المعرفة والفهم، ونحو الانتقام ـ كل
الدبلوماسيين من ذوي الخبرة يعرفون أن تلك الصفات تسيطر على السلوك الاجتماعي
في الإنسان ذلك الحيوان المعقد. وهذا ما يعطي لحياتنا معنى، لذا فانه وبينما
تحصل إسرائيل على 40% من حاجتها المائية من الأراضي المحتلة، حيث هناك الآن
حوالي 200 ألف مستوطن إسرائي |