From : mfalhy2002@yahoo.com
Sent : Wednesday, June 8, 2005 5:08 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

الأدب المحظور والسر المنشور:
هل انتصر القلم وخسر السيف معركة الكلمة؟!
بقلم: د. محمــد فلـحي
• كاتب وأستاذ جامعي عراقي
 


اللغة معجزة الله التي أودعها في عقل الإنسان،دون غيره من المخلوقات،وعندما تمر الكلمة عبر ريشة القلم،فإنها تتسرب كالضوء والهواء..تعبر الحدود وتكسر القيود،وتخترق المسافات، فتؤثر وتغيّر،وبخاصة اليوم، في فضاء الإلكترونات والأقمار والشبكات!.. ولا ريب أن الإبداع الأدبي والفني وسيلة راقية ابتكرها العقل الإنساني للتعبير عن مكنونات النفس البشرية،واستخدام موهبة الخيال في إعادة تصوير الواقع أو تجسيد الصراع الأزلي بين الخير والشر.


ليس ثمة قدرة على الإبداع في غياب الحرية،ولكن ما حدود تلك الحرية، وما الخطوط الحمر التي ينبغي ألا يتجاوزها الأديب ، لكي لا يسقط في خنادق المحظورات والممنوعات والمحرمات.. وما أكثرها؟! لا يستطيع المبدع التحليق إلا في فضاء الحرية الواسع، بيد أنه غالبا ما يصطدم بالحواجز السياسية والدينية والأخلاقية،التي تحاول اصطياده ووضعه في قفص ضيق،لكي يغرد مثلما يريد الصياد،وليس مثل ما يرغب ضميره، أو مثل ما تفرض عليه حريته ورغباته ونزعاته غير المحدودة!


الكتابة في ظل المحظورات نوع من اللعب الخطر في الممنوع:الكلمات مفرقعات،والقصائد مخدرات،والقصص خناجر، والروايات سموم!.. أما الكاتب نفسه فهو متمرد أو ملحد أو منافق أو قاطع طريق أو مصاص دماء! وفي مواجهة خطر الكتابة، يستطيع مقص الرقيب قطع أجنحة الأديب، الذي يحاول أن يطير خارج السرب،أو تمزيق حنجرة الذئب الذي يعوي خارج الأسوار، ويهدد أمن القطيع! يستطيع أي حاكم بأمره تكسير الأقلام وحرق الكتب وتدمير المكتبات وقطع الأيدي والألسن والأذان،لكي لا يزعج صراخ المقهورين خدم السلطان، ولكي لا يرتفع صوت الحق فوق هراء المدّاحين أو الهجّاءين أو الغلمان.


في تراثنا ما يزال صوت الشاعر يرن في امتداح السيف القاهر في مواجهة القلم المقهور، ف ((السيف أصدق أنباءً من الكتب..في حده الحد بين الجد واللعب))!..وهو السيف نفسه الذي نحر رقبة كل من الحلاج وابن المقفع والمتنبي، وكانت جريمتهم جميعاً( كلمة)!


في عصرنا الحاضر، شهدنا صراعات عديدة قاتلة بين السيف والقلم..أو بين المدفع والكتاب..وربما شاركنا، سواء كنا مبدعين أو متلقين، في معارك ضارية، ذبحت فيها السطور وحرقت الأوراق وسفكت الدماء..فالفرق بين الإيمان والكفر (كلمة)..والمسافة بين الحق والباطل (كلمة)..والممنوع والمسموح (كلمة) أيضاً!


ولكن مما يثير الدهشة أن الدم كان ينتصر على السيف، في كل الدهور..وكل الرسل والأنبياء نقلوا إلى شعوبهم رسالات الباري عز وجل وكتبه، فانتصروا بكلمة الحق وحدها، قبل السيف والمدفع والصاروخ والغواصة والقنبلة الذرية!.. فهل خسر السيف آخر المعارك، وهل يجد من يكرمه ويضعه في متحف أو خزانة أو تحت السرير!.. هل انتصر القلم والكتاب أخيراً!؟


خلال السنوات الأخيرة تابعنا بعض المعارك القلمية،فمن حسن الحظ أن الكثير من المثقفين باتوا يجيدون الحوار عبر الكلمات والأقلام بدلاً من السيوف والمسدسات..لكن ثمة فئة من البشر ما زالت تعتقد أن قرقعة السلاح أبلغ من لغة الكتاب، وان الذبح أفضل من الحوار.. ومن المؤسف أن
القاتل والمقتول يرفعان كتب الله، ويرددان كلماته..كأن صِفّين ما زالت دائرة، وكربلاء متواصلة!


بين المؤلف والإمام!
ما يزال سيف المحظورت، مشهراً في وجه الكلمات،في حرب لا يمكن أن يباركها الله، وقد رأينا في المدّة الأخيرة، أكثر من معركة مفتعلة، من هذا النوع، بين الدين والإبداع الفكري والأدبي، في دول عربية عديدة،وكان أغلب الضحايا من الموهوبين الذين اتهموا بالردة والكفر، وكان دليل الإدانة والاتهام كتبهم المنشورة..نوال السعداوي،الطبيبة والأديبة المصرية مثلاً،كانت قبل أشهر قليلة، في مواجهة قرار جديد لـ"مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف" بمصادرة روايتها الشهيرة "سقوط الإمام" التي نشرت للمرة الأولى قبل عشرين سنة, وطبعتها "دار المستقبل العربي" وترجمت إلى 14 لغة, وأعادت "دار الساقي" طبعها قبل سنتين. المعركة الجديدة بين الأزهر والسعداوي أعادت طرح قضية مصادرة الكتب إلى السطح بسرعة قبل أن يغلق باب الجدل على ديوان الشاعر أحمد الشهاوي "الوصايا في عشق النساء", الذي أمر المجمع العام الماضي بمصادرته، رغم احتجاج المبدعين والمفكرين والأدباء. وكان الأزهر قد رأى أن أربعة كتب تتداول في الأسواق تتضمن مخالفات صريحة للإسلام, أولها رواية السعداوي "سقوط الإمام" التي أعتبر المجمع أنها "قائمة على أحداث خيالية،البطل فيها شخصية محورية, وأطلقت عليه الكاتبة صفة الإمام, وتضمنت إساءات بالغة للإسلام وتعاليمه". وضمت القائمة أيضاً كتاب "الماسونية... ديانة أم بدعة", تأليف اسكندر شاهين، والذي رأت "لجنة الفحص" أنه يروج للماسونية التي تحارب كل الأديان, وفي مقدمها الإسلام, أما الكتاب الثالث فهو "نداء الضمير" لمؤلفه علي يوسف علي "الذي يهاجم من خلاله السُنة النبوية ويشكك في كتبها الصحيحة ومصادرها وفي مقدمها صحيحا البخاري ومسلم". والكتاب الأخير هو "مدينة معاجز الأئمة الأثنى عشر ودلائل الحج على البشر", لمؤلفه السيد هاشم البحراني . لم تستغرب السعداوي الحملة الجديدة ضدها, ولفتت إلى أن الرواية كان قد مُنع توزيعها في معرض القاهرة للكتاب قبل سنتين, وقالت "في كل سنة يخرجون عليّ بحملة جديدة لإلهاء الناس وتخويف المبدعين وموالاة المتطرفين، تارة بالسعي إلى تطليقي من زوجي بدعوى خروجي على الإسلام, وتارة بمهاجمة موقفي من قضية ختان الإناث, وأخيراً الطعن في كتبي ورواياتي", واعتبرت أن التيار المتطرف "متغلغل في السلطة ومخترق للأزهر وهناك من يسعى إلى تملق المتطرفين لأسباب ودوافع مختلفة، من بينها كسب أصواتهم في الانتخابات أو اتقاء شرهم وتجنب عنفهم". وأشارت إلى أنها كتبت جزءاً من رواية "سقوط الإمام" داخل السجن عندما اعتقلها السادات مع سياسيين وكتاب ومفكرين في خريف العام 1981, موضحة أنها قصدت بالإمام السادات نفسه, ولفتت إلى أنها قصدت "فضح سلوك الحكام الفاسدين في الرواية",ووصفت السعداوي موقف الأزهر الجديد منها بأنه "دعوة للقتل, وتحريض ضد حياتها".!!


هذه العبارة الأخيرة ذكرتني بواقعة طعن الروائي نجيب محفوظ بسكين، قبل سنوات، من قبل شاب، قال في اعترافاته أنه (سمع) أن روايات محفوظ مسيئة للإسلام، على الرغم من أنه لم يطلع عليها أو يقراها!!


قضية المرأة .. والوليمة!
منذ مطلع الألفية الثالثة شهدت الساحة الثقافية العربية أكثر من معركة مشابهة حول مضامين بعض الكتب التي اعتبرت مسيئة لمبادئ الإسلام الحنيف، ففى شهر أي النار (يناير) عام 2000 بدأ الصحفي مجدى حسين رئيس تحرير صحيفة ( الشعب) تناول بعض المطبوعات التي لا تحترم المبادئ الدينية، ومنها كتاب : (الجنوسة في الإسلام).والكتاب طبع للمرة الأولى في عام 1999 ليوزع مجانا على هامش احتفالية أقامتها وزارة الثقافة المصرية تحت عنوان (100 عام على تحرير المرأة)، احتفلت فيها بذكرى صدور كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، الذي يعتبره الكثيرون بداية لمشروع النهضة الحديث.


كتاب ( الجنوسة في الإسلام) لمؤلفة مغربية تدعى ليلى أحمد، سطرته باللغة الفرنسية، لتتناول فيه مفاهيمها حول معالجة الإسلام لقضايا المرأة، بما فيها قضاياها الجنسية، وقد تنبه مجمع البحوث الإسلامية، بعد عامين من كتابة مجدى حسين عنه، فطالب بحظر توزيع الكتاب ومعاقبة المسئولين عن نشره، باعتباره يمس الثوابت الإسلامية. وفي حملة صحفية غير مسبوقة شن الكاتب الدكتور محمد عباس هجوماً عنيفاً ضد رواية( وليمة لأعشاب البحر) لمؤلفها الروائي السوري حيدر حيدر،وقد بدأت هذه الحملة بمقالة بعنوان( من يبايعني على الموت؟!) نشرتها صحيفة ( الشعب) في شهر الطير ( أبريل) عام 2000 ثم تلتها مقالة أخرى، للكاتب نفسه ضد كتاب( شعر الحداثة في مصر) وهو من تأليف أدور الخراط ،وقد اقتطع عباس من هذين الكتابين عبارات،وجدها بالغة الخطورة وشديدة البذاءة والإساءة إلى الدين والأخلاق.


ليس ثمة اختلاف على ضرورة مراعاة القيم الدينية والأخلاقية من قبل المؤلفين، بيد أن تلك المقالات لم تكتف بفضح مساوئ هذا النوع من الكتب،بل تضمنت دعوات تحريضية واضحة لإثارة الرأي العام،ونقل المعركة إلى الشارع ، وليس على صفحات الكتب والجرائد، وهو ما حدث فعلاً عندما اندلعت احتجاجات ضد نشر هذه الكتب، تطورت إلى مصادمات بين طلبة الجامعات والشرطة!


وخلال عام من انفجار ما سُمّي بأزمة الوليمة، طرحت المطابع سبعة كتب ،تناولت موضوع الصراع المزعوم بين الدين والثقافة، ومن أهم تلك الكتب ما نشره الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي بعنوان : (وليمة لأعشاب البحر في ميزان الإسلام والعقل والأدب) ، وكتاب أحمد فؤاد عبد العزيز( الإلحاد يكشف أقنعته). كما صدر كتاب آخر بعنوان (الملحدون الجدد) للصحفي جمال عبد الرحيم، ويتضمن وثائق خطيرة، ومعلومات مثيرة تنشر لأول مرة، عن أهم قضايا ازدراء الأديان في السنوات الأخيرة، التي اتفق فيها علماء الأزهر الشريف ورجال القضاء على إدانة مرتكبيها لتطاولهم على الذات الإلهية واعتدائهم على الأنبياء والرسل وسخريتهم من المقدسات الإسلامية . القضية الأولى التي ينشرها الكتاب بطلها الدكتور نصر أبو زيد، الذي تم التفريق بينه و بين زوجته بحكم قضائي نهائي من محكمة النقض، وإبعاده عن التدريس في الجامعة.
الثانية : عوقب فيها صلاح الدين محسن عضو اتحاد الكتاب بالحبس ثلاث سنوات، ومصادرة مؤلفاته التي تتضمن تطاولا غريبا، يشبه الجنون، على الدين الإسلامي والقرآن الكريم
.
الثالثة: مصادرة رواية (وليمة لأعشاب البحر) بعد الأزمة التي أثارها ضدها الدكتور محمد عباس!..كما يضم الكتاب قضايا أخرى، اتهم فيها كتاب ومثقفون بعدم احترام الثوابت الدينية والأخلاق العامة.

حرب التفكير
ظاهرة الحظر والصراع الفكري لا ترتبط بزمان أو مكان أو مجتمع معين ، بل تكاد تكون حرباً عالمية، ففي فرنسا، قبل سنوات واجه كتاب المفكر روجيه غارودي( أسطورة المحرقة) حملة سياسية وقضائية، وذلك لمجرد تشكيكه في المزاعم اليهودية حول المحرقة النازية، ومن جانب آخر لم تتورع الكثير من دور النشر الغربية عن الترويج لكتابات المستشرقين المعادية للإسلام،باسم الحرية الفكرية، مثلما فعلت الجامعة الأميركية في القاهرة عام 1999 عندما سمحت بتدريس كتاب يتناول سيرة حياة الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) من تأليف أحد المستشرقين الإنجليز،ويتضمن عبارات وأوصاف تسيء إلى مكانة الرسول الأمين، وفي الوقت نفسه ( منعت) الجامعة تدريس كتاب السيرة الذاتية( الخبز الحافي) للكاتب المغربي الراحل محمد شكري، بحجة وجود عبارات إباحية فيه!


ثمة تساؤلات لا بد من أن تطرح هنا:هل ستظل هذه المعركة محصورة في إطار ما يُكتب ويُنشر، أم أنها مقدمة لحرب أوسع تشمل الفضاء المسموع والمرئي؟!..هل سوف تُطبق المعايير الدينية والأخلاقية نفسها، في مجال الإنتاج الفني، الذي يشمل السينما والتلفاز والتصوير والرسم والنحت، وغيرها من الفنون الإبداعية؟!..وهل تشمل عملية التقويم والمراجعة والمصادرة والإحراق كل الأرشيف الأدبي والفني،وكل كنوز التاريخ والآثار التي قد يرى بعضهم أنها تتعارض مع النصوص الدينية؟!..وكيف نضمن احترام القيم والأخلاق، في مجالات الإبداع المتنوعة، ونوفر الحرية
المطلوبة للمبدعين، في الوقت نفسه؟! نحن بحاجة إلى إجابات أكثر وضوحاً وتفصيلاً من الفتاوى وقرارات المحاكم، لأن حرب الكلمة أوسع من ذلك وأخطر بكثير.!