From : dasu@online.no
Sent : Wednesday, June 8, 2005 4:52 PM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
 

المؤثرات الإيرانية في السياسة العراقية ؟
داود البصري




كعادتي ، في الصراحة المطلقة والموجعة والمباشرة فإنني اليوم أبدأ مقالي بتذكر عبارة آخر والي للأمويين في ( خراسان ) وهو ( نصر بن سيار ) وكانت جملة تحذيرية بليغة يحذرهم فيه من نهاية أمرهم وغروب شمسهم ، ومحذرا من وقوع الفتنة وحيث قال : { أرى تحت الرماد وميض نار يوشك أن يكون لها ضراما }!! ، وقد إختتم تحذيره بقوله : إن الهدف هو هلاك العرب!!.

وإشكالية العلاقات الإيرانية المتداخلة مع العراق الجديد هي إشكالية عويصة ومعقدة ومتداخلة وتثير كل عوامل العجب والتعجب ؟ فليس سرا معرفة حقيقة أن الكثير من الظواهر السلبية السائدة والمتفشية في عراق اليوم تقف خلفها الأجهزة الإيرانية ؟ وهي الحقيقة التي أكدتها وألحت على تأكيدها الحكومة العراقية السابقة برئاسة الدكتور أياد علاوي ! وحملات وجمل التهم المباشرة والصريحة التي كان يطلقها وزير الدفاع العراقي الأسبق الأخ حازم الشعلان شهيرة وموثقة وقاسية وصريحة ومباشرة ، فمنذ إنهيار وتلاشي النظام الصدامي وإيران كانت تعمل حثيثا على إستغلال حالة الفراغ الأمني و تمكنت تحت أشكال وصيغ مختلفة من الهيمنة والتمدد وشراء الأنصار و دعم الموالين وتسريب عملائها ورجالها بين صفوف المليشيات الدينية والطائفية التي نبتت كالفطر السام مشوهة كل تفاصيل وصور الحياة العراقية ؟ حتى جعلت من الجنوب العراقي في ظل سياسة الخبث والتغاضي البريطانية الماكرة بمثابة محمية إيرانية !! نعم .. لقد وجدت في البصرة ( أهواز ) أخرى ؟ وشاهدت عظم ودرجة التدمير والسحق والإبتزاز السياسي التي تمارسه الجماعات والعصابات الطائفية هناك في ممارساتها المدمرة لمستقبل التعايش السلمي الأهلي والطائفي ، وفي تخريبها العبثي لصيغة التعامل الحضاري التي درج عليها البصريون ؟ لقد ترعرعت الجماعات والمليشيات الطائفية عبر الدعم الإيراني المباشر وأمام أنظار وتحت أسماع الحكومة العراقية بل بمباركة بعض أطرافها ، وأسماء جماعات من طراز ( حزب الله ) و ( ثأر الله) و ( منتدى الولاية ) و ( سيد الشهداء ) و ( جماعة الفضلاء ). و ( الفضيلة )..!! وغيرها من العناوين ذات المسوح الدينية والدلالات الطائفية قد فرضت سطوتها على الواقع الحياتي في الجنوب العراقي هذا غير نمو ( عصابة مقتدى الصدر ) وجماعات الدعوة الإسلامية ، والدعوة ( تنظيم العراق )! وجماعة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والذي كان ولازال في رأيي منظمة إيرانية بحتة تخضع لتوجيه السلطات الإيرانية رغم أنها تحكم العراق اليوم؟ ولها ثقلها الملموس في واقع السياسة العراقية شئنا أم أبينا؟ ولعل تذكر ثلاثة أحداث مهمة عاشها العراق مؤخرا يؤكد إستمرارية تبعية عناصر المعارضة العراقية السابقة للنفوذ والهيمنة بل وللضغوط الإيرانية المباشرة والعمل الحثيث لخدمة السياسة الإيرانية :

الملف الأول : القرار رقم واحد للدكتور إبراهيم الجعفري ( رئيس الوزراء )!.

فبعد زيارة وزير الخارجية الإيراني ( كمال خرازي ) الأخيرة لبغداد ، أصدر رئيس الوزراء العراقي السيد د. إبراهيم الجعفري قراره المرقم ب ( 1 ) في 22 مايو المنصرم ينص فيه على إطلاق سراح جميع المسجونين الإيرانيين في العراق دون مساءلتهم عن جرمهم ! بدعوى إنهم مجرد زوار للعتبات المقدسة!! وهي الحجة التي تتسلل من خلالها العديد من العناصر الإيرانية والأفغانية والباكستانية ( الأصولية ) للعراق ؟ ولا أدري لماذا لا يسلكون الطريق الطبيعي للزيارة الدينية من خلال الضوابط القانونية ؟وهو قرار وزاري مؤسف ويستهين بالإرادة الشعبية العراقية ، وتم بشكل فردي ودون عرضه على الجمعية الوطنية العراقية المنتخبة رغم أنه ذو خلفيات أمنية على صعيد حماية الجبهة الداخلية والشعب العراقي من العصابات الإرهابية التي تسرح وتمرح ، ومن شبكات تهريب المخدرات والدعارة التي تقف خلفها إيران مهما بالغ اللوبي الإيراني في العراق والمتمركز في مفاصل السلطة في نفيه!! ، إنه قرار ينم عن تبعية مؤسفة لإيران وعن إستهانة فظيعة بالرأي العام العراقي ؟ فإيران ذاتها ظلت لسنوات طوال تحتفظ بالعديد من أسرى الحرب العراقيين وتمارس المساومة المريضة على ملفات إنسانية عالقة ، وإيران ودبلوماسيتها ظلت تمارس سياسة الإبتزاز في سرقة الطائرات العراقية التي هربها النظام البائد لها عشية حرب ( عاصفة الصحراء ) 1991! وهي أملاك الشعب العراقي وليس ملكا لصدام وعصابته ؟ وإيران عارضت حرب إسقاط صدام رسميا وعلنيا ومارست المضايقات ضد المعارضة العراقية بل أن الجعفري ذاته كان أحد ضحاياها في إطار الحملة الإيرانية الرسمية ضد حزب الدعوة العراقي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ؟ ، وإيران لها دور مهم في تخريب الحالة الداخلية في العراق ، ومع ذلك تكافأ ويكافأ رجال مخابراتها الذين دخلوا البلد للتخريب بحجة الزيارة ليطلق سراحهم دون مساءلة ؟ ماذا يمكن أن نسمي هذا القرار الجعفري ؟ وأين رجال القانون في العراق ؟ وأين المعارضة في المجلس الوطني التشريعي المنتخب ؟ وأين النخب العراقية المثقفة الحرة الحريصة على دماء العراقيين ومصالحهم ؟ وما هذه ( الأريحية ) في التعاطي مع ملفات التخريب الإيرانية ؟.. إنها مجرد تساؤلات مشروعة في زمن الديمقراطية العراقية المفترض !.

الملف الثاني : تصريحات وكيل وزارة الخارجية العراقي حول حق إيران في التعويض!!!.

أما مرافعات وكيل الخارجية العراقية السيد حامد البياتي ( من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) حول حق إيران في تسلم تعويضات الحرب الإيرانية / العراقية والتي حددها ب100 مليار دولار أمريكي! رغم ظروف العراق الإقتصادية والمالية الصعبة فهي تثير الأسى والعجب على حماسة المسؤولين العراقيين ( المفترضين ) وحماقتهم السقيمة في الدفاع عن المصالح الإيرانية بشكل محموم ومريض وغير طبيعي ، فلقد أكد السيد الوكيل على حق إيران الطبيعي في المطالبة وتسلم التعويضات وهي بالمليارات دون أن يطالب بإطفاء أو إلغاء أو تخفيض تلك الديون أسوة بما فعلته العديد من الدول الدائنة للعراق ؟ ومسؤولية الحرب الإيرانية هي مسؤولية مشتركة فقد عانى من آثامها وجرائمها شعبي العراق وإيران و أجهزت على موارد وإمكانيات البلدين ، والشعب العراقي برمته غير مسؤول عن تلك الحرب التي كان أول ضحاياها هو الشباب العراقي وبالتالي فإن مسألة التعويضات كان يمكن أن تكون خاضعة للتفاوض الطويل والصعب بين البلدين وبما يحفظ مصالح جميع الأطراف المتضررة ! ، أما أن يأتي السيد حامد البياتي وبتصريحاته ( الفهلوية ) ويدافع عن المنطلقات والمطالبات الإيرانية فهذا يجعله وكيلا للخارجية الإيرانية وليس العراقية!! ويجعل ولائه للولي الإيراني الفقيه وليس للشعب العراقي! رغم أن من عينه في منصبه الرفيع بعد التشرد في لندن ليس الولي الإيراني الفقيه ! بل الحاكم الأميركي الأسبق بول بريمر!!، ومع ذلك فما زال هوى وكيل خارجيتنا ( المحروس ) إيرانيا حتى النخاع !! وهذه من عجائب وغرائب الزمن العراقي الجديد !!. وهنيئا لإيران بوزارة الخارجية العراقية المحروسة!.

الملف الثالث: نقل ضريح الخميني للنجف؟.

وفي سابقة لم تحدث ولا أظنها ستحدث، أعلنت بعض المصادر الخبرية في العراق وقد ( لا يكون الخبر صحيحا )! عن لقاء وتجمع بعض الجماعات الإسلامية العراقية بالذكرى السنوية لرحيل الإمام الخميني في مدينة النجف !! والتي أعربت عن أسفها العميق لعدم رؤية الخميني لمدينة النجف وهي محررة!! ( ترى من حررها ؟ ) أليس من يسمونه ( الشيطان الأكبر )! وهي التسمية التي أطلقها الخميني على الولايات المتحدة؟ بل والأخطر عن نية هذه الجماعات ورغبتها بنقل ( ضريح الخميني ) ورفاته من جنوب العاصمة الإيرانية ( طهران ) لتدفن في النجف!! في خطوة غريبة وغير مفهومة وتتقاطع مع خيارات الشعب الإيراني ، فالخميني زعيم ديني وسياسي إيراني محض وضريحه الضخم في ( طهران ) بقبابه الذهبية ونقوشه الصفوية والمتشابه مع أضرحة أئمة الشيعة ، والطقوس التقديسية والمغالية التي بات الإيرانيون يمارسونها هناك!! لا يمكن أن يبنى ما يضاهيه في العراق لأسباب عديدة ؟ ثم أن ذلك الضريح قد تحول لمعلمة سياحية دينية إيرانية مهمة لن يتنازل عنها الإيرانيون لأنه رمز قومي إيراني قبل أن يكون رمزا دينيا أو مذهبيا للشيعة ! ونفاق بعض الجماعات الشيعية العراقية ومزايدتهم الساذجة إنما هي مؤشر على رؤى وخيارات غير واقعية ولا طعم لها ! ، لأن العراق ليس بحاجة للمزيد من المشاكل أو لزيادة تدفق الزوار الإيرانيين بدعوى ( زيارة إمامهم السابق )! هذا إن وافقت السلطات الإيرانية على مسألة نقل الضريح ؟ وهي قضية مستحيلة بالمطلق ولن تتحقق على الإطلاق ؟ ثم أن العراق ليس بحاجة ( لمسمار جحا ) جديد !! وأعتقد إن مشاكل العراق العويصة أكبر كثيرا من توفير قبر ومرقد ضخم وبديل للولي الفقيه الإيراني الراحل ؟ إنه زمن الموت العراقي الشامل الذي جعل من القبور في العراق من اكثر الأشياء توفرا ؟ فقليلا من العقل يا دعاة الإسلام الطائفي الجديد .. و حاولوا الإهتمام بمشاكل شعبكم المسحوق بدلا من متابعة أجساد الموتى وتقديسها!!، وكما أسلفت فإنه لم تتضح مصداقية ذلك الخبر حتى الآن ( والذي نشر في صحيفة عراقية ودولية )! ولكنني أعلق على ظاهرة تصاعد الولاء من بعض الجماعات الشيعية لإيران وكما تجسدها بعض التحركات الميدانية والتصريحات العلنية ! ...فلا حول ولا قوة إلا بالله .

لقد بينت جميع المؤشرات السابقة واللاحقة على فشل السياسيين العراقيين الحاليين في التميز بالوطنية العراقية المطلوبة وبات تلمس الحلول الخرافية أو التطلع لرضا الجانب الإيراني هو الهدف المقدس لهم رغم الجعجعة الإعلامية المعاكسة لتلكم التوجهات ، كما تبين بشكل واضح وصريح فشل السياسي العراقي الحالي في التخلص من إرتهانات ووشائج و عقد الماضي في التبعية والولاء ! .. إنها مسألة خطيرة في وضع عراقي خطير ! . وهي مشكلة عظمى في ملف عراقي متورم بالمشاكل المتراكمة .