عودة الإمام الخميني
بقلم / يحي أبوزكريا
03/24/2009


على الرغم من وفاته قبل عقد من الزمن ونيّف إلاّ أنّ الإمام الخميني الذي قاد الثورة الشعبيّة الإسلامية ضد نظام الشاه وأقام نظام الجمهورية الإسلامية في سنة 1979 ما زال حاضرا بقوةّ في تفاصيل الحياة السياسية الإيرانية و ما زال فكره يشكل مرجعا للكثير من الناس في إيران حتى لأولئك الذي لم يعايشوا ثورته على نظام الشاه .
وقد جرت محاولات حثيثة لإحداث الطلاق البائن بين إيران و الإمام الخميني حتى من قبل الذين كانوا محسوبين على خطّه في السابق و الذين أثروا ثراءا فاحشا جرّاء قربهم من مرشد الثورة الإيرانية الإمام الخميني , وبحجّة الواقعية و البراغماتية و منطق الدولة و الضرورات الدولية الراهنة حاول بعض القياديين في النظام الإسلامي الإيراني وضع إيران في مسار وسكّة لم يكن الإمام الخميني ليرتضيها لو كان على قيد الحياة , ولذلك كانت المؤسسات المتشبعّة بفكر خطّ الإمام كالحرس الثوري و البسيج و بقية المؤسسات تنظر بكثير من القلق إلى هذا الإبتعاد الواضح عن روح الثورة الخمينية المبنية على صراحة الإسلام ووضوح المبادئ والسيرة الحسينية وعدم السكوت عن الظلم المحلي أو الدولي .
والقياديون الذين قادوا إيران بعد وفاة الإمام الخميني خطفوا إيران إلى موانئ لم تكن في وارد مفجّر الثورة الإيرانية , و إنفصلوا بفكرهم و ممارستهم السياسية عن الثوابت التي رسمها الإمام الخميني إلى درجة أنّ مهدي كروبي المحسوب على تيار الإصلاح والتجديد إعتبر محمود أحمدي نجاد والتيار الذي يمثلّه تيار خطّ الإمام الذي يمثلّه و يدعو إلى إحيائه طالبانيا يريد أن يقود إيران إلى التطرف و الإنهيار , علما أنّ كروبي صاحب عمامة و ينتمي إلى نفس المدرسة الحوزوية التي أنتجت الإمام الخميني ومعظم قادة الثورة الإيرانية .
يروي بعض المقربين من الإمام الخميني أنّه في فترة الحرب العراقية الإيرانية كان الإيرانيون يحصلون على النفط والغاز ببطاقات المحاصصة , وبات لكل مواطن حصته الصغيرة من النفط والذي هو ضروري للتدفئة وخصوصا في فصل الشتاء القارس في إيران , فجاء بعض الحرس الثوري إلى الإمام الخميني بحصة إضافية من النفط فقال لهم : وهل حصل كل أفراد الشعب الإيراني على ما حصلت عليه , فعندما أجيب بالنفي , قال لست في حاجة إلى هذا النفط .
مع الإشارة أنّ البيت الذي كان يسكنه الإمام الخميني في منطقة جماران كان يدفع إيجاره شهريّا .
وكان هذا الزهد مفروضا على كل الذين يمارسون عملا رسميا , و لم يكن الإمام الخميني ليقبل بحالات الترف أو التقلبّ في النعم على حساب الشعب , و الذي حدث أنّ بعض العمائم وخصوصا بعد وفاة الإمام الخميني أفادت إلى أقصى درجة من النعم والخيرات و أموال النفط فتحولّ بعض العلماء إلى شاهات حقيقيين , مقاليد الثروة والتجارة الداخلية والخارجية بأيديهم بالإضافة إلى أموال النفط , و كان بعض الناس في طهران إذا شاهدوا معمما يقولون له : بول دار , أي صاحب ثروة .
و الواقع أنّ الطبقة السياسية التي تبنّت الإصلاح والتجديد لم تكن تهدف إلى عصرنة الخطاب الإسلامي وتلقيحه بمفردات العصر والحداثة بقدر ما كان يهمها الدفاع عن مصالحها التي كبرت بشكل فظيع , إلى درجة أنّ خريج الحوزة العلمية والذي كان يفتقد إلى الكسرة اليابسة وكان يعيش بفضل ما يعرف في الفقه الجعفري بصيام وصلاة الإنابة بمعنى أخذ مال مقابل الصيام أو الصلاة أو قراءة القرآن لشخص ميت وطبعا المال يؤخذ من ذوي الميت أصبح يتصرّف في ملايين الدولارات إلى درجة أنّ بعضهم نسيّ مهام الدولة وخدمة المستضعفين إلى خدمة مصالحه الخاصة .
و قد فرطّت هذه الطبقة السياسية في تراث الإمام الخميني إلى أبعد الحدود الديني كما السياسي , وجمعت هذه الطبقة بين الدين والدنيا , وبين التقوى و الهوى , و بين خطّ الإستضعاف وخطّ الإستكبار , و بين فقه آل البيت و فقه السياسة النفعية المعاصرة .
وكان تيّار خطّ الإمام الذي ينتمي إليه الرئيس الإيراني المنتخب محمود أحمدي نجاد ينظر إلى هذا الإنسلاخ عن تراث الإمام الخميني بكثير من الإشمئزار و الضيق و الغضب , غير أنّه كان محكوما بولاية السيد علي خامنئ و لم يكن ليقوم بردّة فعل سياسية بدون حكم شرعي يملك علي خامنئ وحده صلاحية إصداره .
وتحركّ هذا التيّار وسط المستضعفين في المدن والقرى والأرياف , و إنطلقوا من المساجد والحسينيات لتذكير هؤلاء الفقراء الذين إزدادوا فقرا مع الإصلاحيين , فيما إزداد أقطاب الإصلاح غنى فاحشا وثراء قلّ نظيره , وجرى تذكير هؤلاء المستضعفين بالإمام الخميني الذي إنتصر لهم وسخرّ حياته لأجلهم وعلمهم معنى العدل و المساواة وضرورة أنّ يعيش الحاكم عيشة على بين أبي طالب الذي كان يرقّع ثوبه .
و عمليّة الإحياء هذه في الأوساط المستضعفة جعل المستضعفين الإيرانيين تلقائيا يكتشفون نفاق الإصلاحيين إذا صحّ هذا التعبير الذين يريدون بيع الثورة بلا مقابل يعود نفعه إلى هؤلاء المستضعفين .
إذن فعلى الأقل يجب الحفاظ على الثورة , و من الظلم بمكان يقول بعض هؤلاء المستضعفين الخروج بخفيّ حنين من اللعبة الإنتخابية لا ثورة و لا رفاهية ..
وقد أحسنت قوى ومؤسسات خطّ الإمام في إخراج الإمام الخميني من قبره ليكون شاهدا على محاولات سرقة الثورة و جعلها في سياقات إستكباريّة لن ترضي بالتأكيد الإمام الخميني والذي قيل له ذات يوم : إنّ واشنطن وموسكو منزعجتان منك ومن ثورتك فرددّ قوله تعالى :
لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبعّ ملتهم .
لقد أساء بعض الإصلاحيين إلى فكر الإمام الخميني عندما أرادوا إحداث الفصام النكد بينه و بين السياسة الإيرانية الرسمية , و أساؤوا إلى المستضعفين الإيرانيين الذين لم يوفروا لهم أدنى مستلزمات العيش فيما إزدادوا هم ثراءا وغنى و جمعوا الدنيا من كل أطرافها , والذين كان تيار خطّ الإمام الخميني يغضّ الطرف عنهم لأنّ فضحهم يستوجب تلويث سمعة الثورة الإسلامية في إيران لأنّهم محسوبون على خط العمامة والحوزة العلمية , و لأنّ فضحهم سيخدم القوى السياسية المتربصة بنظام إيران الإسلامي .
وبناءا عليه فإنّ فوز محمود أحمدي نجاد إبن الحرس الثوري الإيران و إبن خطّ الإمام سيجعل صوت الإمام الخميني عاليا مجددا و تحديدا ذلك الصوت الذي كان يلعلع في جماران :
لا شرقية لا غربية جمهورية إسلامية , أو باللغة الفارسية نى شرقي نى غربي جمهوري إسلامي .
و لأنّ الأمر كذلك فإنّ محمود أحمدي نجاد وفريقه عليهما الإستعداد لمرحلة حساسة من تاريخ إيران وخصوصا في عصر الأمركة الزاحفة !!